أين ذهبت اللعبة؟ (خاطرة قصيرة)

ترقب الطفل كثيراً ذلك الصندوق الخشبى الكبير الموضوع فى آخر الردهة .. صندوق قد يبدو جميلاً ولكنه فى كل مرة يحاول الاقتراب منه يوبخه أبواه .. يبدو أن بهذا الصندوق مغامرة جميلة تنتظره .. أو هكذا فكر الطفل.

مرت الأيام، وذهب أبواه إلى السوق سوياً .. وتركوه فى المنزل ظناً منهم أنه نائم .. وفور ما رحلوا نزل الطفل من على سريره واقترب من الصندوق شيئاً فشيئاً .. حاول فتحه .. لكنه لسوء حظه كان مغلقاً بشده .. وأعصاب يده الصغيرة لم تتحمل قوة هذا الصندوق الخشبى الكبير .. فتركه وجمع بعض لعبه المفضلة تحت السرير وظل يلعب بها حتى غرق فى النوم

ما هى إلا بضع دقائق وعاد الأبوين إلى المنزل ليجدوا إبنهم ليس نائماً فى سريره .. وظلوا يبحثون عنه فى كافة أرجاء المنزل إلا أنه لم يخطر ببالهم أن يكون نائماً تحت السرير وسط لعبه الجميلة .. تعالت الصيحات والتف الجيران وزادت الضوضاء فى المنزل حتى أفاق الطفل من نومه .. وخرج ليتفقد مصدر هذه الضوضاء

فوجئ الطفل بالصندوق الخشبى الذى كان دائماً مغلقاً .. هذه المرة مفتوحاً .. اقترب منه قليلاً حتى بلغه .. ثم نظر بداخله ليجد اللعبة التى طالما انتظرها وطالما طلبها من والديه ولم يوافقوا عليها أبداً .. وقالوا له أنها خطرة على الأطفال الصغار .. ترائى له أنهم قد أعدوا له هذه المفاجأة وقرر ألا يفضحها .. فذهب إلى الخارج ووجدته أمه وانتهى الأمر

مرت الأيام ولم يقدم له أبواه الهدية كما توقع الطفل .. طال الانتظار حتى قرر الطفل أن يفاتح أبويه .. ولكنهم أنكرا أى علاقة لهم بالموضوع .. وأنكرا وجود أية لعبة بالصندوق .. ولما بدأ الطفل بالبكاء أخذوه من يده وفتحوا الصندوق أمامه .. تقدم ببطء ثم نظر بداخله .. فإذا بالصندوق خالٍ فعلاً .. فظن أنها حيلة أخرى من أبويه وأنهما سوف يعطونه هديته فى عيد ميلاده القادم .. فتركهم بابتسامة ظفر وذهب ليلعب بعيداً عنهم .. ولا أحد يعلم .. أين ذهبت اللعبة .. هل كانت موجودة أصلاً .. لماذا أنكر أبويه .. هل سيقدمان له اللعبة .. الكثير من الغموض .. الكثير من التساؤلات .. فى الحقيقة الطفل لا يعلم هل هناك الكثير من الغموض .. أم أن الأمور واضحة .. ولا يعلم إذا كانت الأمور واضحة بأنه لا توجد لعبة .. أم أن الأمور واضحة بأن الهدية موجودة وفقط لم يأت وقتها بعد

ترى .. أين ذهبت اللعبة؟

الحب .. اللغز الذى حير الفلاسفة

لماذا يستهلك كثير من الفلاسفة معظم أوقاتهم محاولين تفسير المشاعر الإنسانية؟ .. لماذا يحتل الحب دائماً المركز الأول بين المشاعر الإنسانية الأكثر غموضاً ؟؟ ما الغامض جداً بشأن الحب؟؟ الحب هو أحد المشاعر الإنسانية الراقية التى يحتاج كل منا لأن يشعر به بشكل منتظم .. ليس أكثر أو أقل .. المهم ليس هو ماهية الحب .. المهم هو كيف تريد أنت أن يكون حبك

البعض يريد أن يكون حبه صمت وقور .. وآخرون يريدون أن يكون حبهم حقاً غيور .. كثير من الناس يحتاج أن يكون حبهم عطاء دون مقابل .. وكثير يحتاجون أن يكون حبهم للتحقيق قابل. إختلاف رؤية كل منا للحب لهو شيء جميل أنعم الله به علينا .. فلولا ذلك لصار هناك من هم بارعون فى الحب وآخرون ليس لهم منه بدينار. أما هكذا فكل منا بارع فى حبه كما يجول بين أرجاء قلبه

كل منا يستطيع أن يحب .. بل كل منا بارع فى الحب .. المشكلة تكمن فى أن الحب وحده لا يكفى!!

منذ متى كان الحب يكفى؟؟ هل أنقذ الحب روميو وجولييت من غباء القرار؟؟ كم من قصص الحب نسمع باستمرار .. من أصدقائنا وأقربائنا .. وكم منهم يتوج بالزواج .. وكم ممن يتوج بالزواج يكلل باستمرار الحب بعد الزواج؟؟ لا والله .. ليس الحب وحده سلاحاً أمام براثن الدنيا

مثل الحب فى القصص الرومانسية الواقعية أو الخيالية كمثل حماس المحارب قبل المعركة .. كم من المحاربين يصعقون من هول المعركة ويموتون خوفاً قبل قتل العدو لهم؟؟ كثير .. وأى معركة كمعركة أنا الإنسان العليا مع نفسه الدنيا .. أى معركة كهذه المعركة الشرسة؟؟ الحب وحده كمحرك لأى علاقة بين أى طرفين مثله كمثل شخص اشترى سيارة باهظة الثمن وينتظر منها أن تتحرك دون أن يملأها كل فترة بالوقود .. تخيلوا منظر شخص أبله يصيح بسيارته أن تتحرك دون وقود .. هذا هو منظر كل من يعتقد أن الحب وحده يكفى ..... إذن ماذا يحتاج الحب لكى يستمر؟؟

الحب مثله كمثل أى نبات .. يحتاج لأن تهيأ له الظروف المناسبة لكى يستمر وينمو باستمرار .. أى تقصير أو عدم اهتمام بهذا النبات ولو لفترة قصيرة قد تتسبب فى قتله بمنتهى السهولة .. وكلما تقدم العمر بهذا النبات زادت قوة تحمله للإهمال وعدم الإهتمام .. ولكنه يبقى نباتاً طبيعياً يحتاج من آن لآخر لإهتمام بسيط يحافظ على نموه باستمرار .. فالحب كمثل أى كائن حى .. ينمو أو يموت

امتلأت كتب ومراجع بالظروف المناسبة التى يجب تهيئتها لأى نبات كى ينمو سريعاً وبصحة جيدة .. أما عن الحب، فلا توجد حتى هذه اللحظة معايير واضحة يستطيع أى منا تحقيقها بسهولة دون تفكير.. وهنا يكمن الجزء الصعب .. اللمسة البشرية

ولكنه ليس منطقياً أن تكون الإجابة فقط هكذا .. مثل أحد الشخصيات الكارتونية فى أحد أفلام الأطفال حين قال "الخلطة السرية هى ... أنه لا توجد خلطة سرية" حتى يستوعب الطفل بسهولة أنه لا يحتاج إلى وصفة سحرية لكى يكون قوياً ويحارب الوحش .. ويكفيه أن يقتنع بأنه شخص قوى حتى يحارب الوحش وينتصر عليه .. صحيح أنه مبدأ جميل لكنه ليس الوضع هنا على أية حال حمداً لله

"أنا لا أعلم الطريق إلى مبتغاك .. ولكنى أعلم كيف تصل إليه"

الحب أحد المشاعر الإنسانية الأكثر خطورة .. إن لم يكن الأخطر على الإطلاق، فهو يمس أحد أقرب المناطق إلى الوعى الإنسانى الذى يربطه بالواقع الذى يعيش .. بمعنى أكثر بساطة .. الحب قادر على أن يغير بتفكيرنا وبكياننا أشياءاً لا نجرؤ أن نفكر فى إمكانية تغييرها، لذلك يجب أن يكون كل منا أكثر حرصاً فيما يتعلق بإختيار الشريك المناسب لمبادلته مشاعر الحب .. نعم الحب قابل للإختيار والتفكير والتدقيق .. الحب ليس كما يظهر لنا فى الإفلام الرومانسية على أنه هذا السهم الذى يأتى من قوس "كيوبيد" والذى لا دخل لأحد فيه .. هذا الرجل ليس له ذنب أنه أحب هذه الراقصة .. هذه الفتاة ذات حظ عسر .. لقد أحبت ذلك الفتى رغم أنها كانت تعلم أنه يتلاعب بها .. إلا أنها لم تستطع مواجهة شغفها به .. هراء شنيع

الحب رغبة ملحة داخل كل أنسان تحتاج للإشباع بشكل أو بآخر .. كون أن هذا الرجل سمح لنفسه أن تحظى هذه الراقصة بمكانة الحبيبة لديه، هذا لا يجعله بريئاً وإن أراد أن يظن بنفسه ذلك حتى يتخلص من عذاب الضمير .. هذه الفتاة اختارت بمحض إرادتها أن تسمح لهذا الشاب أن يحظى لديها بمكانة الحبيب وهذا لا يبرئها على الإطلاق حتى إن أرادت أن تظن نفسها بريئة حتى تتخلص من نظراتها لنفسها فى المرآة .. الحب عرض يعرضه القلب على العقل كل دقيقة حتى يستمتع القلب بهذه المشاعر الجميلة التى خلق الله فيه رغبته لها .. ولكن العقل هو الذى يختار بمحض إرادته أن يوافق أو يرفض .. الحقيقى أنه بعد فترة من موافقة العقل يصير صعباً جداً عليه أن يعيد زمام الأمور إليه مرة أخرى بعد أن صار القلب يخترق كل ما يمكن أن يخترق من حدود الأمان .. ولهذا يتوجب على العقل ألا يتسرع فى أية خطوة قبل أن يتأكد بنفسه أن كل الظروف مهيئة لاستقبال هذا الضيف الجديد على حياته .. الحب

ما هى تلك الظروف؟؟ الحديث فى هذه النقطة قد يطول جداً وقد يستمر النقاش فيه إلى أبد الآبدين دون أن ينتهى أحد من كلامه ودون أن يعيد أحدهم شيء قد قاله من قبل، ولكننى قد أكتفى الآن بما أراه كافياً لعلاقة سوية عاقلة فرصتها فى النجاح قد تتعدى حداً آمناً إلى حد مقبول .. يمكننا أن نبدأ بمدى إستعدادك للتضحية من أجل الطرف الآخر ومن أجل إتمام العلاقة وتكليلها بالنجاح .. الكثير يظنون ظناً خاطئاً أنهم على أتم استعداد أن يضحوا بكل غالٍ ورخيص من أجل شيء كهذا ، ولكن فى الواقع قد نجد الكثير منهم يترددون حين يحين حين التردد .. وكثير منهم يتراجعون وقتما يأتى وقت "التراجع الآن أو الإستمرار للأبد" .. وكثير منهم يستسلمون فور ما يقابلون الصعوبات الأولى .. عندما كنت صغيراً قال لى والدى رحمه الله أن فرص العمل كثيرة .. فقط ذوى المهارة هم القليلون .. فرص قصص الحب الناجحة كثيرة .. فقط من هم مأهلون نفسياً لأن يتعاملون معها ويخلصون لها ويحاربون من أجلها هم القليلون.

عندما سألت أحدهم ما هو الحب؟ قال لى الحب هو شخصين قررا أن يقضيا ما تبقى من عمرهما محاولين كل منهما أن يسعد الآخر بكل ما أوتى من استطاعة .. والنتيجة .. شخصان سعيدان

هنا يكمن السر الأكبر وراء حل هذه الأحجية الكبيرة التى دائماً ما نعجز عن حلها حول ماهية الحب .. الحب هو الحب كيفما يراه كل منا وكيفما يريده ويحتاجه ويبرع فيه كل منا .. المهم هو كم نستطيع أن نعطى دون انتظار المقابل؟؟ فالمقابل يأتى دائماً .. ولكن كم من الصبر تتمتع به كى تنتظره؟ كم من الشجاعة يحمل قلبك كى تناضل من أجل أن تقاوم الصعوبات التى ستواجهها؟ لماذا برأيك لم تنتهى الصعوبات بالزواج بل صارت تبدأ؟؟

الزواج هو الإختبار الحقيقى والأخير فى رأيى لطرفى أى علاقة حب شريفة وطاهرة .. قد يعترض البعض على فكرة أن تكون هناك علاقة شريفة وطاهرة قبل الزواج وأنه بالتأكيد للشيطان دخل فى ذلك ولكن دعنى أتطرق إلى هذا الأمر لاحقاً ورجاءاً تغاضى عن هذه المشكلة الآن وتظاهر معى بأنك توافقنى الرأى فى أن الزواج هو الإختبار الحقيقى .. لماذا؟ الجواب بسيط .. لأن هناك نوعان من الحب .. أو لنقل بشكل أفضل أن هناك تفسيران لما قد نظن أنه حب .. التفسير الأول أنه حب .. والتفسير الثانى أنه مجرد رغبة فى الحب

الحب بسيط .. مشاعر راقية .. لا وجود للعنف فيها ولا الرغبات الدنيئة .. من يحب فتاة لا يريد أن يمسها قبل أن يتزوجها .. هو ببساطة لا يريد .. قد يريد بداخله ولكنه لا يفعل أو حتى يبوح بمثل هذا الأمر .. الحب جنون إن لم يعقله العقل طاح ودمر .. وإن قيده بشده فسد وتعفن

الحب يبقى بعد الزواج لفترات طويلة جداً فى الغالب تمتد حتى يتوفى الله الطرفين .. أما الرغبة فى الحب فأغلب الأوقات تنتهى بالخطوبة أو فى خلال العام الأول من الزواج على الأكثر .. وقد ينتهى معها الزواج أو لا طبقاً لظروف ومعايير كثيرة لسنا بصددها الآن .. مما يجعلنا نشدد بقوة على أهمية إختيار الطرف الآخر بعناية .. وهذا قد يدفعنا إلى سؤال جديد .. كيف يتم إختيار الطرف الآخر؟

فى هذا الصدد كتب آلاف من كتب آلاف السطور .. ولكننى هنا كما توقعتم سأكتفى بما أراه كافياً .. ربما يكفى أن نعود بضعة سطور إلى الوراء ..

" عندما سألت أحدهم ما هو الحب؟ قال لى الحب هو شخصين قررا أن يقضيا ما تبقى من عمرهما محاولين كل منهما أن يسعد الآخر بكل ما أوتى من استطاعة .. والنتيجة .. شخصان سعيدان"

إن كان الحب حقاً شيء قابل للتفكير المنطقى مثله كمثل أى من الأمور المنطقية .. فلماذا لا نطبق عليه كافة قواعد التفكير المنطقى؟ دعونا أولاً نعود قليلاً إلى أحد أحاديث أكرم الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حين كان يتحدث عن إختيار الزوجة .. لماذا ختم سيد الخلق حديثه بقوله "فاظفر بذات الدين تربت يداك"؟ .. مروراً سريعاً بالمعنى السامى وراء كلمة "فاظفر" تشبيهاً لذات الدين بأنها غنيمة انتصار فى معركة من غلوها وقيمتها .. ودون الإنتهاء عند قوله "تربت يداك" الذى اختلف المفسرون حول تفسيرين كل منهما أجمل من الآخر .. يكفينا فى هذا المقال الخفيف أن نخرج بكلمة "ذات الدين" .. ودعونا نذهب سريعاً إلى حديث آخر لذات الرجل .. سيد الخلق .. أصدق الناطقين .. "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ..." أو كما قال إلى آخر الحديث

هذا هو المعيار الأول الذى لا خلاف حوله .. كل دواعى التفكير المنطقى تقف عاجزة حول تكذيب مثل هذا المعيار المنطقى .. الدين .. هل الدين هو المعيار الوحيد؟ أو دعونا نقول .. هل يكفى الدين أن يكون المعيار الوحيد؟؟ الدين معيار قوى يجعله كافياً فى أغلب الأحيان أن يتم على أساسه فقط الأختيار .. وإلا ما كان ذكره الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وفى بعض الأحيان تكون بعض المعايير الأخرى باعثة على الإطمئنان بجانب هذا المعيار الأساسى الذى لا غنى عنه ، وأحد هذه المعايير أجده مهم جداً وسأكتفى بالحديث عنه

حيث أن الحب مجرد قرار يقرره كل من الطرفين أن يسعد كل منهما الآخر حتى نهاية العمر .. فلماذا لا تختر من يريد سعادتك؟ بين كل من حولك .. ستجد أناساً يحبونك حباً عظيماً ويتمنون لك الخير دائماً .. تستطيع بسهولة أن تصنع تابعين لقيادتك القوية .. أو سعداء بصحبتك اللذيذة .. أو خائفين من غضبتك التى لا ترحم .. ولكنه من المستحيل أن تزرع حبك فى قلوب من حولك .. فقط الله هو القادر أن يقذف حبك فى قلوب عباده الذى يقلب قلوبهم بين كفيه .. هؤلاء تجدهم يريدون دائماً أن يعطوك لا أن يأخذوا منك .. بل أنهم أغلب الأوقات يرفضون أن يأخذوا منك حتى لا يكونوا عبئاً عليك بأى شكل .. هؤلاء هم الغنيمة الحقيقية ..

أعتقد أننى بهذا الشكل قد رددت على من قد يعترض على نبرة "علاقة شريفة طاهرة قبل الزواج" .. ودعنا نقول أنه مهما حدث سيظل الشباب كل يوم يقولون للفتيات كم يحبونهم وكم يتمنون اللحظة التى تجمع بينهم فى الحلال .. وكل لحظة يمر كل منا بتجارب مريرة بسبب عدم فهمه للحب .. تجارب قد تضره وقد تضر من معه وقد يمتد ضررها إلى آفاق لا يتخيلها كل منهما

فى هذا المقال الخفيف حاولت بقدر استطاعتى أن أصف ما فهمت عن الحب فى ضوء فهمى المتواضع بناء على التجارب التى سواء عشتها أو رأيتها حولى أو قرأت عنها فى قصص رومانسية .. أتمنى أن أكون قد صنعت فارقاً ولو بسيطاً فى فهم كل من قرأ هذا المقال يجعله قادراً على أن يحلل بنفسه الأمر ويصل وحده إلى معتقداته الشخصية التى يبنيها على تجاربه التى سواء عاشها أو رآها حوله .. وحتى ألقاكم مرة أخرى فى مقال آخر .. إليكم منى السلام

فى رثاء الخير

"أيوة أول مكرم يا أسطى" قلتها للسائق وأنا أتأهب للنزول من الحافلة .. أحمل الهاتف المحمول فى يدى وأقول "أيوة يا أمى أنا خلاص فى أول مكرم أهه" .. "أيوة إستنينى أنا جاى" .. "طيب خلاص سلام" .. ثم توقفت الحافلة الخضراء وترجلت عنها واضعاً الهاتف فى جيبى ومعه يدى اليمنى ، ثم أضع اليسرى فى الجيب الآخر .. أمشى مبتسماً ومالى لا أبتسم ..

منذ أسابيع ثلاثة نُقل أبى إلى العناية المركزة فى عربة الإسعاف من التأمين الصحى إلى مستشفى تابع لعمله فى المعادى، حيث توجد عناية أفضل من طاقم الأطباء والتمريض .. كنت أعلم أنها بداية النهاية بالنسبة لصراع دام سبعة سنوات بين أبى المحب للحياة والمقبل عليها .. وبين ذلك المرض الذى تقشعر الأبدان من إسمه .. فما بالك إذن بملاقاته وجهاً لوجه فى فراش المرض ؟ كان أبى دائماً ذلك الرجل الوقور المحبوب .. قريب منك دون أن تشعر بتدخله فى تفاصيل حياتك .. قليل الكلام ولكنه إن تكلم أصاب .. شديد الإنصات .. يعشق العزلة فى الأحزان والترابط فى الأفراح .. كان أبى هذا الرجل الذى لا يشتكى أبداً .. ذلك الرجل الذى يحب التضحية من أجل التضحية لا من أجل المقابل .. كان ذلك الرجل الذى يهتم بالجودة فى كل شيء .. إبتداءاً بمظهره الوقور وابتسامته الكلاسيكية وحذائه اللامع دائماً ، ثم مروراً بعمله المتقن وحياته المهنية التى تكاد تخلو من الهفوات .. دون أن تنتهى عند دوره كأب لولد صغير وفتاة تكبره بستة أعوام ولا عند دوره كزوج صالح محب متقرب إلى الله

منذ أن بدأ فى الصراع مع هذا المرض ، والألم يتسلل إليه شيئاً فشيئاً .. كنت أعلم أنه عندما يتأوه هذا الرجل .. فإن احتقان الألم بداخله قد أجبره بالتأكيد أن يتأوه رغماً عن إرادته ، فلقد كان دائماً يقول عندما يُسأل عن صمته : "وهو الناس ذنبها إيه انى تعبان ؟" .. وهذا ما جعل تأوهه أكثر إيلاماً بداخلى مما كنت أظن ، إذ أننى كنت أعلم أنه بالتأكيد يتعذب لا يتألم حتى عجز عن كتمان تأوهاته .. العذاب كل العذاب كان عندما رقد على الفراش .. ولازمه بلا حراك .. حينها انطفأت أنوار آل المنزل .. واصطفت الآمال تغادر المنزل فى نظام .. وانتشرت الكوابيس والشياطين بين أحلامنا ويقظتنا ، تقتل ما قد بقى فينا من حب أو روح أو إقبال على الحياة

ذات يوم من هذه الأيام نادى علىّ أبى وطلب منى طلباً غريباً .. طلب منى أن أساعده ليغير مكانه على فراشه فيضع رأسه مكان قدميه وقدميه مكان رأسه .. قلت له أن يا أبى هذا مجهد عليك هذه الأيام .. ثم لماذا أصلاً ؟ ولكنه أصر دون إبداء أسباب ، ففعلت له ما أراد بعد تأوهات مريرة وصرخات مكتومة .. منذ أيام علمت أنه قد حكى لعمتى أنه رأى فى المنام شخصاً يلبس ثياباً خضراً حسن الوجه أبيض البشرة يكلمه فى هدوء وينصحه بأن يستقبل القبلة ويختار الإختيار الصحيح .. فنظر أبى فوجد أن ناحية القبلة نور عظيم وحدائق خضراء .. أو هكذا وصلت لى الحكاية .. وقيل لى أنه كان نفس اليوم الذى طلب منى أبى فيه - دون إبداء أسباب - أن أديره الناحية الأخرى دون أن أنتبه أنه هكذا قد استقبل القبلة

نُقل أبى إلى العناية المركزة وقد ساءت حالته كثيراً .. قال الأطباء أن الأمر بين شهر وثلاثة شهور على الأكثر .. فى الواقع كلامهم الذى بدا متشاءماً أكثر من اللازم .. اتضح أنه كان متفائلاً أكثر من اللازم ، فلم يتعد الأمر ثلاثة أسابيع حتى استرد صاحب الوديعة وديعته

نزلت من الحافلة مبتسماً .. ومالى لا أبتسم ؟ اليوم أزور أبى الذى رأيته للمرة الأخيرة قبل البارحة وكان حينها عن جد مريض .. حينها كان ذلك الخرطوم متدلياً من أنفه وهذه الأجهزة معلقة .. هذه الأصوات المرعبة والتأوهات التى ذبحها الألم ... وأبى النائم الذى يصحو بين حين وحين فيصرخ من الآلام قليلاً فيقطع قلوبنا .. ثم يغفو فى لحظات وكأنه لم يكن يصرخ منذ قليل .. نزلت من الحافلة مبتسماً ومتوجهاً إلى منزلى الذى يبعد عن أول الشارع بضعة مبانى سكنية .. ضربت الجرس ففتحت لى أمى تصرخ ... " أبوك ماااااات يا حازم ... أبوك مااات"

كل شيء حدث فى لمح البصر .. فى أربع ساعات تم استخراج تصريح الدفن وشهادة الوفاة وتغسيل أبى ونقله إلى المسجد وصلاة الجنازة والدفن ... لم أجد حتى الفرصة لأتسائل ... ماذا يحدث ؟ شعرت فى ذلك اليوم شعور الضأن بسخونة دماءه على فروته قبل أن تمس السكين رقبته أو تكاد .. فُتِحَت المغسلة قبل أن يغطوا الرأس بناء على طلبنا لنلقى عليه نظرة أخيرة لعلها تكون السلوى بعد الفراق .. دخلتُ مع أمى وأختى وزوجها ووالده وعمتى ... نقدم خطوة ونؤخر ثلاث .. عندما دخلنا المغسلة كانت الجدران والأرضية عبارة عن ذلك البلاط الأبيض القديم الذى يشيع الوحشة فى النفس .. وعلى يميننا يوجد حائط ارتفاعه متر أو متر ونصف لا أذكر تحديداً .. حائط صغير يفصل بيننا وبين منضدة التغسيل .. تقدمنا المزيد من الخطوات الوجلة القلقة نحاول أن نبقى على أنفاسنا نخاف أن ننساها فنتوقف عن التنفس .. حتى رأيناه .. وليتنا ما أصررنا

خرجت أمى من المغسلة تحاول ألا تفقد إدراكها بالعالم من حولها .. ولم ألتفت ما حال عمتى أو أختى وزوجها .. كل ما دار بفكرى أن تجلس أمى على الفور وأن نخرج جميعاً من هذا المكان .. ما هى إلا لحظات وكانوا قد وضعوه فى نعشه الخشبى وغطوه بهذه القماشة الخضراء التى تشبه قماشة سجادة الصلاة وقد كتب عليها "لا اله الا الله محمد رسول الله" .. ثم رفعوا النعش إلى سيارة تكريم الإنسان وركبت معه وعمتى وأحد أعز أصدقاءه ... لا أدرى لماذا ارتعدت عندما ارتجت السيارة عند أحد المطبات وكدت أن أطلب من السائق أن يهدئ السرعة .. شعرت للحظات كأن أبى نائم وأن ما يفعله السائق يقلق راحته .. كان أبى يربت على ظهرى تلك التربيتة المميزة التى لا يربتها أحد سواه .. كان يربت قليلاً ثم يمسح بيده للحظات فى حركة دائرية ، ثم يعاود الكرة ... لم أتمالك نفسى وأنا أربت على غطاء النعش بتلك الطريقة فانهرت للمرة الأولى

مررنا بمسجد وصلينا المغرب ثم وضعنا النعش أمامنا وصلينا صلاة الجنازة ثم بعد ذلك توجهنا مباشرة إلى مدافن آل الرافعى .. رُفع الغطاء الخشبى عن النعش ثم أنزلوه من السيارة .. ثم رفعوا الغطاء الأخضر القيم الذى يشبه سجادة الصلاة وحملوه ونزلوا به إلى القبر ... لم تكن فقط هى المرة الأولى التى أرى فيها قبراً مفتوحاً ، ولكنها أيضاً كانت المرة الأولى التى أحضر فيها مراسم الدفن وصلاة الجنازة وما إلى ذلك .. ولا أعلم لماذا جريت وراءهم ودفعت الجموع وهرولت حافياً منحنياً على درجات سلم القبر ، وجدت المدفن عبارة عن فتحة مستطيلة طولها متر ونصف وعرضها حوالى متر .. إلى غرفة ممتدة من اليمين ومن اليسار وأرضيتها فى مستوى أرضية الفتحة .. تقدمنى إبن عمى والمدفّن يحملان أبى وكنت ورائهما أحاول النظر من خلف المدفّن أسترق بصيص نظرات على أبى قبل الوداع الأخير .. لم أكن أدرى لماذا كنت أفعل ذلك ، ولا كيف كنت سأشعر إن رأيته هو لا كفنه .. ولكننى لم أتمالك إلا أن دفعتهم ونزلت درجات السلم خلفهما وأخذت أحاول الرؤية ، وقلبى وأنفاسى يتسابقان .. حتى فكوا عن رأسه وقدميه العقد فرأيته .. قيل لى أنه كان مبتسماً حينها .. رأيت وجهه متجهاً ناحية اليمين وكأنه ينظر عن جد ، وملامحه تبدوا أكثر ارتياحاً عما رأيت فى المغسلة منذ ساعة .. لا أذكر بعد ذلك إلا وانا أخرج من القبر وأصعد درجات السلم منحنياً دافعاً الجموع كغريق يدفع الماء بيديه لعله يجد الهواء

قال لى صديقه الذى ركب معنا سيارة التكريم أنه قد زاره اليوم الذى يسبقه على ما أذكر .. وحاول كثيراً أن يعرفه بنفسه أو أن يلفت انتباهه أصلاً فلم يستطع .. فقال صديقه "لا حول ولا قوة إلا بالله" ألف مرة بصوت مسموع .. فنظر أبى إليه مبتسماً مشيراً إليه وقال له "إنت .. حبيبى" .. ثم غاب عن الوعى .. كان صديق أبى متقرب إلى الله طائع شاكر .. كثيف اللحية منير المحيى .. وقد كان أكثر أصدقاء أبى قرباً منه وحباً فيه .. فقال "لا حول ولا قوة إلا بالله" ألف مرة أخرى .. فنظر إليه أبى .. فقال له صديقه "قل لا إله الا الله" .. فقال "لا اله الا الله" فقال له "وأشهد أن محمداً رسول الله" فرد أبى على الفور "وأشهد أن محمداً رسول الله" .. ثم غاب أبى مجدداً عن الوعى

لم يكن أبى ذلك النوع من الآباء الذى يتفقد كل كبيرة وصغيرة خلف أبناءه ليعلمهم الصواب من الخطأ .. وفى ذات الوقت لم يكن من النوع الذى يترك الحبال ويدعوا الله أن يقيهم أصدقاء السوء .. كان أبى من طراز مختلف .. ينظر إليك فيقرأك .. ربما يتكلم معك عن العراق وأزمتها وانت تعلم بداخلك أنه يعنفك عما فعلته فى كذا وكذا .. كان يحاول دائماً ألا يشعرك بوجوده داخل تفاصيل حياتك وألا يتدخل فى اتخاذ قراراتك ، ولكنه أبداً لم يكن يحرمك من نصيحة قد تفيدك

كان نعم الأب ونعم الزوج ونعم العبد الصالح .. رجل إدارة ناجح لبيت مستقر مطمئن .. موظف كادح ترقى فى المناصب بعرق جبينه .. واصل رحم رقيق الكلمة .. حاكم عادل لأمور الأسرة .. مفكر عاقل تتشوق للكلام معه فى أى شيء .. ومحلل سياسى محنك يتابع الأخبار من أكثر من مصدر باحثاً عن الحقيقة .. كان عبد الله الصالح فى الدنيا .. ثم صار - أحسبه عند الله كذلك - أحد سكان الفردوس الأعلى .. ألحقنى الله وأهلى به فى الجنة على خير إن شاء الله

نسر صلاح الدين وهلال الجزائر

أم الدنيا .. بلد الحضارة .. بلد الريادة .. حضن العرب .. بلد الأزهر الشريف .. بلدى .. الحضن اللى ربانى .. اللون الأحمر لون الدماء التى أراقها أبناءها دفاعاً عن ترابها .. والأبيض لون قلوبنا التى تسامح وتغفر وتتسع لأى وافد من أى دولة عربية كانت أم أجنبية .. والأسود لون أيام من يتطاول عليها أو تسول له نفسه أن ينعتنا بأى لفظ لا يحمل كل إحترام وتقدير لمكانتنا الأدبية والتاريخية والعلمية والسياسية ... ونسر صلاح الدين رمز لطهارتنا وعفتنا ونبل غايتنا ، كما هو رمز لقوتنا وكرامتنا .. مصر أم الدنيا .. خير أجناد الأرض كما وصفنا سيد الخلق .. مصر التى طالما كانت جندياً يحارب أعداء العرب ، ويضحى بدمائه من أجل تحرير أراضى عربية لا تنتمى إلى حدودنا .. مصر التى طالما كانت ذلك الحضن الدافئ لكل عربى شقيق .. مصر التى عاشت تاريخها من أجل الآخرين .. مصر التى كانت دائماً ترسل الحب والمشاعر الفياضة لكل العرب .. رمانا العرب بالحصى فألقينا عليهم أطيب الثمر .. قال بعض المصريين أن العرب لا يستحقون كل هذا الحب .. لكن الشعب المصرى أبى إلا أن يظل غارق فى حب العرب جميعاً ... ولكن

كما قال السيد الرئيس محمد حسنى مبارك "وأقول بكلمات واضحة ، إن كرامة المصريين من كرامة مصر ، ومصر لا تتهاون مع من يسيئ لكرامة أبنائها" .. لن أقول أنظروا إلى ما حدث فى أم درمان بالسودان والإهانات التى تعرض لها الجمهور المصرى الذى أتى فقط ليساند فريقه نفسياً ومعنوياً .. ولن أتحدث أيضاً عن التهديد بالقتل الذى تسلمه أبناء المنتخب المصرى فى ذلك اليوم إن فاز المنتخب .. لن أقول أن المصريين لم يسيئوا إلى الجزائر ومنتخبها ولم ينعتوهم بأقذر وأحقر الألفاظ .. ولن أقول أن الجزائريين لم يسبوا المصريين والعلم المصرى وساروا عليه بسياراتهم وحرقوه وأشعلوا فيه أحقاد وضغائن الماضى .. تعلمون لماذا لن أتحدث عن كل ذلك ؟ لأن الأزمة أكبر من ذلك والمشكلة أكبر من أن أحصرها فى إعتداءات موقعة أم درمان أو فى سباب بعض الصحفيين الجزائريين .. أو حتى فى إتهام الجزائر لمصر أنها إشترت المباراة من الحكم البينينى "كوفى كودجا" .. الأزمة أكبر من الجزائر فى حد ذاتها

منذ أيام على الفيس بوك (مجتمع إلكترونى على شبكة الإنترنت) وجدت فتاة مغربية تقول "يا رب الفوز لغانا" فى اليوم الذى كان من المنتظر فيه أن يلاعب المنتخب المصرى نظيره الغانى فى نهائى بطولة الأمم الأفريقية .. وحين رددت عليها قائلاً "أعربية أنتِ ؟ عربية وتتمنين فوز منتخب غير عربى على منتخب أشقائكم ؟" ... وكانت الكارثة عندما رد علىّ أحد أصدقائها الذى لا أدرى حقاً ما هى جنسيته لكنه عربى هو الآخر .. كتب لى هذا

"Egypt = Israel"

مصر هى إسرائيل ؟ إلى هذا الحد وصل العداء بين مصر وبين العرب ؟ مصر التى تعشق العروبة وتضحى بدمائها من أجلكم ؟ مصر ؟ ويقولون الجدار الفولاذى .. الجدار الفولاذى قرار إتخذته الحكومة المصرية للحفاظ على أرواح المصريين .. بعد أن قتلت حماس ذلك الضابط المصرى على حدودها .. وحتى إن كان قراراً خاطئاً فليس من حق أحد أن يقول أننا بهذا الشكل نتعاون مع إسرائيل .. كيف تتعاون مصر مع الصهيونية ضد فلسطين بعد أن أراقت مصر دماء شهداءها فى 1948 دفاعاً عنها ؟ كيف وصل النزاع بيننا إلى هذا الحد !! أنا المصرى .. وهذا المغربى .. وهذا الجزائرى .. وهذا التونسى .. وهذا الفلسطينى .. نحن جميعاً قد كرمنا الله بأن وهبنا لغة القرآن وجعلنا أخوة ، فكيف نرمى بكل ذلك وراء ظهورنا ونبعث لأشقاءنا تهديد بالقتل ؟ كيف ننعت أشقاءنا بأقذر وأبشع الألفاظ من أجل مباراة كرة قدم ؟ كيف نتجرد من إنسانيتنا ونضرب شقيقنا بالسكين على ظهره ... ونشير بإشارات حقيرة لأخواتنا وأمهاتنا ؟ كيف نتجرد من كل معانى العروبة التى دائماً ننادى بها ونتناسى حلم الإتحاد الذى لا يوجد عربى ينام ليلته لا يحلم بأن يراه فى صباح اليوم التالى حقيقة واقعة .. ونعادى بعضنا بعضاً ونهين بعضنا بعضاً ونترك ما هو أهم وأكثر حساسية من إهانات تعرض لها أخ من أخوه ..

المثل المصرى يقول "أنا وأخويا على إبن عمى .. وأنا وإبن عمى على الغريب" .. ولما أهان الجزائريين مصر وهددت لاعبيها بالقتل وضربونا وأهانونا فى السودان .. كان الجزائرى وأخوه على أولاد عمهم .. ولما المصريين ردوا الإهانة بإهانة والإعلام المصرى قال ما قال .. كان المصرى واخوه على أولاد عمهم .. ألا تلاحظون معى أننا جميعاً نسينا النصف الآخر من المثل المصرى ؟ أين "أنا وإبن عمى على الغريب" ؟ أين والغريب يشعر بآلام فى معدته من كثرة الضحك على سخافاتنا وغبائنا ؟ إخوتنا فى فلسطين والعراق ولبنان ودارفور وافغانستان يُذبحون ويٌقتلون ونحن لا زلنا لم نكتف من الإهانات والفرقة والكره والحقد والكبر .. لا زلنا مشغولين فى تعويذة الساحرة المستديرة ولا نفقه ماذا يفعله بنا المتآمرون الحقيقيون ... كفاكم يا عرب كرهاً فينا .. كفاكم إهانات .. الشعب المصرى قد وصل إلى حافة التسامح وبدأ بالفعل يتوحش ويسن أسنانه ولكن واأسفاه .. يسن أسنانه فى وجه أشقائنا .. لماذا ؟ كفاكم كرهاً لن نتحمل أكثر من ذلك .. لا نريد أبداً أن نغرس أسناناً إلا فى أجساد قتلة محمد الدرة .. لا نريد أن نذبح بسيوفنا إلا سارقى أراضينا نحن العرب وتراثنا ويضحك باستهزاء زاعماً أن هذه أرضه .. أبدلاً من أن تسنوا أسنانكم أيضاً لنحارب معاً عدونا وعدوكم وعدو الإنسانية .. وعدو الله .. تسنون أسنانكم من أجلنا ؟ أهذا ما استحقه جمال عبد الناصر ؟ أهذا ما إستحقه محمد أنور السادات ؟ أهذا ما أستحقه من اخى المغربى ؟ بدلاً من يجتمع الجزائرى والمصرى والمغربى والتونسى والسعودى والكويتى والإماراتى والأردنى والعراقى والليبى واليمنى والسورى والقطرى والبحرينى والسودانى واللبنانى والعمانى والصومالى من أجل أن نضربهم ضربة رجل واحد .. فيتفرق دمهم بين الدول العربية .. يشهر المصرى لسانه فى وجه الجزائرى ويشهر الجزائرى سيفه فى وجه المصرى ويشهر السودانى أسلحته فى وجه أخوانه السودانيين ؟؟؟؟ وصلت الفرقة إلى ما هو داخل الدولة الواحدة ؟ يا إلهى ..

يا ربى .. إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالى .. غير أن عافيتك هى أوسع لنا .. نعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علينا غضبك .. أو أن ينزل بنا سخطك .. اللهم إنك إن تركتنا لهذه الفرقة فلن تقوم لنا قائمة بعد الآن .. اللهم إننى أحسن الظن بك ، وأشعر بأنك قدرت لكل هذا أن يحدث من أجل نفيق من نومنا .. ونعلم من هو عدونا الحقيقى .. من أجل أن نزيل من على عيوننا غمامتنا التى وضعها لنا اليهود .. اللهم إنك تشهد أننى لا أوافق على سبابة واحدة سب بها مصرى أخوه الجزائرى .. واللهم إنك تشهد أننى لم أسامح فى كلمة واحدة قيلت عن بلادى التى ربتنى وعلمتنى أن الحق حق وأن الباطل باطلاً .. بلادى التى علمتنى أن أحسن الظن بربى .. لذلك يا ربى .. أُشهدك أننى برئ مما يحدث .. ومعى بعض من قرأوا كلماتى هذه وفهموا ما أقول وأقتنعوا به .. وأٌشهدك أيضاً أننى منذ هذه اللحظة قضيتى تحولت من كرامة مصر .. إلى كرامة الإسلام

فى النهاية أقول .. رداً على من يقولون "اللى حصل ده ما يتسكتش عليه" .. صح .. كلامك على رأسى .. ما قد حدث يجب ألا نسكت عليه .. ولذلك أولاً يجب أن نحدد من هو عدونا الحقيقى .. ومن هو الذى يجب أن يوضع علمه تحت السيارات .. ومن هو الذى يجب أن نزأر فى وجهه قائلين "لقد طلبت الموت ، وها نحن قادمون من اجلك"

الإمضاء :
مصرى حتى النخاع .. عربى منذ المولد .. مسلم منذ جفت الأقلام وطويت الصحف

آسفة

فى لحظة من لحظات الليل التى تتحول عندها كل الألوان إلى اللون الأزرق .. ذلك اللون البارد الخالى من الروح ، لم يكن فى ذلك الشارع علامة من علامات الحياة ، إلا من أنفاس قد خرجت فى سحيبة صغيرة من بخار الماء وسط هذا البرد القارص .. خرجت أنفاسها مترددة خالية من أدنى ملامح الثبات ، بينما تحجرت عيناه فى مقلتيه إنتظاراً منه أن يفرج لسانها عما تريد قوله .. وهلعاً من نظرة الرعب فى عينيها

حاولت أن تبدأ فى الحديث ، فإذا بكلماتها تتهرب ، ولسانها يتلعثم .. ونظراتها لا زالت تزيده خوفاً وتسرح بخيالاته إلى أسوأ كوابيس نومه .. هذه الحركات اللا إرادية التى تتحركها يداها ثم تعود ، ثم تلك الدمعة ... دمعة ساخنة لولا برودة الجو لأحرقت وجنتيها ، ثم ثغرها الذى ينفتح وينغلق عدة مرات دون أن تنطق شيئاً ، كل هذا قد هيأه نفسياً لأن يستقبل الصدمة .. قوليها سلمت عيناكِ .. أو هكذا نطق لسان حاله

وبينما قطرات المطر قد اوشكت رحلتها على الإنتهاء ، بدأت هى فى الكلام .. وكأنها تخشى أن تصمت مرة أخرى فلا تستطيع إكمال ما بدأته ، فلم تتوقف لملاحقة أنفاسها المتقطعة .. "ياسر أنا مسافرة بعد بكرة .. ومش راجعة تانى" ... حاول (ياسر) أن يستجمع أطراف تركيزه ليرد عليها ، لكنها لم تعطه الفرصة وأكملت "أرجوك يا ياسر خدلى بالك من نفسك أوى خصوصاً الفترة دى .. ومن فضلك متكلمنيش ولا تحاول توصلى .. وبجد آسفة على كل حاجة" ... أراد ياسر أن يتحدث فلم يشعر بطرف لسانه المتجمد .. من أثر الصدمة لا البرد القارص ! كل ما استطاع فعله أن نادى عليها بصراخ قلبه الممزق "نــ ... ــــد .... ى ...." ، ولكن .. ذاب الندى بين قطرات المطر ... ولم يصبح له وجود ، ولم تسعف قدما (ياسر) صاحبها لتحاول اللحاق بالندى قبل أن تخطفه الأمطار ..

لأول مرة يشعر (ياسر) بأن المطر إلى هذه الدرجة مخيف .. وبأن الواقع إلى هذا الحد مرير .. وبأن هاتين العينين جاوزت أقصى تحديات الخيانة .. ورمت بكيانه داخل مجاهل الوله ولم تقفز خلفه .. إلى أى درجة يمكن أن يصل نفوذ كلمة قوية مثل "آسفة" ؟ إلى أى حد يمكنها أن تجبر على الغفران ؟ ما الشيء الذى دفع (ندى) إلى هذا القرار الأحمق على أى حال ؟ كل عهد (ياسر) معها أنها غير متهورة فى قراراتها ، ولا تفعل شيئاً إلا إذا فكرت فيه ملياً .. ما الذى دفعها إلى هذا القرار الغريب ؟ على أية حال قرار مثل هذا لم يكن من حقها وحدها .. لقد تجاوزت كل حدود الإنسانية بفعلتها هذه ... ولكن إنسانة فى رقة (ندى) وإحساسها المرهف لن تفعل أبداً شيئاً كهذا إلا تفادياً لشيء أكثر منه حدة وإيلاماً .. ولكن .. ما الذى يمكن أن يكون أكثر إيلاماً من قتل كل هذه الذكريات والأحلام على أية حال ؟ كيف يسامحها ؟ لحظة ... هل هو غاضب منها من الأساس ؟

إذا نظرنا إليه نجده لا زال واقفاً تحت الأمطار .. ورعد السماء ينير الأرض ويقذف بقلبه الرعب .. ثم يكمل ملحمة الرعب ذلك البرق الذى يشبه خوار الثور .. تركته (ندى) وحيداً بين قطرات المطر .. وفى جيب معطفه الأسود تلك العلبة الصغيرة الحمراء .. ومن عقله تبخرت تلك الفكرة الحمقاء .. وكلمة "تتجوزينى ؟" قد انمحت من قاموس أبجديته .. هل هو غاضب منها ؟ لا يعلم ... خائف من العالم بدونها ؟ لا يعلم أيضاً .. إذن ربما هو مشتاق لها ؟ لا يعلم حقيقة ذلك .. إذن بالتأكيد هو مشفق عليها .. ليس متأكداً من هذا .. إذن بماذا يشعر ؟ فى الحقيقة هو غائب عن الإدراك للحظات .. لا يدرك كيف من المفترض أن يفكر حتى يدرك ماذا يجب أن يفعل .. فظل جسده ساكناً بلا حراك .. منتظراً من عقله أن يفيق حتى يعطيه التعليمات

على بعد عدة شوارع كانت سيارة الأجرة هذه تتهادى على مهل فى قارعة الطريق ، وهذه الشابة الجميلة تجلس فى المقعد الخلفى فى منتهى الثبات والقوة .. أو هكذا ظهرت .. بغض النظر عن تلك الدمعة المترقرقة الحبيسة فى عينيها ، وتلك الرعشة الخفيفة فى يديها التى لن تلاحظها بمجرد النظر .. وهذه الورقة التى تحملها فى يدها تكاد تحرقها ..

فتحت (ندى) تلك الورقة وبدأت تقرأها للمرة الـ ... فى الحقيقة لا أحد يعلم كم مرة قرأتها .. ولا حتى هى ، بدأت تقرأ فى صمت نتيجة التحليل .. ولا ترى بين الأسطر إلا وجه (ياسر) المصدوم ينظر إليها تلك النظرة النارية .. ولم تنفك تشعر ببرودة هذه الليلة حتى .. استرد صاحب الوديعة وديعته .. وفارقت (ندى) الحياة .. وفارقت الحياة حبيبها

الصمت وحقيقة التواصل

أيهما أبلغ .. الصمت ؟ أم الكلام ؟ إنه السؤال الذى جاب بعقول الفلاسفة أرجاء الفكر ، وطاف بهم حول حقيقة التواصل غير قادرين على أن يبلغوها .. أيهما أفضل .. كسر حاجز الهدوء ، أم إتاحة الفرصة للطرف الآخر لأن يتحدث ؟ من وجهة نظر أخرى نقول .. ما الذى يجعل ذلك السؤال إلى هذا الحد شائكاً ؟ تعالوا نتفقد الأمر ..

العقل يفكر بطريقة أكثر تنظيماً وهو يتحدث أو يستمع ، بينما أحياناً كثيرة يعلق بين أفكاره عندما يكون صامتاً ومستمعاً إلى الصمت .. لذلك يخشى الكثير هالة الصمت عندما تجتاح المكان ، فيظنون أنه لن تقوم للكلام قائمة بعد لحظة الصمت هذه .. الصمت يثير القلق ويتيح الفرصة للجميع بأن يترقبوا أنفاس الآخرين .. الصمت يثير الشكوك فيما يفكر فيه الآخرون .. بينما إن تفكر الجميع فى الأمر ، سيجدون أنفسهم جميعاً يتسائلون عما يفكر به بعضهم البعض وهو أنهم أيضاً يتسائلون .. غريب أمرنا نحن معشر البشر .

عندما يتذكر أحدهم موقفاً أو تطرأ على باله طرفة أو يلاحظ شيئاً ويريد أن يعقب عليه ، ثم يبدأ فى الكلام .. تنتاب الجميع تلك الراحة .. تجدهم قد توقفوا عن النظر إلى بعضهم البعض ، قد توقفوا عن التفكير فيما يفكر به الآخرون .. تجدهم قد وهبوا كافة آذانهم وأذهانهم إلى ذلك المتكلم ولو كان طفلاً صغيراً يهذى بفتات كلمات .. يكفى أنه قد جلب لهم الراحة والطمأنينة وشغل بال الجميع فارتاح الجميع أن الجميع قد كفوا عن مراقبتهم . غريب أمرنا نحن معشر البشر .

إذن .. أيهما أبلغ .. الصمت أم الكلام ؟ استناداً إلى ما سبق يبدو أن الكلام هو المنتصر حتى الآن .. حسناً تعالوا نتفقد الأمر من زاوية أخرى .. أحياناً نريد الكلام فنعجز ، لماذا ؟ ربما لأننا نخشى أن يعلم أحد بالأمر ، ربما لأننا لم نتحدث مع ذلك الشخص فى أشياء بمثل هذه الخصوصية ، ربما أيضاً لأننا نخشى غضب أو حزن المستمع مما ربما نقول .. وحين تواتينا الشجاعة وتتحرك أرواحنا نحو ألسنتنا تدفعها للحديث .. نجد المستمع قد صار متكلماً – خشية هالة الصمت – يتكلم فى أى شيء قد جال بباله فى ذلك الوقت ، فتعود أرواحنا إلى قلبنا مكنونة فيه ، وربما لا نتحدث فى مثل هذا الأمر من بعدها أبداً .. كيف الحال الآن ؟ أيهما أبلغ أيها الأصحاب ؟ الصمت .. أم الكلام ؟

من خشية الصمت يترك البعض دائرة الحديث .. من خشية الصمت يمتنع البعض عن إلقاء السلام .. من خشية الصمت قد يصمت البعض يفكرون فيما يقولون ، فيزداد الصمت حدة .. إذا كان الصمت بهذه البشاعة ، إذن لماذا يقولون أحياناً أن الصمت أبلغ من الكلام ؟ هل هذه كذبة يوارى بها الناس حقيقة أنهم لم يجدوا بداً من الصمت ؟ أم أن الصمت مارد كبير صنعه البشر من أوهامهم وحماقاتهم ؟ ربما لن نعرف .. لكننا بالتأكيد لا نزال نخشى .. هالة الصمتِ

لماذا يكون هناك بعض الناس لا نخشى معهم الصمت ؟ فقط عندما يريد أحدنا أن يقول شيئاً يقول ، وعندما لا يريد أحدنا ذلك نصمت ولا نشعر بأننا – يا للهول – صامتون .. من أين يأتى هذا الهدوء ؟ أمن عِشرة وألفة ؟ أم من ثقة متبادلة .. أم من فهم قوى للكيفية التى يفكر بها الطرف الآخر ؟ ربما كانت الأخيرة أكثرهم واقعية .. تعلمون لماذا ؟ لأننا لاحظنا سوياً أنه عندما يسود الصمت ، يصول ويجول بأفكار الجميع فيما يفكر به الآخرون ، ويبدأ الجميع فرداً فرداً يترقب الآخرين وينتظر بلهفة المتكلم التالى .. إذن فالوضع كان سيصبح أكثر راحة لو كان الكل يعلم بالضبط كيف يفكر الآخرون .. حسناً ربما ولكن .. كيف نعلم تحديداً كيف يفكر أحدهم ؟ الحل بسيط أليس كذلك ؟ أتكلم معه كثيراً فأعلم كيف يفكر .. أتكلم معه كثيراً ؟ حقاً أنت تؤمن بأن هذا سيجعلك تقرأ أفكاره ؟ لا لا سأستمع إليه كثيراً ... ستستمع إليه ؟ ستصمت إذن .. ستصمت حتى تعلم كيف يفكر فتشعر بالراحة بعد ذلك عندما يصمت ؟ تصمت حتى يصمت دون أن يزعجك ذلك .. ماذا إن صمت هو الآخر ؟ إلى أى حد ستظل تحتمل هالة الصمت لتتيح للآخر أن يتكلم ؟ ترى إن تكلم هنا سيتكلم لأنه قرر أخيراً أن يفرج عن مكنونة من مكنونات صدره ؟ أم أنه سيتكلم عن أى شيء لأنه لم يعد يطيق هالة الصمت بعد الآن ؟ هل صمتك يضيق بصدره فيضطر إلى الكلام فى أى شيء ؟ أم أن صمتك يشعره بالراحة والهدوء فيستطيع الإفراج بسهولة عن أكثر مكنونات صدره سرية وحساسية ؟

كثير من الخيارات وكثير من الإحتمالات .. أن تختار الاختيار الصحيح احتمال ضئيل جداً ، واحتمال أن تكتم – دون إدراك – فماً كاد أن ينفتح بعد عناء شديد .. احتمال كبير .. واحتمال أن تضيق بصدر الطرف الآخر بصمتك وأنت تظن أنك تتيح له الفرصة فى الكلام .. احتمال أكبر وأخطر ... وهنا تكمن الحقيقة .. حقيقة التواصل .

قانون التوازن

خلق الله الشمس والقمر والأرض وما عليها من الجبال والأنهار والبحار وتغريد الطيور وألوان الزهور وروائح العطور وأطوار البدور .. من أجل أن يتزن الكون .. ألا تتأمل الشمس حين تشرق كل صباح ؟ ألا تتأمل شعاعها الفضى وهو يغزو فى هدوء عالم من الظلام الكاحل .. فيحيله ألوان البهجة من بعد سواد قاتم ؟ .. تأمل هذا الطفل الرضيع الذى ينفطر من البكاء ، وتأمل أمه وهى ناظرة إليه .. تأمل لترى حب العالم كله يتكثف بين قطرة دمع تهبط فتكسر قيود التحمل وتشهر فى وجه الهدوء سيف من الخطر .. وبين نظرة خائفة خلفتها تلك القطرة .. تأمل إتزان الكون من حولك ، وسبح من كان من أسماءه الحسنى "البديع".

أعطاكِ الله هاتين العينين لا لتبكِ .. فقط لتنظرى إلى الحياة بعينيك الواسعتين تلك النظرة التى تنظرين بها دائماً إلى الأشياء وأنتِ سعيدة .. نظرة طفل أغمض عينيه وفتحهما ليجد نفسه داخل مدينة الملاهى .. هاتان العينان هما أحد أسرار اتزان هذا الكون ، فهما سر اتزان عقول البشر .. إن نظرة طاهرة من عينيكِ المقدستين كفيلة بأن تمحو الخطيئة من قلوب البشر ، ونظرة أخرى قد تودى بعقول الآلاف إلى عالم الهذيان .. عيناك الواسعتان فيهما سحر غريب ، سحر يشعر أحدهم بقوة العالم بين يديه للحظات ، ثم يسلبه إياها تماماً فى لحظة مباغتة ويتركه خالى الوفاض .. يشعر بالبرد فى حر الظهيرة ، وبأنه لا أحد فى هذا العالم سواكما .. وفى اللحظة التى يقرر فيها جسده التراخى ليهبط مغشياً عليه ، تغشى خديكِ حمرة من الخجل وتنكسر عيناك ناظرة إلى أى شيء آخر .. فتثبت عيناه للحظات .. وكأن الزمن قد توقف للحظات يلاحق أنفاسه .. ثم يدرك أنه لتوه قد أفاق من أجمل حلم قد يراه ابن آدم ما حيا .. يتنبه .... فإذا بكِ تنظرين إليه من جديد ، فلا يشعر بأطرافه إلا وقد تجمدت مرة أخرى من هول الموقف .. فترين الدماء قد تجمدت فى عروقه لا حول لها ولا قوة .. وعيناه وا أسفاه قد صارتا عبادتى الشمس .. وأى شمس هذه التى تطل من عينيكِ فتشرق فى قلوب الحيارى .. تشرق فى قلوبهم فتذهب بعذابهم بعيداً ، تشرق فى أرواحهم فتطهرهم وتزكيهم ، ثم تشرق أخيراً فى أعينهم فينطبع النور بصمة فى أبصارهم .. فإذا بهم يزدادوا بها جمالاً وسحراً .. ثم لا يلبثوا إلا أن يدركوا أنهم قد أدمنوا من عينيكِ سحراً .. فيا ساحرة هذا الكون رأفة بحال راهب فى حبك .. هائم بين همساتك .. عائم بين قطرات دمعك .. كفى عن البكاء لعلى والنجاة ألتقى !

وهب الله هذا الكون بضعة بلورات من المثالية من أجل أن يعتبر بها الإنسان ويتفكر فى خلق ربه ويتأمل روعة الخلق .. فيرى من خلاله عظمة الخالق .. ولكون هذه البلورات غاية فى الأهمية من أجل اتزان الكون، أحاطها الله بحراس .. لا هم لهم إلا أن يحرسوا هذه البلورات .. أراد الله أن تكون عينيك إحدى هذه البلورات .. ولحمايتهما من الدمع جندنى ربى حارساً لهما ، فلا مجدداً تدمعين ، ولا أبداً عن الابتسام تتوقفين .. عذراً أميرتى ، قد خاب قلمى فلم يصف من جمال عينيك مقدار شربة ماء من نهر الفرات .