بيت المرايا

السلام عليكم ورحمة الله .. فى البداية أحب أن أعرفكم بنفسى، شاب فى بداية العقد الثالث من عمره يحاول عابثاً أن يفهم معانى الحياة، ويدرس ملامحها وأحداثها ويتصنت أحياناً إلى حكمها .. ويتجسس أحياناً أخرى على أسرارها .. يحاول أن يفهم ويدرك حقيقة الأمور، وربما كانت هذه مأساته .. أنه لا يصدق أى من الحكماء ولا يتقبل أى من الحقائق إلا أن يكتشفها وحده.

بيت المرايا .. هل دخلته من قبل ؟ كيف رأيت نفسك ؟ ربما رأيت نفسك مفتول العضلات، أو ربما رشيق الجسد .. فى بيت مرايا الحياة ربما ترى نفسك فارساً مغواراً ، أو دوقاً أنيقاً .. أو ربما نبياً صديقاً .. ربما ترى نفسك قوى الشخصية ، أو أمير الرومانسية .. ربما ترى نفسك رجل المهام الصعبة ، أو أغنى الناس على الأرض عفة وطهارة .. ولكن فى الواقع .. أين أنت مما تراه ؟

فى البداية أعتذر مما سأكتب بداية من الآن فربما سيعتقد البعض أننى أقصد أشخاصاً بعينهم، حسناً أعترف باننى قد استلهمت بعض المقال من أشخاص بعينهم ، ولكن يعلم الله أننى لا أكتبها إلا من أجل أن أصل لهم برسالة ..

كثيراً ما تحدثت أبيات شعر وكلمات نثر وأغان شعبية وترهات سكارى .. عن الحب ، تجد أحدهم يجزم بأنه يحبها ، ولن يستطيع نسيانها مهما كانت الظروف .. ثم تمر السنين ويتزوج إمرأة صالحة ، تشعره بأن للحياة معنى ، وللحب قيمة .. فلا تمر السنة إلا وهو يجزم أنه ما كان سيسعد مع إمرأة أخرى مهما حدث .. ألم يكن واثقاً منذ فترة ؟ بلى كان واثقاً .. ولكنه كان فقط ينظر داخل بيت المرايا .. ربما تعود أن يقول لنفسه أنه يحبها .. ربما تعود أن يبتسم كلما تذكرها .. ربما إن نظر داخل أعماق قلبه لوجد حقيقة الأمر .. أنه فقط تعود على وجودها ، قد يفكر البعض هنيهة الآن ثم ينتفض قائلاً "بلى إنى أحبها .. لقد نظرت داخل أعماق قلبى .. وأقول لك الآن أننى أحبها" .. أرد عليه قائلاً راقب نفسك .. راقب قشعريرتك البسيطة الآن .. تلك التى لم يشعر بها أحد سواك وأنت تقول "لقد نظرت" .. لا أنت لم تنظر داخل أعماق قلبك .. أنت نظرت إلى أحد المرايا ربما .. أو ربما تكذّب نفسك خوفاً من أن تدرك حقيقة الأمر .. وحقيقة الأمر أنك لا تحبها ذلك الحب الذى تعتقده .. ذات يوم سأل أحدهم الشيخ عبد الرحمن الرافعي عن الحب قبل الزواج .. أتدرون ما قال ؟ قال خمسة كلمات لم تتعد أحداهما الثلاثة حروف .. "كيف تحب ما لم تر ؟" .. نعم هذا حقيقى .. كيف تحب ما لم تر ؟ لقد رأيت ضحكتها .. وسمعت صوتها .. وربما عاشرتما سوياً فترة من الزمن .. لكن الحياة داخل بيت واحد شيء آخر تماماً .. مختلف بالمرة .. لذلك لا ينفعهما حباً سابقاً ولا خبرات فى التعامل مع الجنس الآخر .. قدر ما يفعل تقاهما وطهارتهما .. وعفتهما فى الحديث والتعامل .. أراهن على أن أحدكم لا يعرف زوجاً واحداً كانا متحابين وتزوجا وعاشا سعيدين إلا وقد كانا وظلا بعد ذلك طاهرين عفيفين .. بجانب الحب لا جدال .. لم يزعم أحدهم أن الحب محرمٌ .. إنما كيف يتخذه البعض محللاً لكثير من الأشياء هذا هو المحرم بالفعل ..

إذن دعنا نتسائل .. هل تحبها ؟ فكر جيداً .. أم تظن نفسك تحبها ؟ .. كن أكثر صراحة مع نفسك ..

"أستطيع التغلب على ذلك .. لن يغلبنى الشيطان فى هذا بعد الآن" .. كلمة قالها أحدهم وذهب مسرعاً إلى بيته ، وأزال كل ما يخالف من حاسبه الشخصى .. هذه إرادة قوية .. أم يظنها قوية ؟ مر يوم .. والآخر .. حتى سقطت المرآة التى كان ينظر إليها وتحطمت .. فعاد واتصل بشبكة الإنترنت .. لنتسائل هنا .. هل تحطمت إرادته القوية ؟ أم يمكننا أن نقول أن مرآته هى التى تحطمت ؟ .. تحطمت فظهرت أمامه حقيقة بشعة ألا وهى أن إرادته ليست بالقوة الكافية ، وأن ما حدث لم يكن صحوة ضمير أفاق من إغماءة طويلة ، بل لم يتعد حماسة ملأته حينما سمع خطبة الجمعة ، أو ربما حديثاً تليفيزيونياً عن الجنة والنار .. مجرد شعلة حماس أشعرته بأنه ذو إرادة حديدية وذهب ففعل كذا وكذا .. ثم ندم عندما أفاق وشعر بالحقيقة وهى أنه ضعيف .. كثير ممن يحاولون هداية الشباب يلعبون على هذا الوتر الضعيف ، يملأون الشاب حماسة بصوت عالٍ أو ترديد عبارات تحمل من الروح الحماسية ما تحمل ، فيقوم الشاب مسرعاً ليصلح الكثير من الأخطاء .. لكنك تجد الشاب يشعر بعد فترة وكأن ناراً كانت به ثم بردت .. ماذا حدث ؟ .. هل كان صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك ؟ أكانت الحماسة تدفعهم إلى المعركة ثم ما أن لاقوا العدوا واجهوا حقيقتهم وهى أنهم ضعاف .. فيعودوا ؟ لا لم يحدث بالطبع .. لماذا ؟ هذا لأنهم ليسوا ضعاف .. "ما الحل إذا ؟ أتقول لى أن أسلم بحقيقة أننى ضعيف وأذهب فأخطئ كما أشاء ؟ أنا ضعيف يا رجال ماذا أفعل !!" .. إن فعلت ذلك فأنت لا تسلم بحقيقة أنك ضعيف .. هكذا أنت تقتل الأمل .. صحيح أن الاعتراف بالمشكلة خطوة كبرى فى طريق حلها ، لكنها ليست الطريق كله .. نعم يجب أن تدرك أن إيمانك ضعيف ، وأن حبك لله وأملك فى الجنة وخوفك من النار ربما ليست سوى كلمات قد تربيت على أن ترددها كلما فتح أحدهم الموضوع ، وربما الوضع ليس بهذا السوء .. أحياناً يحتاج البعض فقط إلى التذكرة .. ولكن فى جميع الأحوال ليس الحل أن تملؤك الحماسة وتذهب فتفعل كذا وكذا دون أن تفكر ملياً فيما ستقول أو ما ستفعل .. فكر .. فكر جيداً .. هل تحب الله ؟

كثير من الناس إن سألتهم هذا السؤال سيزدجرون غضباً ويحمرون حنقة .. وتجحظ عيناهم قائلة "هل أنت غبى ؟" ثم تردد ألسنتهم بعض الكلمات التى تؤكد أنهم يحبون الله بلهجة تؤكد ما قالته عيناهم .. لتهدأ أيا صاحب العينين الجاحظتين وتعال ففكر معى .. ولكن رجاء .. أخرج أولاً من بيت المرايا وكن صريحاً مع نفسك ، لقد كتبت هذا الكلام بالفعل ولن أسمعك إن اعترفت بأى شيء .. درب نفسك من الآن .. وفكر معى .. هل حقاً تحب الله ؟ .. كم من الوقت تمضيه فى يومك هائماً تفكر فيه وفى عظمته ؟ كم من المرات تشتاق إليه فتقوم وتتوضأ وتصلى ركعتين ؟ كم من المرات وأنت تسجد تشعر بانك قريب جداً منه فيقشعر جسدك وتشعر كأنك فقدت القدرة على التفكير ؟ هل تحب الله حقاً كما يحب المرأ حبيبه – ولله المثل الأعلى – أم أنك تعودت على التفكير فى أنه من العيب ان نفكر فى أننا نحب الله أم لا ؟ هل تحبه حباً خالصاً وتدرك أنه أنعم عليك بغزير من النعم ؟ هل تدرك ذلك حقاً ؟ أم أنك فقط تحفظ جملة سمعتها من مدرس الإبتدائية حين قال لك أن "نعم الله لا تعد ولا تحصى" ؟ هل تدرك نعمة الإسلام إدراكاً كاملاً ؟ هل تشعر بعظمة الله شعوراً فائضاً ؟ هل تخشى من غضب الله هلعاً ؟ هل تفكر فيما يحب الله حرصاً ؟ ..... من جديد أسألك .. هل تحب الله ؟ لا عيب فى أن تعترف بأنك لا تحب الله كما ينبغى لعبد من عباد الله أن يحب من أغدق عليه بكل هذه النعم وأنزل عليه كل هذه الرحمات .. لا عيب فى ذلك .. بل واجه نفسك بالواقع واشرع فى تغييره .. تعلم ؟ .. يمكننى أن أكتب مقالاً كاملاً بعنوان "كيف تحب الله" ، ولكن تعلم أيضاً ؟ .. أنت يمكنك كذلك ، وربما سيصل كلامك إلى قلبك أسرع وأعمق مما كان كلامى سيصل ، ولكن رجاءاً لا تترك الحماسة تشتعل بداخلك الآن قائلاً داخل نفسك "بلى أشعر بأننى لم أحب الله قدر ما أحبه الان" ، فقط رجاءاً نظم تفكيرك جيداً .. اجلس مع نفسك قليلاً وفكر جيداً ، كن صريحاً مع نفسك وقل .. "هل أحب الله ؟" .. إن وجدت فى النهاية أنك لا تحبه كما ينبغى أن تفعل ، حينها فقط ستشعر شعوراً مختلفاً عما تشعر به الآن ، شعور قادر – إن نميته – على أن يغير مجرى حياتك ..

هل أنتِ محجبة حقاً .. أم تظنين ذلك ؟ إذن دعينى أسألُكِ .. هل حجابك يتفق مع الشروط الآتية ؟ "لا يصف ولا يشف وألا يكون زينة فى ذاته" ؟ .. هل الـ"body" والبنطال لا يصفان ؟ هل الحجاب الـ"Spanish" لا يكشف عن الرقبة ؟ هل الجيبة المزركشة والطرحة المليئة بالألوان ليست زينة فى حد ذاتها ؟ هل ينظر الناس إلى حجابك النظرة التى تتوقعينها ؟ دعينى أقول لكِ إلى أى أصناف الفتيات ينظر الأولاد ويمعن النظر .. ليس فقط إلى هؤلاء اللاتى تفنّن فى سرقة النظرات ، بل أيضاً إلى فتاة محجبة حجابها مضبوط ومشيتها وقور ولكن .. للأسف الشديد .. حجابها افتقد إلى الركن الأخير .. فهو زينة فى ذاته .. تعلمين لماذا أحسد الفتاة ؟ خلقها الله أميرة فى ذاتها .. وكرمها بأن يتسابق عليها الرجال ويتقدمون إلى أهلها ، فترفض هى من ترفض وتقبل من تراه مناسباً .. خلقها الله فى أجمل الصور .. ووضع بها أرقى المشاعر الإنسانية ، حتى أنه حين خلق بها ضعفاً ، جعله سر قوتها .. كرمها وصانها وأمرها بالحجاب

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:59]

يا الله يا كريم .. أجعلت لهن مظهراً مميزاً كى نعرف منه الخبيث من الطيب ؟ سبحان الله .. وكأن هناك تكريماً أعظم من ذلك حتى تبتعدن عنه .. أختى المسلمة .. لا تجعلينى أسيء بك الظن عندما أرى حجابك .. وتأكدى دائماً أنه لا يصف ولا يشف .. وأنه ليس زينة فى ذاته ..

هل أنت صريح مع نفسك ؟ نعم هذه هى الطامة الكبرى .. لأنك لو لم تكن صريحاً مع نفسك فلا معنى لما كنت تقرأ منذ قليل .. وأرجوك لا تقل بنبرة استعجال "بلى أنا صريح مع نفسى وكثيراً ما أتحدث معها فى كل شيء" .. فللصراحة مع النفس معنى آخر ربما يختلف كثيراً عن الصراحة مع الآخرين .. الصراحة مع النفس هى أن تفكر جيداً بعيداً عن أى مشاعر قد تؤثر على تفكيرك ، حتى تصل إلى الحقيقة ، وتواجه نفسك بها .. ثلاثة مراحل .. تفصل بين الشعور والتفكير ، تفكر جيداً ، تواجه نفسك بالحقيقة .. فربما أنت تتحدث مع نفسك كثيراً دون أن تمر بالمراحل الثلاثة السابقة ، فيخالج تفكيرك بعض المشاعر ، فتظن أنك قد وصلت للحقيقة .. وحين تظن ذلك ربما تواجه نفسك بها أو تتهرب منها .. لنأخذ مثالاً .. أنت الآن تحب تلك الفتاة ، وبينكما هذه القصة الأفلاطونية للحب النزيه ، وربما هى تحبك قدر ما تحبها وأكثر .. ولكنها مثلاً لا تعلم أن لديك مرض خطير ينتقل وراثياً وربما ينتقل إلى أولادكم .. وأنت تدرك بشكل ما أنها إن علمت فلن توافق على الزواج منك .. لا تعلم أنت هل تقول لها أم لا .. ربما تفكر دون أن تعزل المشاعر فتجد نفسك تصل إلى حقيقة أنه لا يجب أن تخسرها ، وأنه ربما لن ينتقل المرض فهذه الأشياء بيد الله ، وكيف تغلق الكتاب على صفحات هذه القصة الجميلة لمجرد احتمال غير مؤكد ؟ تصل أنت إلى هذه الحقيقة متأثراً بمشاعر حبك لها وخوفك من أن تفقدها .. المشاعر لم تكن أبداً من معطيات التفكير التى يجب ان تأخذها فى الإعتبار وأنت تفكر .. فقط الحقائق يجب أن تسمح لها بأن تكون معطيات تفكيرك ، ومصيبة الحقائق والمشاعر أنهما شديدين التشابه حينما لا يكون المرأ صريحاً مع نفسه .. تعال معى نعزل المشاعر عن التفكير .. لن أفكر فى أننى أحبها أو أننى اخاف من فقدانها .. كل هذه مشاعر .. أفكر فى الحقائق .. أين الحقائق ؟ هذا المرض لن يختبئ طوال العمر .. ستعلم عنه فى يوم من الأيام .. هذه حقيقة .. المرض ليس بالضرورة سينتقل .. هذه حقيقة أخرى .. عندما قالت هى أنها لا تريد أن تتزوج رجلاً مريضاً بمرض ينتقل إلى الأولاد وأنها تشعر بالسقم من أن أباها أورثها قصر النظر .. ربما كانت تتكلم دون أن تعنى ذلك حقاً ، ربما سيختلف الأمر إن علمت أننى أنا – حبيبها الذى تتمناه – مريض بمرض سيرثه الأبناء .. هذه حقيقة أخرى .. هكذا يجب أن نفكر ، لا أقول أن المثالى أن يقول لها ، ولا أتحدث عن الصراحة بين طرفى أى علاقة ، وليس هذا مجال حديثى من الأساس .. فقط أقول أنه فقط الحقائق مسموح لها بأن تدخل تفكيرك .. حتى تستطيع أن تعبر البوابة الأولى من الصراحة مع النفس ..

البوابة الثانية .. التفكير .. تعلم أن هذه هى أقوى المراحل التى قد تمر بها ؟ هذه هى المرحلة التى يتوه فيها الكثيرون .. هذه هى المرحلة التى لا توجد طريقة مثلى لتخطى متاهاتها .. المرحلة التى أقول لك فيها بكل صدق "الله معك" .. ليس لأنها أصعب المراحل ، فهى أقواها لا أصعبها .. أقواها لأنها تتطلب قوة وجهداً كبيرين .. وتشعر بعدها فى الغالب بشعور شخص كان يجرى لساعات فى حر الظهيرة دون أن يتوقف لحظة ليشرب قليلاً من الماء .. ولكنها ليست أصعبها لأنها ليست فى صعوبة البوابة الثالثة .. مواجهة الحقيقة.

كثير من الناس يخشى مواجهة الحقيقة .. لذلك يستمر فى التيه فى المرحلة الثانية دون أن يعلن لنفسه أنه قد وجد الحقيقة .. يخشى أن يواجهها .. يخشى أن يواجه حقيقة أنه يستطيع فعلاً الحياة بدونها .. يخشى أن يواجه حقيقة أن الشيطان أضعفه .. يخشى أن يواجه حقيقة أنه لا يحب الله كما ينبغى له أن يحبه .. تخشى مواجهة حقيقة أن حجابها غير مطابق لأحد الشروط أو ربما إثنتين .. يخشى مواجهة حقيقة أنه لم يكن صريحاً مع نفسه فى كثير من الأشياء .. وأنه ربما عليه أن يعيد التفكير فى كل مسلماته ومعتقداته الشخصية .. لا ترتعد إن وجدت أن أحد مسلماتك تختلف والحقائق التى وصلت إليها .. فالمسلمات ما هى فى الحقيقة إلا أفكار اقتنعنا بها لسنين طويلة .. وارد أن نكتشف خطأها بعد فترة .. واجه نفسك بالحقيقة قبل أن يواجهك بها القدر .. فالحقيقة حقيقة اقتنعت بها أم لا .



والآن .. ماذا بعد ان واجهت نفسك بالحقيقة ؟ فى الواقع لكل شخص إسلوبه الخاص جداً فى التعامل مع الحقائق .. البعض يرسلها لشفتيه فتمتعض أو تنبسط أو ربما يقول "سبحان الله .. الدنيا دى غريبة" ثم يطرد الفكرة من رأسه تماماً .. والبعض يرتجف من الحقيقة ويشعر بالتهديد .. مسلماته فى خطر .. خطر من الحقيقة التى وصل إليها بعد تفكير عميق ومتأكد هو من صحتها .. وهنا ينقسم هذا البعض إلى قسمين .. القسم الأول وهو الأقل وطأة تشتعل بداخله الحماسة فيذهب ويفعل ما يراه صواباً أو شيء من هذا القبيل .. ويغطى مسلماته بأفكاره المشتعلة والتى سرعان ما تبرد وكأننى كنت أكتب هذا المقال لأملأ وقت فراغى مثلاً .. ويعود كل شيء إلى سابق عهده .. الأفكار المشتعلة تبرد وتنطفئ وتظهر من تحتها مسلماته التى كان يعلم هو أنها خاطئة .. والجميل فى الأمر أنه يندم على أنه قد فكر من الأساس فى المساس بأحد المسلمات التى – قد يبدو أن – التفكير فيها عبث كبير ، القسم الثانى مصيبته مصيبة .. حين يشعر بالتهديد على مسلماته يلعن كاتب المقال – شكراً جزيلاً على اللعنة – ويقول فى سره "ده جنان ده ولا إيه" ثم يترك كل ذلك ويعود إلى حياته مطمئناً على مسلماته محبوساً داخل أفكاره ..

أتمنى أيا قارئ المقال أن تكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .. فكر جيداً فيما قرأت ، قد أكون محقاً فى وجهة نظرك وقد أكون مخطئاً ؛ فإن ما كتبت هو مجرد نتاج ما توصل إليه تفكيرى الذى أظننى كنت عازلاً فيه مشاعرى عن أفكارى ، وقد أزعم أن هذه هى الحقائق التى وجدتها وواجهت نفسى بها ..

وجهان لعملة واحدة .. قصة من مجلة ميكى

"ميكى" والأصدقاء .. "ميكى" فأر طيب .. يحب أصدقاءه كثيراً ..
ذات مرة كان يساعد "ميمى" فى غرس الزهور فى حديقتها، فكان يخلع لها الأعشاب الضارة قبل أن يضعا الزهور سوياً
وما أن انتهى من ذلك، اعتذر لها وطلب أن يكملا العمل غداً؛ فقد وعد هو الدكتور "علمان" أن يمر عليه فى معمله ليساعده فى اختبار احدى اختراعاته
ما أن التفت "ميكى" حتى قالت "ميمى" فى سرها : "ميكى شخص خدوم فعلاً، دائماً يساعد أصدقاءه"

ثم مر "ميكى" على معمل الدكتور "علمان" كما وعد، وساعده فى ضبط الصاروخ الشخصى الجديد .. صاروخ يلبسه الشخص كحقيبة المدرسة، ويطير به متنقلاً
وبعد ساعات طويلة .. استأذن "ميكى" دكتور "علمان" بالانصراف، فقد وعد "بندق" أن يساعده فى ترميم سقف بيته اليوم، ثم طلب منه أن يكمل معه العمل فى الصباح
وبعد أن التفت "ميكى" قال الدكتور "علمان" ناظراً للأعلى : فعلاً .. شخص خدوم ووفى"

وبعد عدة ساعات أيضاً .. كان "بندق" يشكره على مساعدته الغالية له، فلولا مساعدة "ميكى" لما أنهى "بندق" وحده كل هذا العمل فى هذا الوقت
إلا أن "ميكى" كان قد بدأ يشعر بالتعب، وقد أوشك الليل على المجئ .. فسأل "بندق" رأيه فى أن يكملا غداً ؟ فوافق "بندق" ووعده "ميكى" أنه سيعود إليه غداً ليكملا السقف
فشكره "بندق" كثيراً على مساعدته له

دخل "ميكى" لينام سعيداً ، وهو يحدث نفسه قائلاً : الأفضل أن أنام الليلة جيداً، لأكمل العمل مع أصدقائى فى الصباح
وفى الصباح التالى ذهب "ميكى" لزيارة "ميمى" ليكمل معها غرس الزهور، إلا أنه وجدها سعيدة تنظر إلى زهورها التى قد تم غرسها بعناية وأصبح منظرهاً جميلاً
فانبهر "ميكى" سائلاً إياها إن كانت قد قامت بكل هذا العمل وحدها ؟ إلا أنها قالت له : طبعاً لا، شخص ظريف كان ماراً وعرض علىّ المساعدة .. أقدم لك "فادو" مندوب مبيعات متجول
فأكمل "فادو" الذى قد ظهر فجأة : وأحب الإعتناء بالحدائق، سعيد بلقائك
فقال "ميكى" بلهجة خافتة : ولـ.. لكنى .. كنت سأساعدك
فقالت "ميمى" مداعبة إياه : لا داعى لأن تتعب نفسك، واشتريت من "فادو" سماداً وسيصل غداً
شك ميكى أن "فادو" قد عرض عليها المساعدة فقط لتشترى منه ، وقال ذلك أمامه
إلا أن "فادو" أنكر ذلك وأكد على أنه فقط رأى سيدة فى حاجة إلى مساعدة فساعدها ، ثم ودع كلاهما وانصرف
انصرف "ميكى" خلفه يفكر .. لا يشعر هو بالراحة إلى هذا الشخص ، مهما ادعى إدعى أنه خدوم
ثم بعد فترة من السير على الأقدام قرر الذهاب إلى الدكتور "علمان" ، فهو بالتأكيد لا زال يحتاج إلى المساعدة
فكانت المفاجأة بأن وجد "فادو" يجلس بجانب الدكتور علمان على الكنبة يشاهدان التليفيزيون، والدكتور علمان يقول لـ "ميكى" فى سعادة أن هذا الصديق - مشيراً إلى "فادو" - قد حل المشكلة تماماً
ثم أضاف فى ابتسامة : بالمناسبة ، لقد اشتريت منه سماداً، وسيصل غداً .. يجب أن تشترى منه أنت أيضاً يا "ميكى"
لكن "ميكى" تركهما وانصرف يصيح ثائراً فى الشارع : هذا الشخص الفضولى السخيف مزعج جداً، ربما أنساه عندما أذهب لأساعد "بندق"

وكانت المفاجأة الأكبر عندما ذهب لبندق فوجد كلاً من "بندق" و"فادو" فوق البيت يصلحان السقف و"بندق" يلتفت إلى "ميكى" قائلاً له : لقد انتهينا من السقف يا "ميكى"، هذا الشخص الظريف ساعدنى .. والأهم أننى ..
فصاح "ميكى" : أعرف أعرف .. اشتريت منه سماداً

ذهب "ميكى" وحده إلى الحديقة العامة لمدينة البط لينفرد بنفسه ، يستغرب طيبة هذا الشخص الغريب .. ويسأل نفسه .. هل هو طيب فعلاً ؟ ماذا وراء تصرفاته تلك يا ترى ؟
ثم اتضح له كل شيء فجأة ، هذا الشخص يستخدم اسلوبه المتعاون والمساعد ليبيع السماد، وطبعاً لا يوجد سماد أصلاً وهو نصاب يخدع المدينة ثم يسافر

أسرع "ميكى" إلى مخبر سرى خاص ليطلب منه أن يتحقق من شخصية "فادو" ويعرف عنه كل شيء وأعطاه مبلغاً من المال، ثم تركه وذهب إلى بيته

وفى ظهر اليوم التالى كان هناك مهرجاناً بمدينة البط ، ذهب "ميكى" و"ميمى" إلى هناك ففوجئ "ميكى" بـ "فادو" يتوسط الجموع ويخبرهم عن سماده الوهمى الذى سيصل اليوم، ويقنعهم بأن يدفعوا الثمن الآن ليحجزوا حيث أن الدفعة القادمة محدودة .. اغتاظ "ميكى" ولكن "ميمى" جذبته من يده تطلب منه الاشتراك فى سباق "شوال البطاطس" فهو يفوز فيه كل سنة.
فى هذا السباق يلبس كل المتبارين شوالاً ويقفز به مسرعاً إلى خط النهاية ، فيصير المنظر مضحكاً للغاية والناس تتعثر وتقع وتتقافز بالأشولة .. ابتسم "ميكى" وذهب وارتدى شوال البطاطس، لكنه فوجئ بـ "فادو" يقفز قفزاً حتى وصل بجانبه ويستعد للانطلاق .. اغتاظ "ميكى" أكثر ولكنه نسى كل ذلك وبدأ يقفز عندما انطلقت صافرة البدأ
كان "فادو" أكثر طولاً من "ميكى" ، فكان أسرع منه فى السباق ، وللمرة الأولى يخسر "ميكى" ويقع قبل خط النهاية بلحظات ويفوز "فادو" بالسباق هذه السنة

تجمهر الجميع حول "فادو" الفائز بينما وقع "ميكى" يقول : هذا ظلم، إنهم يحيونه .. وفى هذه الأثناء ظهر المخبر السرى يهرول إليه قائلاً أنه أنهى تحرياته عن "فادو" وكتب عنه تقريراً وقدمه إليه، فقال "ميكى" فى غضب : أعطنى هذه، أكيد هذا الشخص مخادع وسينكشف أمره
بينما ظهر صوت آخر فى الجوار .. الدكتور "علمان" يصيح فى الجموع : أود أن أنتهز هذه الفرصة لكى أريكم اختراعى الجديد ، إنه "صاروخ علمان"
ثم بدأ "علمان" يطير فى الهواء مكملاً حديثه : وبفضل هذا الصاروخ ستكون المواصلات العامة فى المستقبل أبسط بكثير ..
فجأة فقد الدكتور "علمان" السيطرة على الصاروخ ، فبدأ يطير باتجاهات عشوائية ، فصاح "ميكى" : الدكتور علمان فى خطر
ثم جرى نحو الشجرة التى ألقى الدكتور "علمان" نفسه فوقها عندما ارتفهت حرارة الصاروخ جداً ، ثم صعد المبنى الذى بجواره .. ووقف على حافة السلم الجانبى للمبنى يستعد للقفز على الشجرة
لكنه للحظة فكر .. القفزة خطيرة جداً .. يجب أن يقفز قفزة ممتازة حتى يصل إلى الشجرة دون أن يقع ، فى هذه الأثناء ظهر بجانبه "فادو" الذى قال له : لا تقلق يا صديقى سانقذه
ثم صعد على الحافة وقفز قفزة ممتازة إلى الشجرة ، ثم حمل الدكتور "علمان" بمنتهى السهولة ونزل به من على الشجرة لتلاقيه الجماهير بكل هتاف وتحية وتعظيم
وبين كل هذا يظل "ميكى" مكانه يقول فى استغراب شديد : لا أصدق عينى

وبين هتافات الجماهير ظهر "ميكى" بسرعة يقول من بعيد : لحظة يا دكتور ، "فادو" ساعدك فى الضبط النهائى للصاروخ ، ربما هذا العطل منه
فغضب "فادو" قائلاً : هل تقصد أننى قمت بهذا كى أربح نقوداً من الدكتور ؟
فقطع "علمان" حديثهما قائلاً : اهدأ يا "ميكى" .. أنا أعدت ضبطه صباح اليوم، الخطأ خطأى أنا .. أنت تتهم الشخص الخطأ
فسكت "ميكى" قليلاً .. ثم صاح مرة أخرى : إذن ماذا عن هذا ؟ لقد كشفت حقيقة هذا المخادع .. لقد حان وقت ظهور الحقيقة .. نعم .. لا يوجد سماد .. كان سيأخذ نقودكم ويهرب
وبدأ "ميكى" يفتح الظرف ويقرأ لهم بصوت عالٍ : تحرياتى تقول أن "فادو" ..... شخص أمين جداً .. ومندوب مبيعات على أعلى مستوى

وبين خجل "ميكى" وترقب الجماهير صاح "بندق" : انظروا هناك .. السماد وصل .. ها هى العربة قادمة

فانشغل الجميع واسرعوا إلى عربة النقل ليأخذوا حصصهم ، إلا "ميكى" الذى قد شعر بالخجل .. وأصدقاؤه الذين تجمعوا حوله فقال لهم : ما الذى يحدث لى ؟ لماذا أصبحت شكاكاً هكذا ؟
فأمسكت "ميمى" بيده قائلة : أنا سأقول لك .. أنت تعودت على الاعتقاد بأنه من واجبك أن تكون كاملاً .. وظهر "فادو" فجأة وقام بكل شيء .. وبشكل أفضل منك .. وهذا جعلك تشعر بأنك مهدد
فتنحنح "ميكى" قائلاً : إحم .. أشعر بأنى مخطئ جداً ، ثم تلون وجهه بالحمرة حين ردت عليه "ميمى" لتنهى خجله قائلة : شيء طبيعى أن تصبح شخصاً عادياً يقوم بأخطاء

وانتهت القصة بأن ودع "ميكى" و"ميمى" و"علمان" و"بندق" مندوب المبيعات البارع جداً "فادو" وهو يشير إليهم من نافذة القطارقائلاً لهم : مع السلامة يا أصدقائى، ربما أعود فى يوم ما
فرد عليه "ميكى" مبتسماً : مع السلامة يا "فادو" .. وآسف على مضايقتك، أسعدنى جداً أن أقابل شخصاً مثلك .. مثلى تماماً

انتهت القصة .. نعم انتهت .. تلك القصة قرأتها منذ أعوام ، كنت حينها لا زلت صغيراً ولا أعى كثيراً مغزى القصة .. فى الحقيقة كان مغزاها أكبر كثيراً من أن يفهمه عقل طفل فى هذا السن، شعرت بأن ورائها هدف لم أفهمه .. إلا أننى ببساطة قلبت الصفحة وبدأت فى قراءة القصة التى تليها.

لا أعلم لماذا تأثرت بهذه القصة عندما قرأتها منذ عدة أسابيع .. تأثرت جداً وبدأت أفكر كثيراً فى مغزاها .. أفكر فى فلسفة الأمر ، وكيف أن حب "ميكى" لأصدقائه أعمى عينيه وجعل عقله يفكر باتجاه واحد .. تعلمت دائماً أن الغضب يعمى الأبصار ، لكننى أبداً لم أفكر أن الحب كذلك

ثم عدت أضحك عندما تنبهت لحالى .. ها أنا أفكر فى فلسفة قصة لمجلة أطفال .. لكننى لم أدرك أن هذه القصة ربما تكون محطة فاصلة فى حياتى

من "ميكى" إلى "فادو" .. سامحنى إن كنت قد أسأت الظن بك ، كل ما أراه أو أسمعه عنك وتصدقه أفعالك وأقوالك يقودوننى جميعاً إلى حقيقة واحدة تعودت أن أغمض عينى عنها .. ألا وهى أنك .. شخص أمين جداً .. ومندوب مبيعات على أعلى مستوى
لقد فكرت ملياً ووجدت .. أن كل دوافعى إلى اساءة الظن بك كانت مبنية على شكوكى وأوهامى التى بناها حبى لأصدقائى "ميمى" و"بندق" والدكتور "علمان" .. هؤلاء أصدقائى ولن تعرف أبداً مهما حاولت أن أصف لك مدى حبى لهم .. وخوفى عليهم .. لذلك فاعذرنى إن كنت قد اسأت الظن بك قبلاً ، وفى النهاية .. أتمنى لك كل الخير

صديقك :
"ميكى"

ساحرة بلا أسحار

أحببتكِ حباً فاق حبى لكلمة "أحبكِ" أى حبيبتى .. سامحينى فلن ألقيها على مسامعكِ بعد الآن
أشتياقى إليكِ أشبع حواسى .. فلم أعد أشتاق بعدُ إلى لقياكِ
قد شربتُ حبيبتى من نبع الحب حتى ارتوى عطشى .. فلم يعد لديكِ يا حبيبتى ما قد يلفت انتباهى
مرضى فيكِ قد أشفى هوائى .. ومدينة الحبُ قد دخلتها برسائل حبى
لا أحتاج لحبكِ صدقينى .. قد رضى عنى لحبكِ أهل الهوى
الحب قد صالح نفسى وقومها .. وإذا بالروح تهفو بين أرواح المحبين
قلبى قد امتلأ بالحب عن آخره حبيبتى .. فلم يعد به مثقال ذرة من أجل من ملأت طياته حباً
مثقال ذرة من مشاعر ترى حسنك وتُفتَنُ به .. أو لحظة شاعرية أكتب فيها عن هدوءكِ الأشعار
لم يعد لكِ مكانٌ بعدُ فى قلبى .. ولا لسحرِ عينيكِ فرصةٌ بعدُ فى إيقاعى















اليوم أعلنها بكل صراحة .. لا زال القلبُ للقلبِ أسيراً

وما كان من أسطر كتبتها .. إلا مزاح كتبه قلبٌ يحب

فالحب كالماء المالح أى حبيبتى .. لا يشبع منه عطشان .. أو ترتوى منه أرواح العاشقين

والاشتياق كالسحر أى حبيبتى .. لا نظن أننا قد تحررنا منه .. حتى يفاجئنا الشوق بألفٍ من أوتادِ وقيود

إلى الحب سائراً على قدمين .. وإلى تعاويذ العشق مرتسمة بين همساتُكِ والحروف

لا تكفى عن الابتسام .. دعكِ مما قلتُ قبلاً

فابتسامتك حبيبتى إن غابت عن الأرض

ذهبت الشمسُ وامتنعت عن الإشراق

فلتملأى أى ملاكى أرض الدنيا بهجة وسروراً

فلا أبداً تبكين .. ولا بخيالكِ تسرحين

ولا عن الابتسام أبداً تتوقفين

وتسأليننى عن حبى ؟

وتسأليننى عن حبى ؟ حبى لكِ نقر على أجراس الجنون ، وجلسة تأمل على أهرام الحكمة .. غيرتى عليكِ زهرة صفراء نمت فى هدوء داخل فلاة فى وقت الظهيرة ، فلا هى ظاهرة وسط صفار الصحراء ، ولا حتى تجد ماءاً ليرويها .. عشقى لطيفك ملاكٌ حائر ، لا يدرى لأيهما يكثر من الدعاء أكثر .. روحك الطاهرة .. شعاع الهمس الذى أسر الحب خلف ضلوعى .. أم وجهك الباسم .. ذلك الإحساس الملائكى الذى يعترينى كلما حاولت أن أنظر إليكِ .. دعى عنى هذه الأسحار .. ما لك بذلك ؟

الحب أيا سيدتى مارد جبار ، لا رحمة فى قلبه كما تتصورين ، ولا يكن شفقة ﻷحد ولا ضغينة فى حقيقة الأمر .. الحب كالموت قدر لا يمكن الإفلات منه ، الحب كالسحر سهم لا يمكن ردعه .. الحب كالبحر موج لا تُجدى مقاومته .. فالحب كالحب لغز لا نستطيع فهمه .... مهما حاولتِ التظاهر بأنكِ على ما يرام .. عيناكِ تفضحكِ ، ومهما حاولت أن أمثل أننى قد لا أﻻحظ .. شهيقى وزفيرى المتسارعان يعترفان بسرعة دقات قلب .. قلب يرجو الجسم أن يضخ له الدماء .. فقد ترجل هو عن تلك المهمة ، واكتفى بحب تلك الأميرة ... قلب لا زال يدق بعنف .. لكنه لا يضخ الدماء .. هو عاجز إلا عن أن ينشد فيكِ الأشعار .. فيعذبنى كما لو كان عذابى وحدى خفيفاً .. أيا حبيبتى .. أجندتى جسدى ليعمل ضدى ؟ ألم تكتفين بعقلى وروحى وكيانى وصمتى ورداء كبريائى ؟

السماء والأرض والجبال والبحار والآفاق والأعماق والصخور والأنهار والساعات والأيام والأفكار والأوهام .. كل ما قد يجول ببالكِ أى حبيبتى .. قد لا يكون كما هو عليه حقاً .. كل شيء قد يكون مزيفاً .. إلا حقيقتين وحيدتين أدركهما .. حقيقة الموت .. وحقيقة حبى لكِ

لدى قناعة لا يخالطها رائحة الشك ، أن لقلبى ما تمنى .. ولو طال الأمد

حبيبتى .. سأصل إليكِ

فانتظرى فارساً مغواراً يصيح تحت نافذتك

أن يا عباد الله

فلتشهدوا الآن

أنى لم أحب

ولا أحب

ولن أحب

سواها

فلتمنحنى هذا الشرف يا سيدى .. أو لتأخذ سيفى وتذبحنى

فرفضك لى والموت سيان

"وإنه الإعصار .."

"إنه الإعصار .. الرياح تعصف بنوافذ السفينة ، والنيران تنطلق من المحرك الثائر .. أمواج العسرة تتلقف الأجساد المتساقطة ، ونيران الموت تزحف ببطء بين أبواب الغرف"

هل اكتفيت أيا ذهنى من التفكير ؟ هل شعرت أخيراً بالتعب ؟ أم لا تزال تظن نفسك قادراً على الصمود ؟ أستصمد أكثر ؟ كم ستصمد ؟ لحظة .. أم لحظتين ؟ أم ربما ثانية كاملة .. ترى هل ستصمد لعدة ثوان ؟ أم سيكون من غير المنطقى أن نفكر فى أن تصمد أكثر من دقيقة ؟ .. ترى .. هل تستطيع أن تعد الدقائق ؟ هل ترى عقارب الساعة ؟ أم أنها صارت - فجأة - عقارب كثيرة ؟ فلا تدرى كم من العقارب هناك .. أو بأى سرعة تجرى تلك العقارب .. 

"صياح رجال .. ولولة نساء .. صراخ أطفال .. نحيب عجائز .. إنها الحياة الأخرى ترسل ألسنة من اللهب .. لتحرق من تحرق ، وتقذف فى مياه الشك من تقذف"

ترى .. هل يمكنك الرؤية ؟ قيل أن الألم دائماً يختبئ بين ثنايات أثواب الفرح .. وأن الكمان الذى نظنه يعزف ألحان العشق ، ما هو إلا نحيب أحبالاً مشدودة على أوتار العذاب .. فهل حقاً يمكنك الرؤية ؟ إن كنت فقل لى .. هل ترى جلباب أسير خلف قضبان الظنون ؟ أم ترانى وحدى أسير فى طريق بلا أبد ؟ أسير وكلى أمل أن لكل طريق نهاية .. وبعد أن ينتابنى التعب ، أحاول الرجوع .. ولكن هيهات أيها الحالم ، لم يعد لديك من القوة ما يكفى لتعود أدراجك نحو بر الأمان .. إن كان أماناً فى المقام الأول

"وفجأة يقفز أحد أصدقائى .. أصيح ببقيتهم ألا تفعلوا مثله ، وأن انتظروا لعل أحدهم يأتى فينقذنا .. فيصرخ فىّ أحدهم قائلاً : أوليس ثلج المحيط أبرد من هذا اللهيب ؟"

الحيرة .. الحيرة هى أقوى مردة الحياة الدنيا ، قتلت روميو وجولييت .. وعذبت شهريار .. وأربكت اسرائيل .. وغيرت خارطة العالم ، ورسمت نقوشاً من السحر الأسود على صفار صفحات التاريخ ! الحيرة ، ذلك النوع من الشعور الذى يشل التفكير ، ويجعله يدور فى حلقة مفرغة .. كل الأفكار تقود إلى بعضها فى جنون ، وكأنها سكير يحاول الخروج من حانة الرقص ، أو طائر الطنان يحاول عابثاً أن يخفض صوت أجنحته .. إنه العبث ذاته أن تحاول الخروج من الحيرة بقرار حكيم.. فغالب الأوقات أنت ترى الحقيقة ، ولكنك فقط تخشى أن تتخذ القرار

"حرارة اللهيب تحرقنى قبل أن يمس الموت أطراف ثوبى .. شياطين البحر من أمامى ترقص فى تؤدة رقصة الموتِ ، وعواء الريح من حولى يغنى منشداً قصيدة الرعب"

القرار .. هل يخرج السكير من حلقة الرقص ؟ أو ينجح طائر الطنان فيما يريد ؟ هل ستتخذ القرار ؟ أم لا ! هل لديك الشجاعة الأدبية الكافية ، حتى تواجه شخصك بالحقيقة ؟ قبل أن تواجه العالم بها .. أم أنك لا زلت هائماً بين طرقات النفس .. تتسول المارة .. لعل أحدهم يعطيك حلاً لمسألتك ؟
الغريب هو أنك أحياناً لا تملك الوقت الكافى لإتخاذ القرار .. أو يكون عدم اتخاذك للقرار قراراً فى حد ذاته .. قراراً بالبقاء فوق السفينة .. تشويك ألسنة اللهب على مهلٍ ، وترهبك أنغام قصائد الرعب .. وتلقى عليكَ تعاويذها رقصةُ الموتِ ..
فماذا أنت بفاعل ؟ أقافز أنتَ ؟ أم لا زلت تفكر .. هل اكتفيت أيا ذهنى من التفكير ؟

"وقفزت .. ولا أعلم كم من الوقت قد مر علىّ وأنا مسافر فى الهواء .. جسدى يتأرجح ساقطاً مقذوفاً نحو ألسنة اللهب البارد .. وساعات العالم تدق جميعها الآن داخل أذناى .. العجز يشل أطرافى ، والأفكار تخرج من عقلى .. وشعاع من الراحة يغزو جسدى المريض ولا أعلم من أين .. لكنه أتى .. بصيص من النور يزحف بخفة متسلقاً جدران نفسى المظلمة ، ويتركها باسمة مستبشرة .. عواء الريح قد أصبح غناءاً لحور العين .. ورقصة الموت صارت أوراقاً خريفية تتساقط على أرض بنية .. أرض غطتها تلك الأوراق ، صياح الرجال .. ولولة النساء .. صراخ الأطفال .. نحيب العجائز .. كلهم تبدلوا !
فالعجائز قد صاروا شباباً ، والأطفال نمت لهم أجنحة وها هم يحلقون فى رشاقة .. والنساء قد تلفحن بالخمائر البيضاء فلا يبدُ منهن سوى أعينهن .. هذه الأعين التى تكاد تضيء أحدها ظلام العالم كله .. ولو ذهبت الشمس ! والرجال قد عادوا شباباً .. يمرحون ويلعبون .. وفى عطف ربهم ينعمون ... وإلى زوجاتهم يتهامسون .. الحب قد ساد ، والأمان قد عاد .. وكلٌ يومئذ يَحمد رب العباد"

"المرة الثانية" - من الأعمال القديمة

عندما ترى الأشياء للمرة الثانية .. وتتسع حدقتاك ويتعكر ذهنك بمحاولات بائسة لمحاولة تذكر اللحظة القادمة .. قبل أن تمر بالفعل ولا تصبح "اللحظة القادمة" بعد هذه اللحظة .. لتصبح ببساطة "اللحظة الفائتة" .. حينها لا تدرك ذلك قبل أن تدرك أنك قد تذكرتها بالفعل وتفرح ؛ إذ أنك قد أثبت وجهة نظرك وهى أنك قد رأيت هذا المشهد من قبل وأن هذه ليست إلا .... نعم .. المرة الثانية .

فى الحقيقة أنت لم تر هذه اللحظة من قبل ... نعم ولم تحلم بها حتى ، لهذا الأمر سببية ومرجعية فى علم النفس وهذه المرجعية حقاً لا أكترث بها .. ولها أيضاً مرجعية فى الدين وهذه المرجعية – مع احترامى لها – ليست ما أردت الحديث عنه هنا .. إنما فقط أحاول التفكير .. هل هى رسائل ربانية مثلاً ؟ نوع من الإلهام أو الوحى ؟ كلا ، لا أظن .. إنما فقط هى لحظة من فقدان التركيز يعقبها محاولة من عقلك الباطن للعودة إلى دائرة الحديث ومعاودة فهم ما يقال .. ألا تلاحظ أن أغلب المرات التى تمر فيها بهذه التجربة تكون مستمعاً لا متحدثاً ؟ نعم هذا صحيح لو تذكرت معى ، لذلك يشعر العقل الباطن بالعجز عن التفسير، وتهتز الأفكار مصدرة ذلك الرنين الذى يشبه الحلم فتشعر وكأنك قد حلمت بهذا الأمر من قبل .. دعك من كل ذلك .. فقط كن منصفاً وأجب .. بماذا تشعر عند المرة الثانية ؟

البعض يخاف .. نعم أنا من هؤلاء البعض .. رغم أننى اقتنع كثيراً بأننى أبداً ما رأيت مستقبلاً داخل أحلامى ، إلا أننى وبعد كل "مرة ثانية" أشعر بتلك البرودة تتحرك بين أضلع جسدى وأوصالى ، وبتلك الأفكار تتحرك بين خلايا عصبية تلتحم وتفترق فى عصبية واضحة .. ثم أعود عند الهدوء أحاول الرجوع إلى نقطة البداية فى التفكير ، وأتجاهل مرحلة "المرة الثانية" تماماً وأتناساها .. هل لأننى أخاف منها ؟ أم لأننى .... إننى أخاف منها فى الواقع ، إننى فى الحقيقة أخشى كل ما لا استطيع فهمه من النظرة الأولى .. لذلك أكره دائماً تلك "المرة الثانية" لأنها تشعرنى بأننى على شفا حفرة بين الوهم والحقيقة .. بين الواقع والخيال .

فى "المرة الثانية" القادمة لديك ، حاول أن تركز تفكيرك حول محور واحد .. هل تذكرت اللحظة القادمة وهى لا زالت اللحظة القادمة حقاً ؟ أم أنك قد تذكرتها بعد أن لم تعد "لحظة قادمة" بعد هذه اللحظة ؟ إن صارت "اللحظة الفائتة" ثم تذكرتها فإنها ببساطة فقدت قيمتها كدليل على إثبات أن "المرة الثانية" لديك هى حقاً مرتك الثانية ... أو دعك من كل هذا وببساطة تابع حياتك .

علمينى

علمينى كيف أنظر إلى عينيكِ وأنتِ ناظرة إلىّ .. علمينى كيف أقاوم أسحار همسك الحانى بين طيات صوتك الناعم .. أرينى الطريق بين هالات النور التى تبعثها قسمات وجهكِ الصافية .. دعينى أحاول التركيز أى حبيبتى .. دعينى أفرك عيناى لعلى أراكِ .. فكى عن جسدى تعاويذ حسنك الباهى .. أطلقى سراح كلماتى التى تتلعثم كلها عند طرف لسانى المقيد .. توقفى عن الابتسام .. لعل نوركِ يخفت ، أو حسنك يقل بهاءاً ! لعل بصيصاً من الإتزان يعود فى خجل إلىّ .. أو كلمة واحدة تخرج سليمة وأنا أحادثكِ .. أو لحظة واحدة تمر .. وعينى .. تنظر إلى عينيكِ .. دون أن أشعر بأن العالم كله أصغر .. من اتساع العالم الكائن داخل حدقتيكِ !

حبيبتى .. دعينى أتزن

"معركة اليأس"

"الخندق .. عودوا بسرعة إلى الخندق" .. جملة صاح بها القائد عدة مرات بينما كانت شمس الأصيل تمسح أفق المعركة الملطخ بالدماء ، زحفت مجموعة من الجنود إلى الخندق بسرعة محتمية بمجموعة أخرى ظلت تطلق النيران حتى اختبئت المجموعة الأولى تماماً ، ثم توقفت المجموعة الأخيرة عن إطلاق النار للحظات ، فتنبهت كتيبة من الجيش الآخر لذلك ، فألقى أحد جنودهم نظرة .. ليجد أن جندياً لم يعد بالساحة ، الجميع هربوا عبر الخنادق إلى الجانب الآخر من النهر ..

الجنود فى حالة فوضى شديدة ، هذا يبكى وذلك يضحك .. هؤلاء يصيحون وذلك الجمع يجلسون على جانبٍ صامتين .. القائد يدخل عليهم فى وقار منكسر .. فيصمت الجميع ويتحضرون لسماع خطبة من القائد ... الوضع أصعب مما توقعوا ، كل الكتائب زهقت أرواحها ، ولم تظل فى أرض المعركة سوى كتيبتهم فقط .. الجيش الآخر على أهبة الإستعداد ولا يدرون لماذا لم يهجموا على هذه الكتيبة الأخيرة حتى هذا الوقت .. إحساسهم بأن الجيش الآخر يستطيع الفتك بهم فى أى لحظة الآن يكاد أن يفتك بهم قبل أن يفعل العدو ... بصيص من الأمل قد غاب عن الأفق ... وعاصفة من سواد اليأس اقتحمت سماء آمالهم ..

على عكس ما توقعوا ، لم يتوقف القائد ليلقى لهم الخطبة ، بل توجه فى صمت إلى أحد الجنود هناك جالس وحده يبكى .. لم ينتبه الجندى لحضور القائد ، فقد ظل يبكى دون انقطاع ..

قال القائد فى نبرة تشجيعية :
- وهل يبكى الرجال ؟
التفت الجندى وتأهب للوقوف لكن القائد أشار له بالجلوس فجلس يقاوم الخجل قائلاً بنبرة منخفضة :
- يا سيدى ، قد زهقت أرواح الجميع .. وشبح الموت يبدو أنه لم يشبع بعد ، مات من هم أفضل منا بكثير ، فمن نحن حتى نصمد أمام أسلحة هؤلاء القوم الجبارة ؟
تبسم القائد ابتسامة ثقة وعزة .. ثم نظر إلى السماء وطيور الموت تحلق ذاهبة إلى جثث المعركة ... فابتلع ريقه قائلاً :
- أيها الجندى .. ألك زوجة ؟
اغرورقت عينا الجندى بالدموع قائلاً :
- نعم سيدى
تابع القائد :
- ألك أولاد ؟
فابتسم الجندى وكأنما نسى لحظياً مرارة الألم :
- زوجتى على وشك الوضع يا سيدى ، يقولون أنه ولد جميل ... تريد زوجتى أن تسميه صلاح الدين ، فهى تظن أنه سيكون صلاح الدين الثانى على الأرض ..
قاطعه القائد قائلاً :
- عظيم عظيم ... إذن أنت أبا صلاح الدين ... من الآن أنت أبا صلاح الدين .. هكذا سأناديك
تبسم الجندى ، فقد فهم ما يعنيه القائد ... لكن القائد تابع قائلاً :
- تعلم أيها الجندى .. لى أيضاً زوجة ، ولى ثلاثة أولاد .. وسوف أعود إليهم ، وأعرفهم على أبا صلاح الدين .. الذى كان بطل المعركة الأول ، وحول موقفنا من الهزيمة إلى النصر .. ألن تأتى معى ؟
ضحك الجندى واهتز جسده من الضحك حتى سقطت دمعة كادت أن تجف على ذقنه. قام القائد وربت على كتفه قائلاً :
- هيا أبا صلاح الدين ... فأمامنا عمل كثير ، قم فاغسل وجهك ، وتفقد سلاحك وذخيرتك ، ثم عد إلينا عند النار
فضحك الجندى واعداً قائده بأن يفعل ، ثم أدى تحية الجيش واختفى بين ظلال الظلام ..

سمع القائد صياح أحدهم هناك .. يقول فى صوت يشبه النحيب :
- لا فائدة .. الموت يقترب أيها الرجال ، لو فكر العدو فى اقتحامنا الآن لانتهينا ... لقد انتهينا بالفعل .. فقدنا الإتصال بالقاعدة ، وأهلنا هناك لا يعلمون عنا شيئاً ولن يعلموا ... لقد انقطعنا عن العالم .. وأحاطت بنا الجثث .. لا فائدة .. لا عودة ...
سكت قليلاً فوجد الجميع ينظر إليه فى هلع ... فصارت عينه تنتقل بين هذا وذاك ثم قال فى حسرة :
- ها قد أقبل الموت ... أنا أسمع صوته ..
قاطعه القائد بصوت حاد النبرة قوى اللهجة :
- وهل سألت الموت لماذا أتى قبل أن تطلق تخاريفك تلك أيها الجندى ؟ أليس من الممكن أنه قد جاء ليحصد أرواح الأعداء ؟؟
فحاول أحد الجنود أن يقاطعه :
- ولكن يا سيدى ..
ولكن القائد أكمل فى إصرار :
- أعلم بأن الوضع ليس الأفضل على الإطلاق .. وأعلم أن موقف العدو أفضل من موقفنا بكثير ، ولكن .. ألم تسألوا أنفسكم لماذا لم يهجم العدو إلى الآن ؟
تجهم الجميع بالصمت .. لمح القائد طائراً يحلق فى الجو .. يحمل ما يحمل من المعركة .. تحجرت نبضات قلب القائد للحظة لما رأى ما رأى .. لكنه سرعان ما عاد يكمل فى ذات النبرة وذات اللهجة :
- العدو يعلم شأنكم .. واسبتسالكم فى الحروب .. يعلم قوة شعبكم وضراوة سلالتكم .. وأنتم لا تعلمون ؟ العدو يفكر ألف مرة قبل أن يخاطر فى حربه معكم .. وأنتم ها هنا تصرخون ؟؟ بأى عقل تفكرون !
هنا تشجع أحدهم قائلاً :
- سيدى .. لا قبل لنا بهم ، هم أقوى مننا بكثير ، وأسلحتهم أكثر تطوراً من أسلحتنا .. وعددهم يفوق أضعاف أضعاف عددنا .. نحن كتيبة واحدة وقد مات منا الكثير ، وهم على أقل تقدير أحد عشر ضعفاً من ذلك العدد .. غير أنهم متصلون بقاعدتهم وهم على الأرجح يمدونهم بالإمدادات الآن ... أما نحن ففقدنا الإتصال
تلعثم فم القائد حينما حاول الرد ، لكنه تظاهر بالسعال .. اعتدل القائد وتأهب لينطق ، ولكن الزمن توقف به للحظات !
الجندى على حق .. فى كل كلمة قالها على حق .. موقفهم أضعف من أن ينجحوا .. لا سبيل لهم فى أن يهزموا هؤلاء القوم .. لمعت عين القائد أمام النار .. دمعة خائنة كادت أن تفقده صورة الثقة التى تعب فى رسمها ، والتى بدونها ستنهار الكتيبة لا جدال ..
قطع ذلك الصمت أحد الجنود قائلاً :
- لا يا سيدى .. لم نفقد الإتصال بالقاعدة ، جهاز اللاسلكى خاصتى استقبل رسالة مشفرة الآن ..
ثم استأذن الجندى فأذن له القائد .. تقدم الجندى ووضع ورقة فى يد القائد ثم أدى تحية الجيش وابتعد

قشعريرة خفيفة أفلتت من أعصاب القائد وتحررت إلى الورقة فاهتزت فى يده ، لكنه تمالك نفسه مسرعاً وفتح الورقة وبدأ يقرأ الشفرة دون أن يحرك شفتيه

"إلى جميع كتائب مجموعة الفهد ..."

فقط .. هكذا كانت الرسالة المشوهة التى التقطها لاسلكى هذا الجندى ... فكر القائد كثيراً ثم تبسم قائلاً :
- أيها الجنود .. قد جائنا الخلاص ..
انتبه الجميع .. وتوقف عن البكاء من كان يبكى ، وعاد إلى النار هرولة من كان قد انزوى بنفسه .. حتى عاود القائد الإبتسام قائلاً :
- القاعدة تقول أن كتائب مجموعة الليث قادمة إلينا ، ومعها الزاد والذخيرة .. وأنهم سيصلون عند منتصف النهار
فرح الجنود كثيراً ، وضحك من ضحك .. وعاد الأمل الكاذب يلوح لهم عند الأفق المخضب بحمرة الدماء ..

ولكن أحدهم ظل جالساً وحده .. صامتاً ... لم يتكلم منذ أن عادوا من المعركة ، ذهب القائد إليه ببطء يسأل نفسه .. بأى شيء كان يفكر عندما كذب عليهم هذه الكذبة؟

اقترب القائد منه وجلس بجانبه .. تحضر القائد للحديث فقاطعه الجندى قبل أن يبدأ :
- ومن قال أننا سنصمد حتى منتصف النهار ؟ ... من قال أصلاً أنهم لن يهجموا علينا الآن ؟
شعر القائد شعور الحاوى الذى قد نفذت حيله .. فقال فى صرامة :
- نحن لسنا من نصنع القرار ، القاعدة تدير حرباً كبيرة .. نحن مجرد تروس فى ماكينة حرب عملاقة ، دربنا خصيصاً من أجل أن ندافع عن وطننا
ولكن الجندى تابع بنفس نبرة اليأس :
- ولكن يا سيدى المنطق يقول أنه ...
قاطعه القائد بغلظة واضحة :
- أيها الجندى .. إذهب وسلم نفسك للعدو إذا أردت ، إن لمحك أحد قناصيهم سوف يقتلك فور أن تعبر الخندق .. لا خيار لك الآن إلا أن تخضع لأمر القيادة
سكت الجندى فى ألم .. وكاد أن يبكى ... لكن القائد عاد يتحدث فى نبرة يملؤها الحماسة :
- أيها الجندى ، يجب أن تثق أكثر من ذلك فى قيادتك ... فهم يكترثون لحياتك أكثر مما تظن
قاطعه الجندى :
- ولكن يا سيدى القيادة تهمها الحرب أكثر مما يهمها الفرد
أسرع القائد وكأنما وجد أخيراً الخيط :
- وهل يأتى بالنصر غير مجموعة من الأفراد أيها الجندى الشجاع ؟
فهم الجندى ما عناه القائد ... وشعر بالخجل من الطريقة التى كان يفكر بها .. وصار ذلك واضحاً جلياً على ملامحه .. قام الجندى معتذراً لقائده واستأذن بالإنصراف
أذن القائد له فذهب الجندى وتوارى بين الظلال ..

قام القائد فصاح بالجميع :
- غداً لدينا ملحمة كبيرة ، وفروا جهدكم لها ...
فصاح الجنود صيحة نصر ، ثم عاد كل إلى أشيائه

تركهم القائد وذهب .. ذهب ليجلس وحده فى ضوء القمر .. لا يدرى ما إذا كان مخطئاً أم لا .. لقد حقنهم بالوهم .. ماذا إن لم يأتهم مدد ؟ ماذا إن كانت تلك الرسالة أمر بالإنسحاب ؟ ... غالب القائد النعاس ، لكن النعاس غلبه فنام .. وزارت أحلامه تلك الزوجة الحنون ، تحمل طفله الرضيع ، وولديه الصغيرين يقبلان عليه ويحتضنانه وهو فى لباس المعركة .. احتضن القائد ولديه ، وجسده ينتفض من البكاء ... ولكن زوجته راحت تربت على رأسه كالطفل .. وتقول له :
- لا تيأس حبيبى ... فهم ينتظرون ، حياتهم معلقة برقبتك ، فلا تخذلهم ..
نظر القائد خلفه فوجد جنوده ، وكلٌ قد جهز سلاحه واستعد للمعركة الأخيرة ...
ثم سمع صوتاً مدوياً كأنه انفجار .. فقام مفزوعاً ... ليسمع الإنفجار الثانى

الجنود يهرولون هنا وهناك فى ذعر ، فصاح القائد بهم أن اجتمعوا فى المخبأ ..

اجتمع الجنود فى المخبأ والتفوا حول طاولة وُضعت عليها خريطة المكان .. وفور أن بدأ القائد بالحديث صمت الجميع ، ولم يعد يُسمع سوى صوت القائد وبعض الإنفجارات ..
بدأ القائد يشرح خطة الخروج من المخبأ .. ثم الالتفاف من حول العدو إلى ساحة المعركة ..
كان القائد يشرح والجميع يستمع فى صمت .. بين خوف هذا ويأس ذاك .. واطمئنان هذا وأمل ذاك
كان القائد يخفى ما يعتريه من خوف ويرسم على ملامحه شيء من الثقة بالنصر .. تمثيله كان يتسرب شيئاً فشيئاً إليه .. فيشعر شيئاً فشيئاً بالثقة
ثقة اكتسبها من الفراغ .. ثقة حولت مسار المعركة ، ثقة انتشرت عبر جنود الكتيبة ... وأفزعت العدو ..
وها قد انتصف النهار .. والكتيبة تنزف أرواحاً .. ولا مدد يأتى إليهم
شبح اليأس يعود إلى الجنود ... والعدو يزداد ضراوة كلما لمح تقهقراً لهم ..
علم القائد أنها النهاية ، وبدأ يلوم نفسه على ما فعل بالجنود .. كان يمكنهم أن يسلموا أنفسهم بدلاً من أن يموتوا هكذا ..
جراح القائد قد وصلت بعقله إلى الهذيان .. ولكن "أبا صلاح الدين" صاح بالقائد فأفاق من شروده :
- سيدى القائد ... لقد شارف النصر على الشروق ... خطتك سيدى نجحت بقوة ، واستطعنا أن نفتك بحوالى نصف جيش العدو
ابتسم القائد بشفتيه المنهكتين .. ونظر إليه بعينيه الخائرتين قائلاً :
- إذن لم تحتاجوا كتيبة الليث ..
- سيدى القائد ... لقد كانت خطتك كفيلة بالنصر ، كما أن منتصف النهار قد اقترب .. وكتيبة الليث قد شارفت على الوصول
سعل القائد وخرجت مع سعلته قطرات من الدماء ... ثم تمالك نفسه وقال :
- لا يوجد مدد ... لا وجود لكتيبة الليث .. أبا صلاح الدين .. أنتم لا تحتاجون إلى مدد ... كل ما تحتاجون إليه هو كائن فى قلوبكم
شهق القائد شهقة أخيرة ثم قال :
- أبا صلاح الدين ...
ولكن جندياً قاطعهم وأتى من الخلف يحمل البشارة :
- لقد وصل المدد سيدى القائد .. لقد وصلت كتيبة الليث
نظر إليه أبا صلاح الدين فرحاً ثم التفت إلى القائد .. ليجده قد مات ..

"موقعة جبل الأريج" - من الأعمال القديمة

- = المشهد الأول = -

(داخل خيمة قائد الجيش)
(ينجلى الستار فإذا به ذلك الحوار الحاد)
(الخيمة تبدو أقرب إلى قصر من كونها خيمة)

- وكل ما قاله حول ما فعله المسلمون بهذه المرأة .. ؟
- مجرد أكاذيب
- وأبى الذى قتلوه
- قتله أعوان الملك لأنه أسلم
- وأمى .. ألم يختطفوها ؟ ألم يستعبدوها ؟
- لم يحدث هذا .. بل قد استطاعت الفرار من أعوان الملك قبل أن يلحقوها بوالدك
- أسلمت هى الأخرى ؟
- نعم .. وقد كنت الخادم الخاص لهما قبل أن يحدث ما حدث ، ولكننى لم أفر مع من فر
وهذا لأن الملك لم يكن قد علم بإسلامى بعد
- هل تدرك أنك بهذا تتهم الملك بالكذب ؟
- سيدى .. قد طلبت منك الأمان قبل أن أتكلم !
- نعم نعم .. أذكر ذلك


(شرد القائد للحظات ثم إنتبه لذهوله فتوجه للخادم بالكلام)

- ماذا ترى أنى فاعل بك إن كان ما تقوله كذباً ؟
- إن تأكدت تمام التأكد يا سيدى .. فاصنع بى ما شئت
- تأكد أننى سأفعل .. إنصرف الآن ..
- حاضر سيدى !


(يخرج الخادم من الخيمة ثم يدخل كبير فرسان الجيش)

- قد أرسلت فى طلبى سيدى القائد
- نعم .. إجلس
- شكراً سيدى
- كيف هى آخر أخبار جيوش المسلمين
- هى لا زالت تتقهقر أمام جيوشنا الجرارة .. بقيادة قائدنا الهمام .. حامى حمى المملكة
- (بعصبية) دعك من المملكة ودعك من قائدك الهمام .. أريد أحد الأسرى .. أرسل لى أحد الأسرى
- لماذا يا سيدى ؟ هل ....
- (مقاطعاً) هل نسيت مركزك أيها الجندى ؟
- عفواً سيدى ..
- أذنت لك بالإنصراف
- شكراً سيدى ..


(تظهر على الفارس مظاهر الغضب لكنه يكظمها ويخرج من الخيمة ليبقى القائد وحده تظهر على جبينه الحيرة الشديدة)

(يدخل أحد الفرسان ممسكاً بالأسير فيشير له القائد أن يتركه وينصرف)

- لم يحسنوا معاملتك .. أليس كذلك ؟
- لا لم يفعلوا
- هل تعلم من أنا ؟
- أظنك القائد
- أنا قائد هذه الجيوش كلها .. جئت أقود جيوش الملك الجرارة ، لأقضى على جيوشكم النخرة
- (يتنهد الأسير تنهيدة سخرية ويبتسم فى عِزَّة)
- (ينظر إليه القائد فى ترقب ثم يردف ..) جيوشكم التى لا تقوى على قتال الرجال .. فقط تستبيح دماء العجزة وتهوى استرقاق النساء
- نحن لا نقتل العجزة .. ولا نهوى استرقاق النساء
- (بعصبية شديدة) بل قتلتم العجزة .. واسترققتم النساء ، ألم تقتلوا أبى وتسترقوا أمى ؟ لقد كان هذا منذ زمن بعيد .. حينما كان الماثل أمامك طفل لا حول له ولا قوة ، بينما الآن .. هو يذيقكم العذاب من نفس ذات الكأس ضعفين ! (قال تلك الأخيرة وكأنما يلفظ أنفاسه قبل الموت وقد صار جبروته المعتاد أقرب إلى صراخ معذب)
- كنت أحسب أنك أكثر علماً بتاريخ الأمة التى تحاربها !
- عم تتحدث ؟
- ألم تسمع هذه الكلمات من قبل ؟ "لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة ولا تقطعوا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة وسوف تمرون على قوم فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له "
قالها أبو بكر الصديق أول خليفة للمسلمين للصحابى الجليل "أسامة بن زيد" حينما كان قائداً للجيش فى أول بعثة حربية فى عهد الخليفة .. نحن قوم رجال .. لا نحتاج لمثل هذه الأشياء التى يفعلها أمثالكم حتى نشعر بالعزة .. نحن قوم أعزنا الله بالإسلام .
- (بصوت متقطع يحاول إخفاء توتره) إذن .. أنت تقول .. أنكم .. لم تقتلوا أبى ؟.. ولم .. تختطفوا أمى .. ؟
- العالم كله يعرف القصة الحقيقية وأنت وحدك لا تعرفها ؟ يالك من قائد .. أبوك كان أقوى قواد الملك ، ولكنه أبى إلا أن يدخل الإسلام .. فأمر الملك أعوانه فقتلوه . لقد كان أبوك رجلاً .. لم يخش فى الحق لومة لائم .. لذلك قتله الملك ، ورباك على كره المسلمين بزعم أنهم من قتلوا أباك !
- وأمى ؟
- استطاعت الهرب إلى بلاد المسلمين قبل أن يلحقها الملك بقبر أبيك !
- (فى سره : لم يكذب الخادم !! واخيبتاه .. واخيبتاه .. وامصيبتاه !!) أيها الجندى ! أعده إلى زنزانته
- (ابتسم الأسير ابتسامة رقيقة .. فقد رأى شيئاً فى عين القائد .. أشعره بأن شيئاً جيداً على وشك الحدوث)


(ستــــــــــــــــــــــــــــار)

---------------------------------------------------------------------

- = المشهد الثانى = -

(فجر يوم جديد)
(ينجلى الستار فيظهر القائد والشرود يعتلى ملامحه وحوله عدد من الفرسان مصطفون فى إنتظام على أرض جبلية)
(كبير الفرسان يحاور القائد الذى يبدو من عينيه الحمراوتين أنه لم ينم تلك الليلة)

- سيدى القائد .. جيوش المسلمين إصطفت بالفعل أسفل التل من الجهة الشمالية رغم أن النهار لم يشرق بعد ، ورماة السهام لديهم قد زاد عددهم وأصطف عدد كبير منهم يقارب الألف رام فوق جبل الأريج .. جواسيسنا علموا أن جيوش المسلمين وصلتهم إمدادات من عاصمة الخلافة بقيادة فارس ملثم لم يعلم أحد من هو .. لكن جميع الجيش يأتمرون بأمره دون أدنى مناقشة .. و ..
- (مقاطعاً) ملثم ؟ .. هل قلت ملثم ؟
- نعم سيدى .. فارس ملثم جاء أمس مع الإمدادات القادمة من عاصمة الخلافة
- (مبتسماً) ملثم !!
- سيدى .. أقترح أن نلبس بعض فرساننا زى المسلمين من أى من الأسرى ونجعلهم يلثمون وجوههم وينتشرون بين جيوش المسلمين ويصدرون الأوامر إليهم فتحدث بلبلة فى الجيش ونستطيع بعدها هزيمة الجيش بسهولة ..
- صه قليلاً
- (سكت كبير الفرسان وقد بدأ الشك يساوره من هذا القائد الذى صار غريب الأطوار فجأة)
- (بعد تفكير) أنشر رماتنا هنا وجهز الفرسان لنقم بمناورة من خلف جبل الأريج .. سنفاجئهم من الخلف ثم أقضى على هؤلاء القتلة .. (فى سره : نعم .. سأقضى على القتلة)
- سيدى .. رماتنا هنا أبعد ما يكون عن القتال
- لا .. بل سندفع جيوش المسلمين من خلف الجبل إلى هنا .. سنحاصرهم ثم نرميهم بالسهام
- سيدى .. هذا أبعد من الخيال
- (بنظرة نارية) هل أذنى تطن ؟ أم أننى أسمع اعتراضك ؟
- سيدى عفواً .. جارى تنفيذ الأوامر
- سأعود بعد قليل .. نبه الجميع بالتعليمات الجديدة ريثما أعود
- عُلِم سيدى !


(بدأ الجيش يصطف على قمة الجبل والرماة يتخذون مواقعهم والقائد لا يظهر)
(كبير الفرسان يبدو عليه القلق)
(بعد قليل يأتى فارس على جواد تكاد الرمال تصرخ بين أقدامه)

- سيدى .. فارس ملثم يرتدى زياً مدنياً دخل على جموع فرسان جيش الملك من الخلف وقتل عدد كبير منهم ثم لاذ بالفرار
- ماذا تقول ؟؟
- كما أصف لك حرفياً يا سيدى !
- ولم يتبعه أحد من الفرسان ؟
- أوامر القائد كانت واضحة بألا يتحرك فارس واحد قبل الشروق !
- تباً !!! (قالها كبير الفرسان وهو يضرب الأرض بسيفه)
- ماذا الآن سيدى !
- أعلم جيش الفرسان بأن القائد يأمرهم ببدء القتال فور ظهور أى فارس غريب !
- حاضر سيدى .


(بعد قليل يعود الفارس ذاته)

- سيدى .. لم أستطع الإقتراب .. مذبحة دموية .. عدد كبير من الفرسان الملثمة ترتدى ذات الزى المدنى أفتكت بجيش الفرسان
- ماذا تقول أيها المجنون ؟ آلاف الفرسان ينتهون فى ساعة ؟
- المخيف أنهم أقل عدداً بكثير من جيش الفرسان .. سيدى .. الإنسحاب الآن يعد قراراً صائباً بحق !!


(لم يصبر كبير الفرسان أكثر من ذلك فأخرج سيفه من غمده وأطلق صيحة عالية ثم أطاح برأس الفارس)

(ستــــــــــــــــــــــــــــار)

---------------------------------------------------------------------

- = المشهد الثالث = -

(المواجهة)

(صوت الراوى : عندما تكتشف بعد سنوات من المسير .. أنك تسير فى الإتجاه الخاطئ .. فإنه من الأفضل أن تلتف وترجع من حيث أتيت .. وتحاول أن تصلح ما أفسدت)
(ينجلى الستار فيظهر الملك فى قصره على عرشه المذهب ، عن يمينه حسناء تنتقى حبات العنب الأحمر وتطعم الملك بهدوء الطاووس وعن يساره حسناء أخرى تحمل ما يشبه ريشة العنقاء وتهزها بخفة الملائكة حتى تلطف الجو عن مولاها)
(يدخل أحد الفرسان بسرعة ويفزع الملك)

- مولاى الملك .. عفوك .. الوضع أسوأ مما يصدقه عقل بشر
- ماذا تحمل أيها الأخرق
- جيوش مملكتنا تتقهقر بسرعة غريبة وجيش المسلمين تحول كله إلى فرسان ملثمين يطلقون صيحات مرعبة ويهجمون على معسكرات الجنود فى كل مكان أثناء نومهم ويقتلونهم جميعاً قبل أن يحمل أحدهم سيفه
- (جحظت عينا الملك) كم فقدنا إلى الآن
- سبعة معسكرات من المعسكرات العشرة
- ويحك ! كيف علموا أماكن كل هذه المعسكرات أيها الوغد ؟
- كان كبير الفرسان يرى أن القائد الأعظم بعد اختفاء أثره قد إنضم إلى جيوش المسلمين
- مستحيل !! ثم .. ماذا تقصد بكلمة "كان" ؟
- قُتِل كبير الفرسان يا مولاى !
- ماذا ؟؟؟؟ اختفى القائد وقٌتِل كبير الفرسان ؟! ماذا بعد ؟
- يقال أن .. (لم يكمل الفارس جملته حتى اخترق أحد السهام ظهره وعبر إلى الجهة الأخرى)


(تنطلق صرخات الحسناوات وتلوذان بالفرار على الفور)
(لحظات من الصمت .. الملك وحده .. يهب واقفاً من عرشه وينادى على الحراس)
(يدخل رجل ملثم خلفه رجلان ملثمان خلفهما ثلاثة رجال ملثمون)

- هل كنت تنادى أحدهم مولاى ؟
- (يتغير لون وجه الملك)
- هذه النظرة فى عينيك .. أعرفها .. أراها كثيراً فى عيون قتلاى ، تحوى فى الغالب ألم أو حسرة .. أحياناً خوف وأحياناً فزع .. مراتً أمل ومراتً جزع
- (لا زال الملك فى صمته)
- إلام تنظر ؟ ذلك السيف فى يدى ؟ لا تشغل عقلك بالتفكير فى وسيلة للهرب ، فلا توجد .. لقد درست معالم هذا القصر كثيراً فى صغرى
- أنت .. هو ؟ ! ؟
- ذلك الطفل الصغير الذى عاش كذبة كبيرة طيلة حياته ؟ لا لست أنا ذلك الطفل ، هل تقصد قائدك المخلص الذى أقسم بعزة المملكة أن يقضى على الإسلام فى الأرض ؟ لا لست أنا أيضاً .. بل أنا مسلم إبن أب مسلم وأم مسلمة
- خدعك هؤلاء الملاعين


(أخرج الملثم السيف من الغمد وأمسك الملك من ملابسه الملكية وأجلسه على العرش)
(وضع الملثم السيف على رقبة الملك ونظر له بعين صخرية ثم فك بيده الأخرى اللثام من على وجهه)

- لقد رأيت أمى ! أيها الكاذب ! لقد عرفت كل شئ .. لا تحاول خداعى مجدداً فى آخر لحظات حياتك ..
- ربيتك فى دارى .. وأطعمتك مما يأكل أبناء الملوك .. وربيتك على المبارزة واستخدام السيف ،
أعطيتك أكثر مما تمنيت .. وفى النهاية تصدق هذه المرأة التى إدعت أنها أمك وتأتى بعدها لقتلى أنا ؟
بأى عقل تفكر !! واحسرتاه على من اعتبرته ولدى الوحيد .


(ينظر الملك فى عين القائد طويلاً ..)
(يشرد القائد كأنما يريد أن يتذكر شيئاً ، ثم يصدر تعبيراً بوجهه يعنى أنه تذكر)

- "لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة"
- ما هذا ؟
- (فكر القائد قليلاً ثم أجاب) هذا هو الإسلام .. أيها الشيخ الهرم !


(أزاح القائد عنه سيفه ووضعه فى غمده وتراجع إلى الوراء فى بطء مخيف ثم إلتف وغادر المكان)
(تقدم الملثمون الخمسة من خلفه وأخذوا الملك الكافر إلى خارج القصر)

(ستــــــــــــــــــــــــــــار)


--------------------

"مكالمة تليفونية" - من الأعمال القديمة

الجزء الأول

ليلة هادئة تلك الليلة .. وأنا أكره الهدوء

ذهبت ببطء نحو الحاسوب .. وأدرته .. وجلست أنتظر

وبينما هو يتجهز للقائى .. أفكر أنا فى الموقع الذى سأخترقه تلك الليلة

وتذكرت البارحة .. حينما إخترقت الموقع الرسمى لأحد الجرائد المصرية الشهيرة

وغيرت عناوين الأخبار بالصفحة الرئيسية إلى نكات (بايخة) .. وكدت أن يكشف أمرى

لولا أننى قد غيرت الـ (IP) خاصتى عدة مرات

...

ها قد إعتدل الحاسوب فى جلسته .. وتهيأ للذهاب معى فى جولة من السرقات والإختراقات الأمنية

للمواقع ذات الشهرة الأعلى .. حيث كان إختيارى للمواقع المخترقة دقيق للغاية ..

أما اليوم .. فقد قررت أن أخترق إحدى شركات الإتصالات .. وأستمع إلى بعض المحادثات

مع أن ذلك لا يشبع بداخلى غرورى كمخترق لا مثيل له .. حيث أنه على قدر من السهولة

إلا أنه يشبع بداخلى ضحكاتى المكتومة .. على السذاجة التى صار البشر يتمتعون بها

ها قد أعددت برامجى .. وبدأت أبحث عن المنفذ الرقمى الذى سيمكننى من مشروع هذه الليلة

......... تمر الدقائق .........

أظننى دخلت .. لأجرب ..

.. أرى أمامى عدد كبير جداً من المكالمات .. أيهما سأجرب ؟

حسناً .. لتكن هذه ..

ها قد إتصل حاسوبى بالحاسوب المركزى

(يا للحماقة .. جهاز الأمن لديهم متأخر جداً .. كان هذا أسهل مما توقعت)

وبدأ البث :

- هنعمل ايه يا أشرف ؟

- (أشرف ساكت)

- أشرف رد عليا أرجوك

- (أشرف لسا ساكت .. جته خيبة)

- حبيبى انت لازم تعمل حاجة .. مش معقول كل اللى بينا يضيع فى لحظة

- حبيبتى احنا اللى بينا أكبر من إن حاجة تهده (أشرف نطق .. أخيراً)

- حبيبى هنعمل ايه ؟

- هيام .. إحنا لازم نستنى شوية .. لحد مانشوف موضوع محمد ده هيرسى على ايه

(يا ريتك ما نطقت يا أشرف)

- نستنى ؟ كل ده ولسا بتقولى هنستنى ؟ (بدأت تشوفه اهيه على حقيقته) هستنى لحد مالاقيه داخل على ماما بالشبكة ؟

- (أشرف سكت تانى .. احنا نقينا عليه ولا ايه ؟)

- أشرف

- حبيبتى اسمعينى (اسمعيه يا هيام .. )

مستحيل آجى أتقدملك وفى حد متقدملك أصلاً دلوقتى

لازم الحوار ده يفكس الأول وبعدين أبقى آجى اتقدملك (أشرف بدأ يستهبل باين ؟)

- طيب يا حبيبى وهنخليه يفكس ازاى ؟ (الله ؟ دى صدقت ؟)

- لازم تكلمى إسلام تخليه يتصرف .. (إسلام ؟؟ مين ده كمان ؟)

- أشرف مانا قلتلك كذا مرة ان إسلام ده مش محترم وحكيتلك عالى حصل منه قبل كده ( يا عينى عالكلام )

- يا حبيبتى مانا مينفعش أكلمه أنا .. يعنى هروح أقوله إبعد صاحبك عن هيام بدل ماعوره ؟ مينفعش

- (هيام سكتت .. يانهار إحوس لاتكون بتفكر بجد تكلم إسلام)

- هيام .. صدقينى يا حبيبتى .. أنا لو مكنتش بحبك وخايف عليكى فعلاً تضيعى منى .. انا كنت رحت كلمت إسلام

ومكانش همنى بقى سمعتك فى الكلية ولا أى حاجة .. أو كنت رحت إتقدمتلك دلوقتى عشان مامتك تقولى معلش يا حبيبى

فى ناس متكلمين عليها .. هيام .. أنا عايزك تبقى دايماً متأكدة إنى بحبك بجد .. وعمرى ما هسمح لحد ياخدك منى

(الواد سبكها صح ..)

- (يادى المصيبة هيام لسا ساكتة)

- (أشرف شكله بيخطط لحاجة .. سكت هو كمان)

(طب أروح أعمل انا كباية شاى وأجيلكو ولا ايه ؟ انا عايز انام .. إنجزو)

- طيب خلاص .. أقوله ايه يعنى سى إسلام ده .. (ههههه دى طلعت نمرة)

- تقوليله إنك مش بتحبى محمد .. وإن قلبك مع واحد تانى .. وإن محمد أحسنله يبعد عنك

بدل ما ترفضيه علنى وتخلى شكله وحش (آل يعنى انتى اللى شكلك كده هيبقى كميل أوى)

- (هيام سكتت تانى .. انا زهقت منك يا هيام)

- قلتى ايه ؟ (انت .. آه منك انت)

- هقول ايه بس .. (تيييييييت) (معلش الرقابة برضه)

- وأنا كمان (تييييييت) يا هيام

- (تيييييت تييييييت تيييييييت) (كفاية يا هيام كفاية)

- (تييييييييييييييييييييييييييت)

(تووت تووت تووت) لا دا أنا بس قفلت السكة .. 



الجزء الثانى

ولا زلت أجلس أمام الحاسوب الحبّوب .. أنتظر بين لحظة وأخرى سماع أغنيتى المفضلة

أغنية "مدرسة الحب الثانوية بنين" للرائع الرائع الذى غاب إسمه عن بالى تماماً

فسماعها يعنى لى ثلاثة أشياء .. الأولى أن (هيام) بالفعل قد تحدثت مع هذا المدعو (إسلام) حول موضوع (محمد)

وأحرجت نفسها أمامه .. هذا الذى قالت عنه أختنا الفاضلة (هيام) :

- أشرف مانا قلتلك كذا مرة ان إسلام ده مش محترم وحكيتلك عالى حصل منه قبل كده

الثانية أن (هيام) (طلعت نمرة) وصدقت كلام (أشرف) ونفذته

الثالثة أن أحدهم إتصل بالآخر وأن الـ (hack) الذى أدمجته هناك يستدعى حاسوبى الشخصى للإستماع للمكالمة الجديدة

.... وتمر الدقائق ....

ولا جديد وراء الشمس

..... وتمر الساعات .....

وفجأة

"علمنى حبك أن أتصرف كالصبيان .. أن أرسم وجهك بالطبشور على الحيطاااااااااان

علمنى حبك أشيائاً .. ما كانت أبداً بالحسباااااااان .. تيرارارارا .. وقرأت أقاصيص الأطفال و... "

أطفأت الأغنية فى الحال ودخلت من المنفذ الرقمى الذى إستدعانى منه ال (hack) المدمج وبدأت أستمع

..........

فى البداية كان الهاتف يرن .. ودقات قلبى معه ترتفع أصواتها

أنتظر أن يرد أحد .. وأسمع من الكلمات ما يذيب الآذان ويطرب القلوب

وأخيراً .. رفع أحدهم السماعة

وبدأ البث :

- إزيك يا أم أشرف ؟ (نعم ياختى ؟)

- الحمد لله يا حبيبتى .. انتى عاملة ايه ؟ (يادى النيلة .. الهاك بيخرف)

- زى مانا ياختى .. الواد أشرف ليل نهار لازقلى سماعة التليفون فى ودنه

وسايب مذاكرته وهو على وش امتحانات (آآه كده فهمت .. خضيتونى الله يوقف قلبكو)

- ومين سمعك يا ام أشرف ... هيام برضه كده ياختى .. (على يدى )

بس انا بقى عاملة نفسى ولا أكنى واخدة بالى من حاجة (لا ناصحة يا أم هيام .. ناصحة إلهى يخليكى لبلدك .. ولأشرف .. وليا )

- لا لا بس الواد أشرف بيبقى بيذاكر مع اصحابه فى التليفون .. بيستسهل يعنى بدل ما يروحلهم البيت

( ههههههههههههههههه مانا عارف لأ ومذاكرة إيه .. ليلة إمتحان أساساً )

استنى يا واد .. مش بتكلم فى التليفون ؟؟ ايوة يا ام هيام ..

- فى ايه يا أم أشرف

- إبن الـ (تييييييت) عمال بيستعجلنى عشان عايز التليفون (آه والنبى يا أم هيام .. عايزين أشرف ينجح)

(لاحظوا إن تيييييت (أم أشرف) عن تييييييت (هيام) تفرق )

- لا ياختى سيبيه على راحته .. متطلعى تشربى الشاى ؟ مفيش حد هنا غير هيام

وقاعدة يا حبة عينى من ساعة ما رجعت مالكلية بتذاكر فى أوضتها .. مش راحمة نفسها البت

- ليه وأبو هيام مش فوق ؟ (لا اله الا الله .. إخلصوا أشرف تعبان)

- لا ياختى ماهو نزل راح يدور على شغل بعد الضهر .. البت يا ستى مصاريفها كترت

كل يومين دروس وكشاكيل وورق .. الراجل هيطرشق من جنابه

(انا وأشرف اللى هنطرشق كده ن شاء الله)

- (صوت جاى من بعيد : إخلصى يا حجة .. عندى مذاكرة كتير)

شوفى الواد وقلة الأدب ؟

- خلاص يا أم أشرف صلى عالنبى .. تعاليلى انتى بس نكمل كلامنا فوق (آه يا ريت والنبى)

- ماشى يا حبيبتى .. أما أشوف آخرة الواد ده ايه (يا آداب يا عرفى ان شاء الله متقاطعيش بس)

أنا طالعالك اهه .. سلام ياختى

- سلام يا حبيبتى (مع ألف ألف سلامة .. يلا خد راحتك يابو أشرف)

(تووت تووت تووت)

...........

...

....

وأخيراً :

"علمنى حبك أن أتصرف كالـ ......"

وبدأ البث :


- هيام .. انتى ( تييييييييت ) أوى

- إنت كمان يا حبيبى إنت ( تييييييييت ) أكتر بكتير ( آه بصراحة إنتو شباب تييييييييت عالآخر)

حاسة إن بقالى سنين مشفتكش ولا اتكلمت معاك .. يااااه كل ده عشان النهاردة انت مجيتش الكلية ؟

دانا ( تيييييييت ) أوى ( )

- عملتى اللى اتفقنا عليه يا هيام ؟

- (سكتت هيام .. الله .. شكلها إتكسفت تكلمه .. البنت دى عليت فى نظرى)

- مكلمتيهوش ؟

- يا حبيبى لأ كلمته (هوباا)

أنا بس مش عارفة أبدأ أحكيلك اللى حصل النهاردة منين (يا ستى خشى وخلاص .. إنتى هتركنى ؟)

- مانا عرفت كل حاجة يا هيام .. (بس .. سكوت بقى عشان الحوار كبر)

- عرفت ايه ..

- وانتى فاكرة إسراء هتسيب فرصة زى دى تعكنن عليا فيها ؟

إتصلت حكيتلى كل حاجة طبعاً

وقعدت تضحك برضه وتقولى انت اللى عملت كده فى نفسك وإنت تستاهل

والكلام اللى بتقولهولى كل مرة .. هيام أنا عايز أقولـ .... (هيام قاطعته)

- بس يا أشرف .. بس

إنت ايه اللى اتحكالك بالظبط .. (صوتها بدأ يتخنق بالعياط)

- كل اللى كنتى جاية دلوقتى تقوليهولى .. وزيادة عليه اللى مكنتيش هتحكيه ....

- أشرف (بتحاول تقاطعه بس هو موقفش .. كمل كلامه ولا أكنها بتتكلم)

- .... زيادة عليه إن إسلام قالك "طيب ما محمد قالك قبل كده انه بيحبك مصديتيهوش ليه فى ساعتها"


----------

(سكووت من الطرفين)

دقيقة من الصمت الغريب سيطرت على الحديث .. تبعها أصوات بكاء مكتوم

- يعنى مش كفاية إنك مقلتيليش إن محمد قالك بحبك .. لأ وكمان مصديتيهوش ..

لدرجة إن الـ (تييييييييت) اللى اسمه إسلام ده فضحك فى وسط الكلية وزعق فيكى بصوت عالى

صحيح تستاهلى .. مانتى لا عاملة إحترام ليا ولا لحبك اللى بتقولى انك مخلصة ليه ....

- كفاية يا أشرف .. أرجوووك

- لا مش كفاية ... (هتجنن وأعرف شفت المشهد ده فى فيلم ايه .. لا لا مش فيلم الخطايا بتاع عبد الحليم لأ .. ده حاجة تانية)

مش كفاية عليكى تجرحينى الجرح ده كله

لأ وكمان مش هعرف أورى وشى للناس فى الكلية تانى

هقولهم ايه ؟؟ هه ؟ قوليلى كده ؟ (ما خلاص يا عم الكتكوت متسوقش فيها)

- أشرف .. انا بحبك ..

- (سكت أشرف )

- حبيبتى أنا مش بس بحبك .. أنا (تيييييييييت) كمان .. انا بس مش قادر أتخيل إنك تعملى كده (معاك حق يا شوشو)

- حبيبى يعنى كنت هقولك إزاى .. وانت يا حبيبى بتغير عليا من الهوا .. دانت كان ممكن تاخد فيه 6 أشهر (يا عينى يا عينى )

- طب يعنى انا دلوقتى هسيبه ؟ مانا لازم هضربه طبعاً (يا خِطِر انت يا خِطِر )

- لأ لأ يا أشرف .. إوعى يا حبيبى .. خلاص يا قلبى متعملش مشكلة مالهوا (رجب .. حوش أشرف عنى )

- عشانك إنتى بس ..

- أنا بس ؟ (أكيد .. أمال انا ؟)

- لأ يا هيام (هو صوته بدأ يدى على هندى ليه ؟) عشان حسن ..

( لا اله الا الله .. حسبى الله ونعم الوكيل .. مين أبو على ده راخر ؟)

- آآآآه إمتى يا أشرف نبقى أنا وإنت وحسن بس لوحدنا (ههههههههههههههههههههههه .. لا تعليق )

- هيبقى زى القمر .. عشان من أجمل أم فى الدنيا (آآآآه .. أنا دماغى راحت لبعيد خالص )

- ايه ده .. ماما صوتها جاية .. سلام سلام دلوقتى

- ماشى سلام


(تووت تووت تووت)

الجزء الثالث والأخير


فى عمق الليل .. وأنا نائم فى أمان الله .. أحلم بأغنيتى المفضلة "مدرسة الحب الثانوية المشتركة للغات" لنفس الفنان الذى لا زال إسمه يغيب عن بالى تماماً

ولكن فى الحقيقة لم يكن هذا حلماً .. بل كان حاسوبى يوقظنى لأستمع إلى المكالمة ..

هرعت إلى الحاسوب الحبّوب ووضعت السماعة على أذنى

وبدأ البث بسرعة :

- هيام .. (تيييييييت) أوى

- انت كمان .. (صوتها موخم أساساً .. شكله مصحيها هى كمان من النوم)

- عايز أشوفك أوى دلوقتى (وانا كمان )

- انت مجنون ؟

- أنا لازم أشوفك دلوقتى .. أنا لو مشفتكيش ممكن يحصلى حاجة .. أنا (تيييييييييت) أوى (ومين سمعك يا شوشتى)

- لأ يا أشرف إستحمل حبة .. كلها كام ساعة وهننزل الكلية .. فى ايه يا بيبى ؟ (هى نسيت الـ (ح) ؟)

- عارفة يا هيام .. بعد ما قفلت معاكى لما قلتيلى ان مامتك دخلت عليكى .. كنت محتاج أوى أتكلم معاكى

مسكت صورتنا اللى اتصورناها فى الغردقة فى الرحلة اللى فاتت .. ولزقتها على قلبى بالسولوتيب (يا خراشى يابنى .. دانت حالتك صعبة)

- أشرف .. انت بتتكلم بجد يا حبيبى ؟

- أيوة يا هيام .. يا (تيييييييت) ... يا (تييييييييييت) .. يا (تيييييييييييييييييييييييييييييييييييييت) (بسسسسسسسس .. والله سمعتك)

- حبيبى وطى صوتك .. الناس تسمعك

- يسمعونى .. وماله .. انتى أصلك مش متخيلة إنتى قد ايه (تييييييييت) .. دانا حاسس إننا بقالنا سنين بعيد عن بعض (يا ولا يا بكاش)

- أنا كمان .. حاسة إنك (تييييييييت) كأنك مسافر بقالك سنة

- انا ؟ أنا أقدر أسافر سنة . وأسيب هيام ؟ (تييييييت) ؟ و(تييييييييت) ؟ و(تيييييييييت)؟ وكل حاجة حلوة فى دنيتى ؟

(أنا كده لو خدت (تيييييييييت) عامل مشترك من المسلسل ده هلاقيه صفصف على سطرين تلاتة باين)

إفرضى قدرت على نفسى .. هقدر على زعلك ؟

- ايه ده يعنى تقدر على نفسك ؟ (يادى التعليم المجانى اللى ودا الشباب فى داهية)

- نعم ؟ انا قلت إفرضى .. مع إن ده مش هيحصل .. (سيبها يا عم دى مجنونة)

- بجد يا أشرف تقدر ؟ (هو حضرتك كنتى أدبى ؟ بيقولك إفرضى إفرضى)

- تانى ؟ لأ طبعاً .. ولو قدرت على نفسى .. مش هقدر أزعلك

- أصلاً مش هتقدر تبعد عنى .. (اللهم طولك يا روح)

سامع الإف إم يا حبيبى ؟ مشغلاها جنبى ..

- مش سامع يا قلبى .. غنيلى انتى (هتستعبط .. دانا سامع)

- هغنيهالك يا أشرف ..

إحنا اتخلقنا لبعضنااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا (شششش صوتك حاد أوى .. خرملى الطبلة .. هطبل أنا إزاى دلوقتى ؟)

- هياااااااااااااام (أحمااااااااااااااااااااااااااد)

- حبيبى ..

- لازم أشوفك حالاً .. مش هينفع .. (بس يلا)

- طيب ازاى ..

- هجيلك البيت دلوقتى .. هسلم من على الباب وهمشى .. (وماله يا حبيبى .. مش عيب يا خويا)

- دلوقتى ؟؟ انت عارف الساعة كام ؟

- 4 الفجر .. وايه يعنى .. مانتى هتفتحيلى من غير ماخبط كتير .. مش هصحى مامتك

- وافرض بابا صحى .. دا كان يعمل فيك حاجة

- متخافيش يا حياتى .. ربنا هيقف جنبنا عشان عارف اننا بنحب بعض (آه طبعاً .. خصوصاً إن غرضك شريف يا أشرف )

- مش عارفة .. (وافقى يا هيام يا حبيبتى الواد شكله طيب ومش بتاع الحاجات دى خالص)

- مش عارفة إيه .. إنتى شاكة فى حبى ليكى ؟

- لأ طبعاً يا حبيبى ايه اللى انت بتقوله ده

- شاكة فى خوفى عليكى ؟

- لأ برضه طبعاً .. انت بتقول ايه (ولا انا بصراحة .. انتى بتقولى ايه يا أختى دا أشرف أشرف من الشرف )

- خلاص .. يعنى أنا أكتر واحد هيهمه شكلك .. خايفة من إيه بقى ؟

- (سكتت هيام خالص ومش بتنطق)

- هيام ..

- نعم ..

- مش إنتى عارفة إن أنا (تيييييييييت) (آه طبعاً إنت شاب تيييييت ودى عايزة كلام)

- عارفة

- وعارفة إنى لا يمكن هعمل حاجة تدايقك ؟ (خالص يا أشرف يا حبيبى )

- (سكتت)

- هيام ..

- عارفة طبعاً يا أشرف .. إنت كل حاجة فى حياتى .. أكيد لو مكنتش اكتر واحد بيخاف عليا مكنتش حبيتك أوى زى مانا بحبك دلوقتى

- قلتيها بنفسك أهه .. يعنى مستحيل تخافى منى ..

- لأ طبعاً .. أنا غلطانة .. آسفة

- حبيبتى أرجوكى .. بموووووووت أنا من كلمة آسفة دى ..

- طيب أقول ايه (صوتها بدأ يدى على ضحك )

- قولى إنك عايزة تشوفينى زى مانا هتجنن وأشوفك

- (سكتت كتييييير وفى الآخر قالت كلمة معلش مضطر أكتبها كده) تيييييييييت

- أنا هجيلك حالاً .. إستنينى

- مستنياك .. (والنبى والنبى إبقوا إحكولى اللى حصل ..)

(إهئ إهئ .. يا ريتنى كنت معاهم .. يا ريتنى كنت معاهم)

------------------------
------------
-----
----------
------------------
------------------------
-----------------------------
مضى وقت قليل حتى سمعت أغنية مدرسة الحب لكاظم الساهر .. (هيييييييه إفتكرت اللى بيغنيها )

ووضعت السماعة لأستمع ..

فإذا بالجرس (يرد ومحدش بيرن)

حتى ردت أم أشرف يا عينى وهى موخمة عالآخر ..


- ألو ؟

- تعالى يا أم أشرف شوفى إبنك .. الـ (تييييييييييت) ده

إطلعيلى دلوقتى حالاً يا إما تبقى تاخديه من قسم الوايلى .. سلام ياختى


(تووت تووت تووت)

توووتة توووتة وخلصت الحدوتة

ظللت أياماً بل وأسابيع أنتظر أن أستمع إلى مكالمة جديدة منهما .. ولكن بلا جدوى

حتى دخلت إلى السيرفر .. ومسحت الـ (hack) .. وعدت إلى وظيفتى كمتخترق حواسب مستأجر

عدت اليوم التالى إلى الكلية .. يوم طبيعى يتسم بالهدوء

تناثرت الكلمات .. فإلتقطت بعضها .. وفهمت منها ..



أن القصة التى ألفتها نالت الجائزة الأولى فى مسابقة "أطرف كوميديا"

حقاً .. لشد ما تمنيت .. أن تُسمع كلماتى العالم .. فتنظر الفتيات كيف يؤكل بعقولهن حلاوة طحينية

وينظر الشبان إلى أين يؤول الحب الطاهر عندما تدنسه رغباتنا الدنيوية

(أشرف) ربما أحبها حقاً يوماً ما ..

ولكنه لم يخاف عليها .. أكثر مما يشعر به من رغبة دنيئة

(هيام) ربما أحبته فعلاً .. وأنساها ذلك كل الحدود

ولكن .. النسيان .. ما كان يوماًَ عذراً

رحمة الله أن أبيها جاء فى اللحظة المناسبة

لولا أنه يتحمل كثير من المسئولية التى قصر بها

(أم هيام) الفتكة .. عاملة نفسها مش واخدة بالها

يا حلاوة .. بجد لا تعليق

(أبو هيام) يا عينى طافح الكوتة .. ومش واخد باله من أهم حاجة فى حياته .. أخلاق بنته

مش القضية مين اللى غلطان

القضية لحد إمتى هنفضل نغلط .. ونقول 

(سامحونى .. مكانش قصدى)

عذراً للإطالة .. وشكراً

النظر إلى عينيها

باقى على الفرح دقائق .. حبيبتى لا تزال بالداخل .. بالخارج أهل العروسة وبنات خالاتها يرتدين ما ارتدين من ذهب وفضة ، وما يلمع من ثياب الأفراح .. والإبتسامات تكاد تنطق على وجوه الأهل والأقارب .. الزغاريد تنطلق بين حين وآخر .. ودقات الساعة تدق .. وها هو الباب ينفتح . اعتدت أن أراها كاملة الحسن وفارهة الضياء .. لكنها اليوم آية من آيات الجمال .. إن لم تكن الجمال نفسه ، تلك الإبتسامة الخجلة على هذا المحيا المنير ، وتلك النظرة الملائكية التى تدمج الحب والشوق والحياء والجمال فى آن واحد ، وهذه الخطوة الرقيقة التى تقدمتها - هى - ناظرة إلى أسفل .. وهذه الوردة الحمراء على كتف ذلك الفستان الأبيض ، وهذه الهالة من النور الربانى الذى احتضن حجابها .. كل هؤلاء جعلوا منها أجمل ما رأته عيناى على الإطلاق .. حتى فى أحلامى ..

تقدم الأب فى حنان وابتسامته لا تغادر وجهه المريح ، وأخذها من يدها لتتأبط هى بذراعه ويمشيان سوياً على مهلٍ فكأنما يخشيان أن يوقظا الطيور التى تقف على رؤوس الجميع .. الفرحة لا زالت تعم .. والساعة لا زالت تدق .. وقلبى لا يزال يرتفع إلى السماوات ويهبط إلى الأراضون السبع مع كل خفقة وخفقة .. تقدم الأب وابنته إلى داخل القاعة ، حيث استقبلهما الأهل والمعارف بالتهانى والدعوات المباركات . دخلت خلفهما وتقدمت فى كلاسيكية ظاهرة إلى الأب ومددت يدى إليه ، فصافحنى بحب واحتضننى .. وأطال فى ذلك دون أن يشعر .. ثم نظر إلى الوراء وأمسك يدها برفق كما لو كان يخشى أن تتفتت برقتها ، ثم قدم يدها إلىّ مبتسماً يكاد أن يغشى عليه من الفرحة .. فأمسكت يدها ناظراً إلى عينيها التى قد بدأت تنغلق وتنفتح ببطء مريب .. وفى لحظة كانت واقعة على الأرض بلا حراك ..

انطفأت الموسيقى وارتفعت حدة الصراخ ، تحجرت مقلتى الأب فى عينيه ووقف هو الآخر بلا حراك .. الجميع لا زال غير مصدق لما يحدث .. ماذا تنتظرون أيها الحمقى ؟؟ هلموا معى .. رفعتها بذراعىّ وأسرعت إلى السيارة بالخارج وأجلستها على الأريكة الخلفية ولحقتنى أختها فجلست بجوارها ، فتحت الباب الأمامى وأدرت السيارة وانطلقت بسرعة بين ذهول الرجال ومصمصة شفاه النساء .. وصلت فى لمح البصر إلى المستشفى ، حملتها على يداى وأسرعت أجرى إلى عيادة الطوارئ ، دخلت الطبيبة بسرعة وطلبت من كلينا - أنا وأختها - أن نبقى بالخارج ، كلمتنى فصرخت بوجهها أن إجعليها تفيق .. الآن ..

خرجت أختها وأسرعت الطبيبة تباشر ما كانت تفعله .. مرت برهة من الزمن ثم طلبت منى الطبيبة أن أخرج حتى ترتاح حبيبتى .. خرجت معها كالطفل لا يعلم ماذا يحدث من حوله .. قالت لى الطبيبة كلاماً كثيراً لم أتبينه .. لكننى أفقت على رقم .. رقم قالته بين كلامها .. قالت "ستة شهور" ..
انتبهت فعدت أسألها .. أى ستة شهور ؟ فقالت أن حبيبتى .. لن تعيش طويلاً .. فترة أقصاها ستة شهور !

مرت دقائق قبل أن يأتى الجميع خلفنا بالسيارات ، التف الجميع حولى ليسألنى ، كنت كالصنم .. لا يحدث ولا يسمع .. ذهبوا فسألوا الطبيبة فأخبرتهم .. فانهار من انهار ، وبكى من بكى .. وشرد من شرد .. أما أنا فلم أتكلم .. فقط أنظر إليهم ولا أتكلم .. مرت الساعات حتى أتت الطبيبة لتخبرنا أنها أفاقت ، وأن الزيارة ممنوعة مؤقتاً حتى تتحسن قليلاً .. قمت ودفعت الطبيبة دون أن أشعر بما أفعل ثم فتحت باب الغرفة وأغلقته خلفى .. رأتنى حبيبتى أركعُ على الأرض .. ناظراً إلى عينيها الحالمتين المتعبتين .. حاولتُ أن أتحدث فتلعثمتُ ، وضعت حبيبتى إصبعها الرقيق على شفتاى لأصمت .. ثم قالت فى حنان .. أن الطبيبة أخبرتها بكل شيء ..

أطلنا النظر إلى أعيننا ، حتى مددت يدى فأخرجت شيئاً من جيبى ، علبة صغيرة لونها أحمر .. فتحت العلبة لتنير الدبلة من داخلها ، فيشرق وجهها وتبتسم .. فلا تتمالك نفسها وتضحك ... حاولت أن تتكلم أكثر من مرة فلم تستطع ، فى كل مرة كانت تنطق حرف الباء ثم تضحك .. تضحك كثيراً حتى تتمالك نفسها وتقول .. فلا تنطق سوى حرف الباء وتختبى الحروف الأخرى خلف ضحكاتها الساحرة .. توقفت عن الضحك قليلاً ثم نظرت إلىّ بعينيها السوداوين .. شعرت بأن سواد عينيها يتسع ، أو أننى أغوص فى عالمها فلا أرى شيئاً .. ولا أسمع شيئاً .. فقط أشعر بهمساتها وأنعم بحبها الدافئ .. تقدمت فوقّعت على جبينها بقبلة دافئة تحمل من المعانى ما تحمل ، ثم عدت أنظر إلى عينيها المرهقة وأقول فى شوق .. أننى لا أريد سواها .. وأنهن إن كن ستة ثوان .. فأنا أفضل أن أحياهن ناظراً إلى عينيها ..

مرت الشهور .. وحبيبتى تمرض من حين إلى حين ، أسرع بها إلى المشفى .. فيؤكد الأطباء ما قاله من سبقوهم .. ثم تتحسن مؤقتاً فأعود بها إلى المنزل ، ظللنا على ذلك الحال حتى مرت الشهور الستة .. ذهبنا إلى الأطباء فتعجبوا منها .. حتى أن أحد الأطباء علق تعليقاً ظريفاً قائلاً "هل أنت متأكد أن هذه هى زوجتك ؟" ثم تابع مؤكداً أن زوجتى قد تعافت تماماً ... لم أصدق ما يقول ورجوته ألا يمزح معى ، فهذا قد يقتلنى إن كان مزاحاً ، فأكد ما يقول وراح يضحك منى قائلاً "ألن تخبر زوجتك ؟" .. لا استطيع ان أصف فرحتى بذلك الخبر .. ذهبت إلى أمكم يا أولادى فقصصت لها ما قال لى الطبيب .. فسكتت قليلاً تحاول أن تتماسك .. ثم قالت أول ما قالت "هل تتذكر يوم قلت لى أنهن إن كن ستة ثوان ، فأنت تفضل أن تحياهن ناظراً إلى عيناى ؟" لم أقاوم ضحكاتى فطفقت أضحك وأضحك حتى انهار تماسكها هى الأخرى وظللنا نضحك حتى أقبلت أمكم علىّ واحتضنتنى .. وهمست فى أذنى .. قائلة الكلمة التى سمعتها يومها وكأننى أسمعها لأول مرة .. سمعتها بأذن مراهق فى الثامنة عشر من العمر .. وقلتها لها .. قلتها وأنا لا زلت أحتضنها .. أفلت كلينا الآخر وظللنا ناظرين إلى أعيننا .. حتى أتى الطبيب واصطحبنا معه إلى الخارج وهنئنا كثيراً ، ثم اعتذر ليذهب إلى بقية المرضى .. تأبطت أمكم بذراعى وسرنا .. سرنا كمراهقين فى العقد الثانى من العمر .. لا نريد أن نعود إلى البيت .. فقط نريد أن ننظر إلى أعيننا .. ونطيل النظر ..

رحلة البحث عن راحة

فوق الرمال الباردة .. تحت السماء الزرقاء .. أسير بين ثكنات الرمال .. أسير بين قضبان قلب بارد .. أتتبع خطى قمر الصحراء .. وأشم بين تلك النسمات الباردة التى جمدت كتفى .. رائحة قطرة من قطرات الندى .. قد تدلت على ورقة من وريقات شجر الجنة .. ويمامة بيضاء ترفرف بأجنحتها لتتخلل بريشها أشعة شمس ذهبية .. نور من الجنة تسلل عبر سبع سماوات .. حتى أنار قلبى .. هذا القلب الذى كاد يصير ضريراً .. من عتمة السير .. اقتياداً بضوء قمر الصحراء ... أيهما اجتاح قلبك بقوة أكبر .. قمر الصحراء ؟ أم نور الجنة ؟ أيهما أكثر نوراً ... قمراً اقترض بصيص ضوء من شمس النهار ؟ أم حور عين لها نور غطى على ضوء شمس النهار .. وقمر الصحراء ... ؟

إذا سألت أحدهم "بماذا تشعر وأنت مع فلان ؟" .. أحدهم سيقول لك : "فى الحقيقة أشعر بأننى ألبس رداءاً ضيقاً وهو ينظر إليه فى نظرة تشعرنى بالحرج .." بينما آخر سيقول لك عن نفس الشخص : "أنا أشعر معه وكأننى أتحدث إلى نفسى .. لا أجد منه ما أريد فى الواقع ! لذلك أحاول تجنب الحديث معه فى أمر مهم .." ، المثير للدهشة أن ثالثاً سيقول : "تعلم ؟ أشعر معه وكأننى نفسى .. أشعر بأننى لا احتاج لأرتداء أية أقنعة فى حديثى معه .. ألجأ إليه دائماً عندما أحب أن أتحدث .." .. ما الأمر إذاً ؟

الأمر فى غاية التعقيد فى الحقيقة .. نحن دائماً فى حاجة ماسة إلى رؤية البسمة على وجوه من نتعامل معهم .. من نحبهم .. أو لا نحبهم .. تكفينا رؤية البسمة
نحن دائماً فى حاجة إلى الشعور بأننا مقبولون .. وخير كاشف لهذا الأمر نظرات عيون قد اتصلت بالقلب مباشرة .. دون أن تمر على العقل .. تكفى نظرة على وجه من هو أمامك
لتعرف ما إذا كنت مقبولاً .. أم لا

لذلك نحاول دائماً أن نتلافى ما لا يحبه الآخرون .. فهذا لا يحب الإكثار من الحديث ، لذلك فأنا لا أتحدث معه إلا فيما هو مهم وحيوى .. وأختصر فى حديثى معه ولا أهذى
وهذا لا يحب الإختصار الزائد عن الحد .. بل يحب أن تقول الأمر أكثر من مرة وبأكثر من طريقة حتى يفهمك .. لذلك أحاول دائماً أن أختار الكلمات الأكثر وضوحاً معه .. وأبحث دائماً عن مترادفات تدعم ما أقول .. فأنا لا أحب أن أقول ما لا يفهم فيشعر بالضيق من حديثى .. فأنا - جميعاً - أحب أن أشعر بأننى مقبول بين من هم حولى


فأحدهم يحب هذا الأمر ، ويعشق ذلك .. ويكره هذه الأمور ، ولا يتحمل ذاك .. فأكثر معه من هذا الأمر ، وخاصة من ذلك .. وأبتعد عن هذه الأمور .. وخاصة ذاك
فى الحقيقة نحن دائماً ما نبرمج أنفسنا حتى نتماشى مع ما يمكننا إرضاؤه من رغبات الطرف الآخر .. حتى نشعر بأننا مقبولون .. نحن نفعل ذلك بقصد أو بدون ..

ولكن المصادفة المثيرة للدهشة .. أن تجد أحداً يعشق عيوبك .. ويكره أشياءاً ليست لديك .. ويحتاج إلى ما تعطيه له أنت بدون قصد .. ويخاف كل الخوف من أشياء لا تفعلها أبداً ..
أن تجد أحدهم يتوافق معك بدون الحاجة أن تبرمج من نفسك .. أن تجد من يريدك كما أنت .. لا يريدك أن تتغير قيد أنملة .. ولو للأفضل
فقط يريدك كما أنت .. يريدك أن تظل معه كما وجدك لأول مرة .. أن تجد هذا الشخص الذى وأخيراً تشعر بالراحة معه .. لماذا تشعر بالراحة معه ؟ أنت لا تتظاهر بشيء .. أنت كما أنت .. أنت تفعل ما كنت ستفعل لو كنت مع نفسك .. أنت هو أنت كما تخيلت نفسك دائماً .. أن تجد ذلك الشخص .. الذى تعرف مسبقاً الكثير عن دواخله .. لأنه ببساطة .. توأم روحك !


لا يعنى ذلك أنه يشعر معك بالراحة .. فقط يعنى أنك تشعر معه بالراحة .. فأنت بغير حاجة إلى التظاهر معه .. أنت فى غير الحاجة إلى أن تغير من نفسك وأنت معه .. أما هو .. فقد يشعر بنفس ما شعر به الآخرون الذين قد برمجت نفسك لهم .. وقد .. قد يشعر بنفس ما تشعر به ، وتلك هى المصادفة الثانية .. وهى الأغرب على الإطلاق بين كل مصادفات العالم ..

هل تعلم أن أغلب حالات المصادفة الأولى تنتهى بقصة حب فاشلة من طرف واحد ؟ وهل تعلم أن أغلب حالات المصادفة الثانية ينتهى بها المطاف بأن تتحول من مجرد راحة متبادلة .. إلى حب جارف ! ؟

لست فى حاجة معها لأن تحاول أن تكون أكثر لطفاً .. لستِ فى حاجة أمامه أن تحاولى تصنُّع الرقة .. لست فى حاجة معها لأن تفكر كثيراً قبل أن تقول لها شيئاً .. لستِ فى حاجة أمامه أن تنتقى كلماتك قبل أن تغادر شفتيكِ .. لستما فى حاجة إلى التظاهر رفيقا العمر .. فأنتما غارقان فى الحب

أدام الله عليكما ما تشعران به من مشاعر نبيلة .. وختمها بمسك الختام

ولكن حاذرا .. فالشيطان لكما بالمرصاد .. فهو يأبى أن يرى مشاعر طاهرة دون أن يدنسها بدنيويته الحقيرة

حاذرا رفيقا الدرب .. فرمز عدم الطهارة يشتهى مشاعركما الطاهرة .. يأبى إلا أن يضيف عليها قليلاً من المقبلات .. فتصبح وغير الطاهرة سواء