آسفة

فى لحظة من لحظات الليل التى تتحول عندها كل الألوان إلى اللون الأزرق .. ذلك اللون البارد الخالى من الروح ، لم يكن فى ذلك الشارع علامة من علامات الحياة ، إلا من أنفاس قد خرجت فى سحيبة صغيرة من بخار الماء وسط هذا البرد القارص .. خرجت أنفاسها مترددة خالية من أدنى ملامح الثبات ، بينما تحجرت عيناه فى مقلتيه إنتظاراً منه أن يفرج لسانها عما تريد قوله .. وهلعاً من نظرة الرعب فى عينيها

حاولت أن تبدأ فى الحديث ، فإذا بكلماتها تتهرب ، ولسانها يتلعثم .. ونظراتها لا زالت تزيده خوفاً وتسرح بخيالاته إلى أسوأ كوابيس نومه .. هذه الحركات اللا إرادية التى تتحركها يداها ثم تعود ، ثم تلك الدمعة ... دمعة ساخنة لولا برودة الجو لأحرقت وجنتيها ، ثم ثغرها الذى ينفتح وينغلق عدة مرات دون أن تنطق شيئاً ، كل هذا قد هيأه نفسياً لأن يستقبل الصدمة .. قوليها سلمت عيناكِ .. أو هكذا نطق لسان حاله

وبينما قطرات المطر قد اوشكت رحلتها على الإنتهاء ، بدأت هى فى الكلام .. وكأنها تخشى أن تصمت مرة أخرى فلا تستطيع إكمال ما بدأته ، فلم تتوقف لملاحقة أنفاسها المتقطعة .. "ياسر أنا مسافرة بعد بكرة .. ومش راجعة تانى" ... حاول (ياسر) أن يستجمع أطراف تركيزه ليرد عليها ، لكنها لم تعطه الفرصة وأكملت "أرجوك يا ياسر خدلى بالك من نفسك أوى خصوصاً الفترة دى .. ومن فضلك متكلمنيش ولا تحاول توصلى .. وبجد آسفة على كل حاجة" ... أراد ياسر أن يتحدث فلم يشعر بطرف لسانه المتجمد .. من أثر الصدمة لا البرد القارص ! كل ما استطاع فعله أن نادى عليها بصراخ قلبه الممزق "نــ ... ــــد .... ى ...." ، ولكن .. ذاب الندى بين قطرات المطر ... ولم يصبح له وجود ، ولم تسعف قدما (ياسر) صاحبها لتحاول اللحاق بالندى قبل أن تخطفه الأمطار ..

لأول مرة يشعر (ياسر) بأن المطر إلى هذه الدرجة مخيف .. وبأن الواقع إلى هذا الحد مرير .. وبأن هاتين العينين جاوزت أقصى تحديات الخيانة .. ورمت بكيانه داخل مجاهل الوله ولم تقفز خلفه .. إلى أى درجة يمكن أن يصل نفوذ كلمة قوية مثل "آسفة" ؟ إلى أى حد يمكنها أن تجبر على الغفران ؟ ما الشيء الذى دفع (ندى) إلى هذا القرار الأحمق على أى حال ؟ كل عهد (ياسر) معها أنها غير متهورة فى قراراتها ، ولا تفعل شيئاً إلا إذا فكرت فيه ملياً .. ما الذى دفعها إلى هذا القرار الغريب ؟ على أية حال قرار مثل هذا لم يكن من حقها وحدها .. لقد تجاوزت كل حدود الإنسانية بفعلتها هذه ... ولكن إنسانة فى رقة (ندى) وإحساسها المرهف لن تفعل أبداً شيئاً كهذا إلا تفادياً لشيء أكثر منه حدة وإيلاماً .. ولكن .. ما الذى يمكن أن يكون أكثر إيلاماً من قتل كل هذه الذكريات والأحلام على أية حال ؟ كيف يسامحها ؟ لحظة ... هل هو غاضب منها من الأساس ؟

إذا نظرنا إليه نجده لا زال واقفاً تحت الأمطار .. ورعد السماء ينير الأرض ويقذف بقلبه الرعب .. ثم يكمل ملحمة الرعب ذلك البرق الذى يشبه خوار الثور .. تركته (ندى) وحيداً بين قطرات المطر .. وفى جيب معطفه الأسود تلك العلبة الصغيرة الحمراء .. ومن عقله تبخرت تلك الفكرة الحمقاء .. وكلمة "تتجوزينى ؟" قد انمحت من قاموس أبجديته .. هل هو غاضب منها ؟ لا يعلم ... خائف من العالم بدونها ؟ لا يعلم أيضاً .. إذن ربما هو مشتاق لها ؟ لا يعلم حقيقة ذلك .. إذن بالتأكيد هو مشفق عليها .. ليس متأكداً من هذا .. إذن بماذا يشعر ؟ فى الحقيقة هو غائب عن الإدراك للحظات .. لا يدرك كيف من المفترض أن يفكر حتى يدرك ماذا يجب أن يفعل .. فظل جسده ساكناً بلا حراك .. منتظراً من عقله أن يفيق حتى يعطيه التعليمات

على بعد عدة شوارع كانت سيارة الأجرة هذه تتهادى على مهل فى قارعة الطريق ، وهذه الشابة الجميلة تجلس فى المقعد الخلفى فى منتهى الثبات والقوة .. أو هكذا ظهرت .. بغض النظر عن تلك الدمعة المترقرقة الحبيسة فى عينيها ، وتلك الرعشة الخفيفة فى يديها التى لن تلاحظها بمجرد النظر .. وهذه الورقة التى تحملها فى يدها تكاد تحرقها ..

فتحت (ندى) تلك الورقة وبدأت تقرأها للمرة الـ ... فى الحقيقة لا أحد يعلم كم مرة قرأتها .. ولا حتى هى ، بدأت تقرأ فى صمت نتيجة التحليل .. ولا ترى بين الأسطر إلا وجه (ياسر) المصدوم ينظر إليها تلك النظرة النارية .. ولم تنفك تشعر ببرودة هذه الليلة حتى .. استرد صاحب الوديعة وديعته .. وفارقت (ندى) الحياة .. وفارقت الحياة حبيبها

الصمت وحقيقة التواصل

أيهما أبلغ .. الصمت ؟ أم الكلام ؟ إنه السؤال الذى جاب بعقول الفلاسفة أرجاء الفكر ، وطاف بهم حول حقيقة التواصل غير قادرين على أن يبلغوها .. أيهما أفضل .. كسر حاجز الهدوء ، أم إتاحة الفرصة للطرف الآخر لأن يتحدث ؟ من وجهة نظر أخرى نقول .. ما الذى يجعل ذلك السؤال إلى هذا الحد شائكاً ؟ تعالوا نتفقد الأمر ..

العقل يفكر بطريقة أكثر تنظيماً وهو يتحدث أو يستمع ، بينما أحياناً كثيرة يعلق بين أفكاره عندما يكون صامتاً ومستمعاً إلى الصمت .. لذلك يخشى الكثير هالة الصمت عندما تجتاح المكان ، فيظنون أنه لن تقوم للكلام قائمة بعد لحظة الصمت هذه .. الصمت يثير القلق ويتيح الفرصة للجميع بأن يترقبوا أنفاس الآخرين .. الصمت يثير الشكوك فيما يفكر فيه الآخرون .. بينما إن تفكر الجميع فى الأمر ، سيجدون أنفسهم جميعاً يتسائلون عما يفكر به بعضهم البعض وهو أنهم أيضاً يتسائلون .. غريب أمرنا نحن معشر البشر .

عندما يتذكر أحدهم موقفاً أو تطرأ على باله طرفة أو يلاحظ شيئاً ويريد أن يعقب عليه ، ثم يبدأ فى الكلام .. تنتاب الجميع تلك الراحة .. تجدهم قد توقفوا عن النظر إلى بعضهم البعض ، قد توقفوا عن التفكير فيما يفكر به الآخرون .. تجدهم قد وهبوا كافة آذانهم وأذهانهم إلى ذلك المتكلم ولو كان طفلاً صغيراً يهذى بفتات كلمات .. يكفى أنه قد جلب لهم الراحة والطمأنينة وشغل بال الجميع فارتاح الجميع أن الجميع قد كفوا عن مراقبتهم . غريب أمرنا نحن معشر البشر .

إذن .. أيهما أبلغ .. الصمت أم الكلام ؟ استناداً إلى ما سبق يبدو أن الكلام هو المنتصر حتى الآن .. حسناً تعالوا نتفقد الأمر من زاوية أخرى .. أحياناً نريد الكلام فنعجز ، لماذا ؟ ربما لأننا نخشى أن يعلم أحد بالأمر ، ربما لأننا لم نتحدث مع ذلك الشخص فى أشياء بمثل هذه الخصوصية ، ربما أيضاً لأننا نخشى غضب أو حزن المستمع مما ربما نقول .. وحين تواتينا الشجاعة وتتحرك أرواحنا نحو ألسنتنا تدفعها للحديث .. نجد المستمع قد صار متكلماً – خشية هالة الصمت – يتكلم فى أى شيء قد جال بباله فى ذلك الوقت ، فتعود أرواحنا إلى قلبنا مكنونة فيه ، وربما لا نتحدث فى مثل هذا الأمر من بعدها أبداً .. كيف الحال الآن ؟ أيهما أبلغ أيها الأصحاب ؟ الصمت .. أم الكلام ؟

من خشية الصمت يترك البعض دائرة الحديث .. من خشية الصمت يمتنع البعض عن إلقاء السلام .. من خشية الصمت قد يصمت البعض يفكرون فيما يقولون ، فيزداد الصمت حدة .. إذا كان الصمت بهذه البشاعة ، إذن لماذا يقولون أحياناً أن الصمت أبلغ من الكلام ؟ هل هذه كذبة يوارى بها الناس حقيقة أنهم لم يجدوا بداً من الصمت ؟ أم أن الصمت مارد كبير صنعه البشر من أوهامهم وحماقاتهم ؟ ربما لن نعرف .. لكننا بالتأكيد لا نزال نخشى .. هالة الصمتِ

لماذا يكون هناك بعض الناس لا نخشى معهم الصمت ؟ فقط عندما يريد أحدنا أن يقول شيئاً يقول ، وعندما لا يريد أحدنا ذلك نصمت ولا نشعر بأننا – يا للهول – صامتون .. من أين يأتى هذا الهدوء ؟ أمن عِشرة وألفة ؟ أم من ثقة متبادلة .. أم من فهم قوى للكيفية التى يفكر بها الطرف الآخر ؟ ربما كانت الأخيرة أكثرهم واقعية .. تعلمون لماذا ؟ لأننا لاحظنا سوياً أنه عندما يسود الصمت ، يصول ويجول بأفكار الجميع فيما يفكر به الآخرون ، ويبدأ الجميع فرداً فرداً يترقب الآخرين وينتظر بلهفة المتكلم التالى .. إذن فالوضع كان سيصبح أكثر راحة لو كان الكل يعلم بالضبط كيف يفكر الآخرون .. حسناً ربما ولكن .. كيف نعلم تحديداً كيف يفكر أحدهم ؟ الحل بسيط أليس كذلك ؟ أتكلم معه كثيراً فأعلم كيف يفكر .. أتكلم معه كثيراً ؟ حقاً أنت تؤمن بأن هذا سيجعلك تقرأ أفكاره ؟ لا لا سأستمع إليه كثيراً ... ستستمع إليه ؟ ستصمت إذن .. ستصمت حتى تعلم كيف يفكر فتشعر بالراحة بعد ذلك عندما يصمت ؟ تصمت حتى يصمت دون أن يزعجك ذلك .. ماذا إن صمت هو الآخر ؟ إلى أى حد ستظل تحتمل هالة الصمت لتتيح للآخر أن يتكلم ؟ ترى إن تكلم هنا سيتكلم لأنه قرر أخيراً أن يفرج عن مكنونة من مكنونات صدره ؟ أم أنه سيتكلم عن أى شيء لأنه لم يعد يطيق هالة الصمت بعد الآن ؟ هل صمتك يضيق بصدره فيضطر إلى الكلام فى أى شيء ؟ أم أن صمتك يشعره بالراحة والهدوء فيستطيع الإفراج بسهولة عن أكثر مكنونات صدره سرية وحساسية ؟

كثير من الخيارات وكثير من الإحتمالات .. أن تختار الاختيار الصحيح احتمال ضئيل جداً ، واحتمال أن تكتم – دون إدراك – فماً كاد أن ينفتح بعد عناء شديد .. احتمال كبير .. واحتمال أن تضيق بصدر الطرف الآخر بصمتك وأنت تظن أنك تتيح له الفرصة فى الكلام .. احتمال أكبر وأخطر ... وهنا تكمن الحقيقة .. حقيقة التواصل .

قانون التوازن

خلق الله الشمس والقمر والأرض وما عليها من الجبال والأنهار والبحار وتغريد الطيور وألوان الزهور وروائح العطور وأطوار البدور .. من أجل أن يتزن الكون .. ألا تتأمل الشمس حين تشرق كل صباح ؟ ألا تتأمل شعاعها الفضى وهو يغزو فى هدوء عالم من الظلام الكاحل .. فيحيله ألوان البهجة من بعد سواد قاتم ؟ .. تأمل هذا الطفل الرضيع الذى ينفطر من البكاء ، وتأمل أمه وهى ناظرة إليه .. تأمل لترى حب العالم كله يتكثف بين قطرة دمع تهبط فتكسر قيود التحمل وتشهر فى وجه الهدوء سيف من الخطر .. وبين نظرة خائفة خلفتها تلك القطرة .. تأمل إتزان الكون من حولك ، وسبح من كان من أسماءه الحسنى "البديع".

أعطاكِ الله هاتين العينين لا لتبكِ .. فقط لتنظرى إلى الحياة بعينيك الواسعتين تلك النظرة التى تنظرين بها دائماً إلى الأشياء وأنتِ سعيدة .. نظرة طفل أغمض عينيه وفتحهما ليجد نفسه داخل مدينة الملاهى .. هاتان العينان هما أحد أسرار اتزان هذا الكون ، فهما سر اتزان عقول البشر .. إن نظرة طاهرة من عينيكِ المقدستين كفيلة بأن تمحو الخطيئة من قلوب البشر ، ونظرة أخرى قد تودى بعقول الآلاف إلى عالم الهذيان .. عيناك الواسعتان فيهما سحر غريب ، سحر يشعر أحدهم بقوة العالم بين يديه للحظات ، ثم يسلبه إياها تماماً فى لحظة مباغتة ويتركه خالى الوفاض .. يشعر بالبرد فى حر الظهيرة ، وبأنه لا أحد فى هذا العالم سواكما .. وفى اللحظة التى يقرر فيها جسده التراخى ليهبط مغشياً عليه ، تغشى خديكِ حمرة من الخجل وتنكسر عيناك ناظرة إلى أى شيء آخر .. فتثبت عيناه للحظات .. وكأن الزمن قد توقف للحظات يلاحق أنفاسه .. ثم يدرك أنه لتوه قد أفاق من أجمل حلم قد يراه ابن آدم ما حيا .. يتنبه .... فإذا بكِ تنظرين إليه من جديد ، فلا يشعر بأطرافه إلا وقد تجمدت مرة أخرى من هول الموقف .. فترين الدماء قد تجمدت فى عروقه لا حول لها ولا قوة .. وعيناه وا أسفاه قد صارتا عبادتى الشمس .. وأى شمس هذه التى تطل من عينيكِ فتشرق فى قلوب الحيارى .. تشرق فى قلوبهم فتذهب بعذابهم بعيداً ، تشرق فى أرواحهم فتطهرهم وتزكيهم ، ثم تشرق أخيراً فى أعينهم فينطبع النور بصمة فى أبصارهم .. فإذا بهم يزدادوا بها جمالاً وسحراً .. ثم لا يلبثوا إلا أن يدركوا أنهم قد أدمنوا من عينيكِ سحراً .. فيا ساحرة هذا الكون رأفة بحال راهب فى حبك .. هائم بين همساتك .. عائم بين قطرات دمعك .. كفى عن البكاء لعلى والنجاة ألتقى !

وهب الله هذا الكون بضعة بلورات من المثالية من أجل أن يعتبر بها الإنسان ويتفكر فى خلق ربه ويتأمل روعة الخلق .. فيرى من خلاله عظمة الخالق .. ولكون هذه البلورات غاية فى الأهمية من أجل اتزان الكون، أحاطها الله بحراس .. لا هم لهم إلا أن يحرسوا هذه البلورات .. أراد الله أن تكون عينيك إحدى هذه البلورات .. ولحمايتهما من الدمع جندنى ربى حارساً لهما ، فلا مجدداً تدمعين ، ولا أبداً عن الابتسام تتوقفين .. عذراً أميرتى ، قد خاب قلمى فلم يصف من جمال عينيك مقدار شربة ماء من نهر الفرات .