"وإنه الإعصار .."

"إنه الإعصار .. الرياح تعصف بنوافذ السفينة ، والنيران تنطلق من المحرك الثائر .. أمواج العسرة تتلقف الأجساد المتساقطة ، ونيران الموت تزحف ببطء بين أبواب الغرف"

هل اكتفيت أيا ذهنى من التفكير ؟ هل شعرت أخيراً بالتعب ؟ أم لا تزال تظن نفسك قادراً على الصمود ؟ أستصمد أكثر ؟ كم ستصمد ؟ لحظة .. أم لحظتين ؟ أم ربما ثانية كاملة .. ترى هل ستصمد لعدة ثوان ؟ أم سيكون من غير المنطقى أن نفكر فى أن تصمد أكثر من دقيقة ؟ .. ترى .. هل تستطيع أن تعد الدقائق ؟ هل ترى عقارب الساعة ؟ أم أنها صارت - فجأة - عقارب كثيرة ؟ فلا تدرى كم من العقارب هناك .. أو بأى سرعة تجرى تلك العقارب .. 

"صياح رجال .. ولولة نساء .. صراخ أطفال .. نحيب عجائز .. إنها الحياة الأخرى ترسل ألسنة من اللهب .. لتحرق من تحرق ، وتقذف فى مياه الشك من تقذف"

ترى .. هل يمكنك الرؤية ؟ قيل أن الألم دائماً يختبئ بين ثنايات أثواب الفرح .. وأن الكمان الذى نظنه يعزف ألحان العشق ، ما هو إلا نحيب أحبالاً مشدودة على أوتار العذاب .. فهل حقاً يمكنك الرؤية ؟ إن كنت فقل لى .. هل ترى جلباب أسير خلف قضبان الظنون ؟ أم ترانى وحدى أسير فى طريق بلا أبد ؟ أسير وكلى أمل أن لكل طريق نهاية .. وبعد أن ينتابنى التعب ، أحاول الرجوع .. ولكن هيهات أيها الحالم ، لم يعد لديك من القوة ما يكفى لتعود أدراجك نحو بر الأمان .. إن كان أماناً فى المقام الأول

"وفجأة يقفز أحد أصدقائى .. أصيح ببقيتهم ألا تفعلوا مثله ، وأن انتظروا لعل أحدهم يأتى فينقذنا .. فيصرخ فىّ أحدهم قائلاً : أوليس ثلج المحيط أبرد من هذا اللهيب ؟"

الحيرة .. الحيرة هى أقوى مردة الحياة الدنيا ، قتلت روميو وجولييت .. وعذبت شهريار .. وأربكت اسرائيل .. وغيرت خارطة العالم ، ورسمت نقوشاً من السحر الأسود على صفار صفحات التاريخ ! الحيرة ، ذلك النوع من الشعور الذى يشل التفكير ، ويجعله يدور فى حلقة مفرغة .. كل الأفكار تقود إلى بعضها فى جنون ، وكأنها سكير يحاول الخروج من حانة الرقص ، أو طائر الطنان يحاول عابثاً أن يخفض صوت أجنحته .. إنه العبث ذاته أن تحاول الخروج من الحيرة بقرار حكيم.. فغالب الأوقات أنت ترى الحقيقة ، ولكنك فقط تخشى أن تتخذ القرار

"حرارة اللهيب تحرقنى قبل أن يمس الموت أطراف ثوبى .. شياطين البحر من أمامى ترقص فى تؤدة رقصة الموتِ ، وعواء الريح من حولى يغنى منشداً قصيدة الرعب"

القرار .. هل يخرج السكير من حلقة الرقص ؟ أو ينجح طائر الطنان فيما يريد ؟ هل ستتخذ القرار ؟ أم لا ! هل لديك الشجاعة الأدبية الكافية ، حتى تواجه شخصك بالحقيقة ؟ قبل أن تواجه العالم بها .. أم أنك لا زلت هائماً بين طرقات النفس .. تتسول المارة .. لعل أحدهم يعطيك حلاً لمسألتك ؟
الغريب هو أنك أحياناً لا تملك الوقت الكافى لإتخاذ القرار .. أو يكون عدم اتخاذك للقرار قراراً فى حد ذاته .. قراراً بالبقاء فوق السفينة .. تشويك ألسنة اللهب على مهلٍ ، وترهبك أنغام قصائد الرعب .. وتلقى عليكَ تعاويذها رقصةُ الموتِ ..
فماذا أنت بفاعل ؟ أقافز أنتَ ؟ أم لا زلت تفكر .. هل اكتفيت أيا ذهنى من التفكير ؟

"وقفزت .. ولا أعلم كم من الوقت قد مر علىّ وأنا مسافر فى الهواء .. جسدى يتأرجح ساقطاً مقذوفاً نحو ألسنة اللهب البارد .. وساعات العالم تدق جميعها الآن داخل أذناى .. العجز يشل أطرافى ، والأفكار تخرج من عقلى .. وشعاع من الراحة يغزو جسدى المريض ولا أعلم من أين .. لكنه أتى .. بصيص من النور يزحف بخفة متسلقاً جدران نفسى المظلمة ، ويتركها باسمة مستبشرة .. عواء الريح قد أصبح غناءاً لحور العين .. ورقصة الموت صارت أوراقاً خريفية تتساقط على أرض بنية .. أرض غطتها تلك الأوراق ، صياح الرجال .. ولولة النساء .. صراخ الأطفال .. نحيب العجائز .. كلهم تبدلوا !
فالعجائز قد صاروا شباباً ، والأطفال نمت لهم أجنحة وها هم يحلقون فى رشاقة .. والنساء قد تلفحن بالخمائر البيضاء فلا يبدُ منهن سوى أعينهن .. هذه الأعين التى تكاد تضيء أحدها ظلام العالم كله .. ولو ذهبت الشمس ! والرجال قد عادوا شباباً .. يمرحون ويلعبون .. وفى عطف ربهم ينعمون ... وإلى زوجاتهم يتهامسون .. الحب قد ساد ، والأمان قد عاد .. وكلٌ يومئذ يَحمد رب العباد"

"المرة الثانية" - من الأعمال القديمة

عندما ترى الأشياء للمرة الثانية .. وتتسع حدقتاك ويتعكر ذهنك بمحاولات بائسة لمحاولة تذكر اللحظة القادمة .. قبل أن تمر بالفعل ولا تصبح "اللحظة القادمة" بعد هذه اللحظة .. لتصبح ببساطة "اللحظة الفائتة" .. حينها لا تدرك ذلك قبل أن تدرك أنك قد تذكرتها بالفعل وتفرح ؛ إذ أنك قد أثبت وجهة نظرك وهى أنك قد رأيت هذا المشهد من قبل وأن هذه ليست إلا .... نعم .. المرة الثانية .

فى الحقيقة أنت لم تر هذه اللحظة من قبل ... نعم ولم تحلم بها حتى ، لهذا الأمر سببية ومرجعية فى علم النفس وهذه المرجعية حقاً لا أكترث بها .. ولها أيضاً مرجعية فى الدين وهذه المرجعية – مع احترامى لها – ليست ما أردت الحديث عنه هنا .. إنما فقط أحاول التفكير .. هل هى رسائل ربانية مثلاً ؟ نوع من الإلهام أو الوحى ؟ كلا ، لا أظن .. إنما فقط هى لحظة من فقدان التركيز يعقبها محاولة من عقلك الباطن للعودة إلى دائرة الحديث ومعاودة فهم ما يقال .. ألا تلاحظ أن أغلب المرات التى تمر فيها بهذه التجربة تكون مستمعاً لا متحدثاً ؟ نعم هذا صحيح لو تذكرت معى ، لذلك يشعر العقل الباطن بالعجز عن التفسير، وتهتز الأفكار مصدرة ذلك الرنين الذى يشبه الحلم فتشعر وكأنك قد حلمت بهذا الأمر من قبل .. دعك من كل ذلك .. فقط كن منصفاً وأجب .. بماذا تشعر عند المرة الثانية ؟

البعض يخاف .. نعم أنا من هؤلاء البعض .. رغم أننى اقتنع كثيراً بأننى أبداً ما رأيت مستقبلاً داخل أحلامى ، إلا أننى وبعد كل "مرة ثانية" أشعر بتلك البرودة تتحرك بين أضلع جسدى وأوصالى ، وبتلك الأفكار تتحرك بين خلايا عصبية تلتحم وتفترق فى عصبية واضحة .. ثم أعود عند الهدوء أحاول الرجوع إلى نقطة البداية فى التفكير ، وأتجاهل مرحلة "المرة الثانية" تماماً وأتناساها .. هل لأننى أخاف منها ؟ أم لأننى .... إننى أخاف منها فى الواقع ، إننى فى الحقيقة أخشى كل ما لا استطيع فهمه من النظرة الأولى .. لذلك أكره دائماً تلك "المرة الثانية" لأنها تشعرنى بأننى على شفا حفرة بين الوهم والحقيقة .. بين الواقع والخيال .

فى "المرة الثانية" القادمة لديك ، حاول أن تركز تفكيرك حول محور واحد .. هل تذكرت اللحظة القادمة وهى لا زالت اللحظة القادمة حقاً ؟ أم أنك قد تذكرتها بعد أن لم تعد "لحظة قادمة" بعد هذه اللحظة ؟ إن صارت "اللحظة الفائتة" ثم تذكرتها فإنها ببساطة فقدت قيمتها كدليل على إثبات أن "المرة الثانية" لديك هى حقاً مرتك الثانية ... أو دعك من كل هذا وببساطة تابع حياتك .

علمينى

علمينى كيف أنظر إلى عينيكِ وأنتِ ناظرة إلىّ .. علمينى كيف أقاوم أسحار همسك الحانى بين طيات صوتك الناعم .. أرينى الطريق بين هالات النور التى تبعثها قسمات وجهكِ الصافية .. دعينى أحاول التركيز أى حبيبتى .. دعينى أفرك عيناى لعلى أراكِ .. فكى عن جسدى تعاويذ حسنك الباهى .. أطلقى سراح كلماتى التى تتلعثم كلها عند طرف لسانى المقيد .. توقفى عن الابتسام .. لعل نوركِ يخفت ، أو حسنك يقل بهاءاً ! لعل بصيصاً من الإتزان يعود فى خجل إلىّ .. أو كلمة واحدة تخرج سليمة وأنا أحادثكِ .. أو لحظة واحدة تمر .. وعينى .. تنظر إلى عينيكِ .. دون أن أشعر بأن العالم كله أصغر .. من اتساع العالم الكائن داخل حدقتيكِ !

حبيبتى .. دعينى أتزن