الصواب المطلق



منذ أن صار دماغى قادراً على تذكر الأحداث حتى هذه اللحظة .. أفكر فى ردة فعلى قبل أن تظهر على السطح .. أفكر فى تصرفاتى قبل أن أتصرفها .. عندما كنت أتصرف بشكل غير لائق وأنا طفل ويأتينى أبى أو أمى ويقول أحدهم لى أن هذا ليس صواباً ، كنت أتسائل !! ما هو الصواب إذا ؟؟ لماذا يكون إلقاء المخلفات فى السلة صواباً وإلقاؤها من شرفة المنزل ليس صواباً ؟؟ لماذا مناداتى لأبى بإسمه ليس صواباً بينما حينما يفعل أخوه ذلك يعد صواباً ؟؟ لماذا يكون التحدث بصوت عالٍ ليس صواباً فى البيت بينما يكون صواباً حين أتحدث فى الإذاعة المدرسية؟

ما هو الصواب؟ ولماذا يعرفه الجميع غيرى؟ ما العيب فى عقلى كى لا يستطيع تمييز الصواب من غير الصواب؟ كنت دائماً اتسائل !! جائت أختى ذات مرة تسألنى عن رأيى فى موقف مرت به ، ورغم أنها تكبرنى بستة أعوام إلا أنها تسألنى أنا .. كنت صغيراً جدا عندها ، لكنى لا زلت أذكر ذلك الموقف .. توقفت قليلاً لأفكر !! لو كانت قد سألت أمى هذا السؤال ماذا كانت ستقول لها؟ كانت ستقول لها افعلى كذا وكذا .. حسناً أختى إفعلى كذا وكذا .. وافقتنى اختى فى الرأى وقالت أن رأيى صواب !!

ماذا إن كنت قلت لها عكس ما قلت ؟ لم يكن رأيى ليصبح صوابا عندها .. إذن هناك دائماً بين كل الإختيارات اختياراً واحداً إذا اخترته يكون اختيارى صواباً .. حتى عندما أختار بين الجلوس فى المنزل ومشاهدة التلفاز وبين النزول مع أصدقائى يكون هناك اختياراً واحداً صواباً ويجب أن أعرفه وأنفذه !! يحدث كثيراً عندما أواجه موقفاً لم أتعرض له من قبل ، أن يخطر ببالى سؤال غريب جداً .. "ماذا من المفترض أن أفعل الآن؟" .. "ما الصواب؟" .. لدرجة أننى أحياناً أخلص إلى أن الإجابة أننى ليس من المفترض أن أفعل شيئاً !!

لماذا يكون دائماً "من المفترض" شيء ما ؟؟ سؤال بدأ يدور فى ذهنى مؤخراً !! لماذا لا أتصرف على طبيعتى وكيفما أريد ؟؟ ما هى طبيعتى أصلاً إذا كنت منذ طفولتى وأنا أبحث عن ذلك الصواب !!

الصواب المطلق لا وجود له .. دائماً هناك أخطاء وسعى مستمر نحو حياة أفضل سواء فى الدنيا لمن يرغبون فيها أو فى الآخرة لمن يشتاقون إليها أو فى الدنيا والآخرة لعباد الله المخلصين والطموحين فى ذات الوقت .. إذا كنت تسعى وراء الكمال فالخطوة الأولى التى "من المفترض" أن تفعلها هى أن تدرك أنه لا وجود للكمال بين البشر !! وعلى ذلك فإن تقبلك للأخطاء يصير جزءاً من سعيك المستمر نحو الصواب .. فليس مهما أن تدرك الصواب قدر أهمية سعيك نحوه