أصدق العشاق



مالت الظلمة إلى الرحيل ، وودعت قطرات الندى قمراً مكتملاً آل إلى الخفاء .. بين شعاعات شمس منيرة صفراء .. تلمع على موج بحر باهر الأضواء .. ونسمات من هواء الفجر تتخلل ذا الصفاء .. وقطرة ندى هاربة تشع جمالاً .. داخل وردتى الحمراء ..

وبين ذاك السلام النفسى ، ترى طفلتين صغيرتين تتقاذفان الرمال .. ثم تتسابقان إلى البحر ، ويقذفا بجسديهما الصغيرين بين أمواجه الصغيرة .. على مقربة من ذلك الشاطئ الناعم .. الذى صار يلمع كسطح مرآة ملكية

هدأت إحداهما واستقرت على مقربة من أهلها .. تحفر فى الرمل رسماً لم أتبينه ، ثم أسرعت ونادت قرينتها لتريها ماذا رسمت .. غارت قرينتها وذهبت .. ثم عادت ومعها نسخة بلاستيكية مصغرة من أدوات الحفر .. وبدأت تبنى قصراً من الرمال

تميزت الفتاة من الغيظ وصارت تسكب المياة على قصرها كلما ارتفع قليلاً ، فتغتاظ الأخرى وتجرى ورائها كثيراً .. حتى ان تتعب وتعود لتبدأ من جديد
ولكن الفتاة تعود من جديد مع دلو آخر من الماء ..

مرت الساعات وأنا أراقب هاتين الطفلتين ممسكاً بوردتى الحمراء أداعبها بين أناملى وأنفجر ضحكاً كلما جريا سوياً ، أو كلما رأيت تلك الصغيرة تبنى بصبر قصر الرمال التى قررت منذ البداية إنهاؤه اليوم .. قبل العودة

إزداد الزحام بعد ساعات حتى ما صار الجو نقياً ، أو الرمال ذهبية .. إلا أن صوت البحر صار يدغدغ أذنى ويجبرها على النوم على شاطئ البحر الأزرق
لم يكُ النوم سهلاً بين ذلك الزحام وأصوات البشر والباعة الجائلين .. وكذا لم يكُ الإبتعاد عن البحر سهلاً فى يوم مثل هذا ..

مالت الشمس إلى الغروب ، ومال البدر إلى إستعادة مجده الذى قد سلبته الشمس منذ ساعات .. وكذا انتشرت الظلمة رويداً رويداً ، وكأنها تأبى إلا الموت البطئ لنهار سلبها ملكها .. وكأنها سيدة الكون بلا منازع

بدأ البشر بالرحيل ، وبدأ الشاطئ يعود إلى الصفاء .. واتسع الأفق من جديد لأتابع قرص الشمس يأخذ نفساً عميقاً .. قبل أن يغطس فى مياه البحر
وأخيراً اختفى قرص الشمس .. ولكن ضوء الشفق الأحمر لا زال يلمع فى الأفق .. قمت من مكانى وذهبت أسير فوق الرمال .. تلك التى كانت مليئة بقمامة رماها هؤلاء وحفرة حفرها أولئك ألطفال ، وبعض القصور الرملية المتهدمة التى عكرت صفو وجمال المنظر

توقف إتصالى بالواقع وصرت أرى خيالات من الطبيعة ، رأيت الشاطئ يبكى .. يبكى ويبكى إلى أن تتحرق رماله .. والبحر يبتئس ويقول فى أسى :
"لا عليك أيها الحبيب .. سأساوى رمالك وأنظفها .. وأداوى جراحك وألطفها"

ثم أشعر بأمواج البحر تقترب رويداً رويداً .. وتأخذ برقة كل ما يؤذى العيون .. ثم تعود .. فتخفى بداخلها كل ذاك .. ثم تقترب رويداً .. وتسوى تلك الرمال التى علت وانخفضت .. وتعود فإذا بمرآة ملكية عادت من جديد ..

همس الشاطئ فى خجل :
"الحب كل الحب أجده فى مياهك العطوف .. أنّى لى أن أرد لك المعروف ؟"

يهدأ البحر قليلاً كأنما يفكر .. ثم يعود فيلقى بوردة حمراء

ثم تأتى موجة أخرى .. يعقبها صوت البحر يقول :
"لا تشكرنى يا أصدق العشاق ، يا من تحملنى فوق رمالك منذ قدم الدهر"

فأرى رمالاً تتطاير طرباً .. ممسكة بتلك الوردة ، وأسمع هديل رياح تداعب تلك الرمال
ثم وكأن الرمال تنطق من جديد وتقول :
"وماذا يكون صنيعى ، بجانب صنيعك يا شافى جروحى ؟"


ولا زالا أصدق عشاق الكون يتغازلان حتى .. أدركهما نور الصباح .. فسكتا عن الكلام المباح
ومرة أخرى .. عادت قطرات الندى .. تهرب من نسيمات فجر جديد
.
.
.

كان ذلك .. من وحى الشاطئ