لم أعد أكتب غزلاً .. أم لم يعد الغزل يكتب أحرفه الذهبية الشابة على قلمى الخشبى العجوز؟ .. لم أعد أشعر بالحب .. أم لم يعد الحب قادراً على دفع دماء الحرية داخل قلبى السجين؟ .. لم تعد روحى ريشة تتقاذفها أسحار الحب كما نسمات الهواء العليل .. ولم يعد لقلبى علىّ حقوق بعد ما فعله .. سلبته حريته وصوته وحقه فى حياة حانية وأدرجته بأدراج مكتبى بين أوراق كثيرة .. أوراق كنت قد اعتدت أن أسطر فيها عن الحب ما قد يلهم الحجر .. أدرجته وأغلقت خلفه بمفتاح صدئ ورميت المفتاح من نافذة القرار ..
مدافعاً عن نفسى "كاد أن يقتلنى" قلتها فى انفعال الأطفال .. ساد الصمت فى المحكمة بعد أن تأهب القاضى للنطق بالحكم .. "حكمت المحكمة حضورياً على المتهم بالحبس المؤبد مع الشغل والنفاذ" .. رغم أن الدموع التى جرت على وجنتى فى تلك اللحظة لم تجف قبل عدة سنوات من قرار المحكمة ، إلا أننى لاحظت أننى قد بدأت أعتاد على حياة السجن .. لا أعلم السبب الذى جعلنى أرتبط إرتباطاً قوياً بكونى أسير ، ولا السبب الذى جعلنى أرى أسواره التى تأسر حريتى حصوناً تحمينى من بطش الحياة ..
مدافعاً عن نفسى مرة أخرى "رجل بلا قلب خير من رجل بقلب جريح" قلتها بنفس اللهجة لزميلى فى الغرفة .. استغرقت وقتاً طويلاً حتى أدركت أنه لم يكن هناك أحد فى الغرفة معى منذ أن كنت على شفا قتل زميل غرفتى الأول والأخير وأنا فى غياب كامل عن الوعى .. فجأة وجدتنى أتكلم إلى حائط رسمت عليه بالطبشور قلبى .. حقاً افقتدته .. صحيح أنه كان قلب متهور أهوج طائش .. لكنه كان قلبى فى كل الأحوال ..
فجأة لم أعد أحتمل الدقائق .. فجأة لم تعد الثوانى تمر .. أسوار السجن التى اعتادت أن تحمينى صارت سواد الأعمى .. قضبان زنزانتى التى اعتادت أن تؤنس وحدتى صارت جلاد الموت ..
ترى .. هل أهرب يوماً؟؟ وإن هربت .. هل أجد قلبى على قيد الحياة؟؟ وإن وجدته على قيد الحياة .. آجده شاباً يافعاً كما كان دائماً؟؟ آجده ينظم قصائد الغزل ويرسم لوحات الهمس على آذان المحبين؟؟ أم أجده عجوزاً هرماً مثلى!! .. لم أعد أكتب غزلاً .. أم لم يعد الغزل يكتب أحرفه الذهبية الشابة على قلمى الخشبى العجوز؟
