يا أهلاوى يا زملكاوى



"انت اهلاوى ولا زملكاوى؟" قالها لى كريم فى تحفز .. ترقبت نظراته المهتمة ومططت شفتى مستغرباً السؤال فى بلاهة "هو أنا يعنى لازم أكون يا أهلاوى يا زملكاوى؟" .. ابتسم كريم واثقاً وقال "طبعاً يابنى ، انت عايز الناس يضحكوا عليك؟ لازم تحدد انت اهلاوى ولا زملكاوى!!" فكرت قليلا ثم سألته "هو مين فيهم بيلبس أبيض؟" فرد ممتعضاً "الزمالك" .. ابتسمت كمن وجد قنينة ماء مثلج فى الصحراء الغربية "خلاص يا عم انا زملكاوى!" اتسعت عيناه غير مصدقتين وسألنى بحرقة أم "لييه يابنى كده؟؟" فابتسمت بمنتهى الثقة "عشان كابتن ماجد بيلبس أبيض"

تربينا منذ الصغر على وجود طريقة ما فى التفكير أو مذهب ما فى التفسير لكل منا على حدة ومن العار أن يتغير !! الأهلاوى يشعر بخجل عندما يقر بأن جول حازم إمام كان رائعاً .. الزملكاوى يتاورى عن زملائه قبل أن يهمس فى سره "بصراحة الأهلى امبارح كان عالمى" .. الليبرالى يقبل أن يجر جراً على الفحم الموقد ولا يقبل أن يعترف بأن النظام الإقتصادى الإسلامى أفضل لإقتصاد الدولة وإن إقتنع داخلياً بهذا .. الحازمى يأكل التراب ولا يأكل كلمة أو نقد أو مجرد رأى مخالف لما يقتنع به الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل ولو اقتنع به جزئياً .. الإخوانى يكاد يكتب بدمه أمجاد جماعة الإخوان المسلمين ولا يتردد لحظة فى أن يشهر لسانه فى وجه من يعترض على قرار واحد أو موقف بسيط اتخذته الجماعة ازاء حدث ما وإن اقتنع قليلاً بهذا الاعتراض .. وكما تعود (الزملكاوى\الأهلاوى) وهو ذاهب إلى المدرجات أن يقذف (الأهلى\الزمالك) ولاعبيه وجماهيره وأهاليهم والمقربين وغير المقربين من جدودهم بأبشع وأقذر الألفاظ .. كذلك نمى فينا ذلك الشعور اللذيذ الذى نشعر به عندما نضرب الخصم تحت الحزام حتى ولو بأكاذيب أو بآراء لسنا مقتنعين بها تمام الإقتناع !! رأيت بأم عينى شخصاً يحارب فكرة ما فى حوار ويؤيدها تماماً فى حوار آخر !!

هل أنت مع الحق؟ أم أن الحق معك؟

نصرة الإسلام لن تأتى من تحقيرك لرأى ليبرالى واستخفافك بما يقول .. العدالة الإجتماعية لن تتحقق عندما ترسم كوميك مسئ لحازم أبو إسماعيل لمجرد اختلافك معه فى الرأى .. ازدواج المعايير ليس آفة تصيب ضعاف القلوب فقط .. ازدواج المعايير نزلة برد تصيبك فى أى وقت مهما كنت حكيماً .. اقرأ نفسك وقومها إذا أردت لهذا البلد خيراً

الصواب المطلق



منذ أن صار دماغى قادراً على تذكر الأحداث حتى هذه اللحظة .. أفكر فى ردة فعلى قبل أن تظهر على السطح .. أفكر فى تصرفاتى قبل أن أتصرفها .. عندما كنت أتصرف بشكل غير لائق وأنا طفل ويأتينى أبى أو أمى ويقول أحدهم لى أن هذا ليس صواباً ، كنت أتسائل !! ما هو الصواب إذا ؟؟ لماذا يكون إلقاء المخلفات فى السلة صواباً وإلقاؤها من شرفة المنزل ليس صواباً ؟؟ لماذا مناداتى لأبى بإسمه ليس صواباً بينما حينما يفعل أخوه ذلك يعد صواباً ؟؟ لماذا يكون التحدث بصوت عالٍ ليس صواباً فى البيت بينما يكون صواباً حين أتحدث فى الإذاعة المدرسية؟

ما هو الصواب؟ ولماذا يعرفه الجميع غيرى؟ ما العيب فى عقلى كى لا يستطيع تمييز الصواب من غير الصواب؟ كنت دائماً اتسائل !! جائت أختى ذات مرة تسألنى عن رأيى فى موقف مرت به ، ورغم أنها تكبرنى بستة أعوام إلا أنها تسألنى أنا .. كنت صغيراً جدا عندها ، لكنى لا زلت أذكر ذلك الموقف .. توقفت قليلاً لأفكر !! لو كانت قد سألت أمى هذا السؤال ماذا كانت ستقول لها؟ كانت ستقول لها افعلى كذا وكذا .. حسناً أختى إفعلى كذا وكذا .. وافقتنى اختى فى الرأى وقالت أن رأيى صواب !!

ماذا إن كنت قلت لها عكس ما قلت ؟ لم يكن رأيى ليصبح صوابا عندها .. إذن هناك دائماً بين كل الإختيارات اختياراً واحداً إذا اخترته يكون اختيارى صواباً .. حتى عندما أختار بين الجلوس فى المنزل ومشاهدة التلفاز وبين النزول مع أصدقائى يكون هناك اختياراً واحداً صواباً ويجب أن أعرفه وأنفذه !! يحدث كثيراً عندما أواجه موقفاً لم أتعرض له من قبل ، أن يخطر ببالى سؤال غريب جداً .. "ماذا من المفترض أن أفعل الآن؟" .. "ما الصواب؟" .. لدرجة أننى أحياناً أخلص إلى أن الإجابة أننى ليس من المفترض أن أفعل شيئاً !!

لماذا يكون دائماً "من المفترض" شيء ما ؟؟ سؤال بدأ يدور فى ذهنى مؤخراً !! لماذا لا أتصرف على طبيعتى وكيفما أريد ؟؟ ما هى طبيعتى أصلاً إذا كنت منذ طفولتى وأنا أبحث عن ذلك الصواب !!

الصواب المطلق لا وجود له .. دائماً هناك أخطاء وسعى مستمر نحو حياة أفضل سواء فى الدنيا لمن يرغبون فيها أو فى الآخرة لمن يشتاقون إليها أو فى الدنيا والآخرة لعباد الله المخلصين والطموحين فى ذات الوقت .. إذا كنت تسعى وراء الكمال فالخطوة الأولى التى "من المفترض" أن تفعلها هى أن تدرك أنه لا وجود للكمال بين البشر !! وعلى ذلك فإن تقبلك للأخطاء يصير جزءاً من سعيك المستمر نحو الصواب .. فليس مهما أن تدرك الصواب قدر أهمية سعيك نحوه