النظر إلى عينيها

باقى على الفرح دقائق .. حبيبتى لا تزال بالداخل .. بالخارج أهل العروسة وبنات خالاتها يرتدين ما ارتدين من ذهب وفضة ، وما يلمع من ثياب الأفراح .. والإبتسامات تكاد تنطق على وجوه الأهل والأقارب .. الزغاريد تنطلق بين حين وآخر .. ودقات الساعة تدق .. وها هو الباب ينفتح . اعتدت أن أراها كاملة الحسن وفارهة الضياء .. لكنها اليوم آية من آيات الجمال .. إن لم تكن الجمال نفسه ، تلك الإبتسامة الخجلة على هذا المحيا المنير ، وتلك النظرة الملائكية التى تدمج الحب والشوق والحياء والجمال فى آن واحد ، وهذه الخطوة الرقيقة التى تقدمتها - هى - ناظرة إلى أسفل .. وهذه الوردة الحمراء على كتف ذلك الفستان الأبيض ، وهذه الهالة من النور الربانى الذى احتضن حجابها .. كل هؤلاء جعلوا منها أجمل ما رأته عيناى على الإطلاق .. حتى فى أحلامى ..

تقدم الأب فى حنان وابتسامته لا تغادر وجهه المريح ، وأخذها من يدها لتتأبط هى بذراعه ويمشيان سوياً على مهلٍ فكأنما يخشيان أن يوقظا الطيور التى تقف على رؤوس الجميع .. الفرحة لا زالت تعم .. والساعة لا زالت تدق .. وقلبى لا يزال يرتفع إلى السماوات ويهبط إلى الأراضون السبع مع كل خفقة وخفقة .. تقدم الأب وابنته إلى داخل القاعة ، حيث استقبلهما الأهل والمعارف بالتهانى والدعوات المباركات . دخلت خلفهما وتقدمت فى كلاسيكية ظاهرة إلى الأب ومددت يدى إليه ، فصافحنى بحب واحتضننى .. وأطال فى ذلك دون أن يشعر .. ثم نظر إلى الوراء وأمسك يدها برفق كما لو كان يخشى أن تتفتت برقتها ، ثم قدم يدها إلىّ مبتسماً يكاد أن يغشى عليه من الفرحة .. فأمسكت يدها ناظراً إلى عينيها التى قد بدأت تنغلق وتنفتح ببطء مريب .. وفى لحظة كانت واقعة على الأرض بلا حراك ..

انطفأت الموسيقى وارتفعت حدة الصراخ ، تحجرت مقلتى الأب فى عينيه ووقف هو الآخر بلا حراك .. الجميع لا زال غير مصدق لما يحدث .. ماذا تنتظرون أيها الحمقى ؟؟ هلموا معى .. رفعتها بذراعىّ وأسرعت إلى السيارة بالخارج وأجلستها على الأريكة الخلفية ولحقتنى أختها فجلست بجوارها ، فتحت الباب الأمامى وأدرت السيارة وانطلقت بسرعة بين ذهول الرجال ومصمصة شفاه النساء .. وصلت فى لمح البصر إلى المستشفى ، حملتها على يداى وأسرعت أجرى إلى عيادة الطوارئ ، دخلت الطبيبة بسرعة وطلبت من كلينا - أنا وأختها - أن نبقى بالخارج ، كلمتنى فصرخت بوجهها أن إجعليها تفيق .. الآن ..

خرجت أختها وأسرعت الطبيبة تباشر ما كانت تفعله .. مرت برهة من الزمن ثم طلبت منى الطبيبة أن أخرج حتى ترتاح حبيبتى .. خرجت معها كالطفل لا يعلم ماذا يحدث من حوله .. قالت لى الطبيبة كلاماً كثيراً لم أتبينه .. لكننى أفقت على رقم .. رقم قالته بين كلامها .. قالت "ستة شهور" ..
انتبهت فعدت أسألها .. أى ستة شهور ؟ فقالت أن حبيبتى .. لن تعيش طويلاً .. فترة أقصاها ستة شهور !

مرت دقائق قبل أن يأتى الجميع خلفنا بالسيارات ، التف الجميع حولى ليسألنى ، كنت كالصنم .. لا يحدث ولا يسمع .. ذهبوا فسألوا الطبيبة فأخبرتهم .. فانهار من انهار ، وبكى من بكى .. وشرد من شرد .. أما أنا فلم أتكلم .. فقط أنظر إليهم ولا أتكلم .. مرت الساعات حتى أتت الطبيبة لتخبرنا أنها أفاقت ، وأن الزيارة ممنوعة مؤقتاً حتى تتحسن قليلاً .. قمت ودفعت الطبيبة دون أن أشعر بما أفعل ثم فتحت باب الغرفة وأغلقته خلفى .. رأتنى حبيبتى أركعُ على الأرض .. ناظراً إلى عينيها الحالمتين المتعبتين .. حاولتُ أن أتحدث فتلعثمتُ ، وضعت حبيبتى إصبعها الرقيق على شفتاى لأصمت .. ثم قالت فى حنان .. أن الطبيبة أخبرتها بكل شيء ..

أطلنا النظر إلى أعيننا ، حتى مددت يدى فأخرجت شيئاً من جيبى ، علبة صغيرة لونها أحمر .. فتحت العلبة لتنير الدبلة من داخلها ، فيشرق وجهها وتبتسم .. فلا تتمالك نفسها وتضحك ... حاولت أن تتكلم أكثر من مرة فلم تستطع ، فى كل مرة كانت تنطق حرف الباء ثم تضحك .. تضحك كثيراً حتى تتمالك نفسها وتقول .. فلا تنطق سوى حرف الباء وتختبى الحروف الأخرى خلف ضحكاتها الساحرة .. توقفت عن الضحك قليلاً ثم نظرت إلىّ بعينيها السوداوين .. شعرت بأن سواد عينيها يتسع ، أو أننى أغوص فى عالمها فلا أرى شيئاً .. ولا أسمع شيئاً .. فقط أشعر بهمساتها وأنعم بحبها الدافئ .. تقدمت فوقّعت على جبينها بقبلة دافئة تحمل من المعانى ما تحمل ، ثم عدت أنظر إلى عينيها المرهقة وأقول فى شوق .. أننى لا أريد سواها .. وأنهن إن كن ستة ثوان .. فأنا أفضل أن أحياهن ناظراً إلى عينيها ..

مرت الشهور .. وحبيبتى تمرض من حين إلى حين ، أسرع بها إلى المشفى .. فيؤكد الأطباء ما قاله من سبقوهم .. ثم تتحسن مؤقتاً فأعود بها إلى المنزل ، ظللنا على ذلك الحال حتى مرت الشهور الستة .. ذهبنا إلى الأطباء فتعجبوا منها .. حتى أن أحد الأطباء علق تعليقاً ظريفاً قائلاً "هل أنت متأكد أن هذه هى زوجتك ؟" ثم تابع مؤكداً أن زوجتى قد تعافت تماماً ... لم أصدق ما يقول ورجوته ألا يمزح معى ، فهذا قد يقتلنى إن كان مزاحاً ، فأكد ما يقول وراح يضحك منى قائلاً "ألن تخبر زوجتك ؟" .. لا استطيع ان أصف فرحتى بذلك الخبر .. ذهبت إلى أمكم يا أولادى فقصصت لها ما قال لى الطبيب .. فسكتت قليلاً تحاول أن تتماسك .. ثم قالت أول ما قالت "هل تتذكر يوم قلت لى أنهن إن كن ستة ثوان ، فأنت تفضل أن تحياهن ناظراً إلى عيناى ؟" لم أقاوم ضحكاتى فطفقت أضحك وأضحك حتى انهار تماسكها هى الأخرى وظللنا نضحك حتى أقبلت أمكم علىّ واحتضنتنى .. وهمست فى أذنى .. قائلة الكلمة التى سمعتها يومها وكأننى أسمعها لأول مرة .. سمعتها بأذن مراهق فى الثامنة عشر من العمر .. وقلتها لها .. قلتها وأنا لا زلت أحتضنها .. أفلت كلينا الآخر وظللنا ناظرين إلى أعيننا .. حتى أتى الطبيب واصطحبنا معه إلى الخارج وهنئنا كثيراً ، ثم اعتذر ليذهب إلى بقية المرضى .. تأبطت أمكم بذراعى وسرنا .. سرنا كمراهقين فى العقد الثانى من العمر .. لا نريد أن نعود إلى البيت .. فقط نريد أن ننظر إلى أعيننا .. ونطيل النظر ..