باردة كما الثلج - من أوراقى الممزقة



عهدت بعينيكِ نور الشمس التى تشرق من خلف رموشكِ الحانية كل صباح .. وبهمساتك تغريدات طيور الجنة التى تسكن أنفاسك الدافئة وتزيدها دفءاً .. وبضحكاتكِ أصوات أطفال فرحة بملابس العيد الجديدة أكاد أسمع أرواحهم تتقافز طرباً .. أنفقتُ على حبنا من كبريائى جبالاً .. ومن حنانى بحاراً .. ومن احتياجى لكِ أفداناً وأطياناً .. بثثت فيكِ من حبى قدر قلبى .. ومن عمرى قدر عمرى .. عسى أن تحفظى لى ما صنعت ، وتكونى لى فى المستقبل زوجة صالحة أرتكن إليها فى الشدائد .. أترك بيتى لها وكلى ثقة فيها .. أخطو معها فوق مصائب الحياة

منذ أن عرفتكِ وحبى يكاد يقفز من عينيكِ فاضحاً إياكِ .. ومنذ أن شعرتُ بذلك وأنا أحاول التملص من ذلك الحب إما لسبب أو لآخر .. لمحت منكِ شجاعة لم أعهدها فى أحد قط .. لمحتُ فيكِ إصراراً لم أتوقعه من فتاة أبداً .. شجاعة وإصراراً هدما معاً حصونى واقتحما سوياً مدنى وقراى وأسرا جنودى وأحكما سيطرتهما على كل منافذ سعادتى فلا تأتيك سعادة بعد اليوم إلا بإذنى .. وفوجئت بين ليلة وضحاها أننى لم أعد أحتمل الكتمان .. حبى لكِ فاق كل مكان وزمان

لم أكن أتوقع أبداً بعد كل هذه الحروب الطويلة .. وبعد أن أعلنت هزيمتى أمام جيوش قلبك العاتية وسلمت بنفسى مفاتيح دولتى لعينيكِ .. نور الشمس التى تشرق من خلف رموشكِ الحانية .. وأبرمت معاهدة سلام بينى وبين همساتك .. تغريدات طيور الجنة التى تسكن أنفاسكِ الدافئة .. وتنازلت عن العرش لضحكاتكِ .. ضحكاتكِ البريئة التى كانت دائماً السلاح الذى لا يقهر والذى كان سبباً رئيسياً فى استسلام دولتى .. لم أكن أتوقع بعد كل هذا الصراع والنضال أن تتوقفى فجأة وتنسحب جيوشكِ من بلادى تاركة إياها ممزقة مهدمة وبلا أسوار حتى لتحميها

رأيتكِ اليوم وتعمدت أن أتحدث إليكِ .. أتعلمين؟ .. لم أر بعينيك نور الشمس التى كانت تشرق .. فقط رموشك الحزينة .. تحدثت معكِ وتحدثتِ معى .. أتعلمين؟ .. لم أسمع تغريدات طيور الجنة .. فقط صوت مبحوح يتخلله الموت .. لم أشعر بدفء أنفاسك .. بل شعرتها باردة كما الثلج .. كدت أن أتوسل إليكِ ألا تضحكى فتشوهى صورة ضحكة كنت أعشقها فى خيالى .. لكنكِ ضحكتِ .. لم أسمع هتافات أطفال فرحة بملابس العيد .. سمعت صراخ أطفال تدهسها دبابات الإحتلال .. أكاد اسمع عظامهم تتحطم تحت السيور .. رأيتكِ اليوم كما لم أعهدكِ قبلاً .. وكما لو أن نوراً كان ينير وجدانكِ ثم انطفأ فجأة لتظهر تلك الجثة الهامدة .. جثة زرقاء تتحدث بأصوات الموتى وأنفاسها باردة كالموتى وضحكتها كصراخ المعذبين فى القبور .. قد جعلكِ حبى حبلى فى سعادتك فأبيت إلا أن تتخلصى منها فقتلتِ نفسك بها .. حتى صرتِ كما أنتِ الآن

أنظرى فى المرآة وحاولى التعرف على ما تبقى منكِ .. لن تجدى إلا شبحاً لأميرة كادت أن تجعل من نفسها أسعد نساء الكون .. لكنها أبت إلا أن تصير شبحاً .. تحبين الألم؟؟ تجرعى منه قدر ما شئتى .. اشربى منه حتى الثمالة .. اذهبى وقلبكِ الخائن إلى شخصاً يعشق الخيانة مثلكِ .. كلاكما جثثاً ممزقة عندى وأوراقاً محترقة من دفتر مذكراتى .. كلاكما لا تعنيا لى شيئاً منذ هذه اللحظة .. اذهبى فأنتِ مطلقة من حبى .. قلبى بريء منكِ إلى يوم يبعثون

الحب ليس


الحب ليس نظرة ساحرة .. الحب نظرة حانية
الحب ليس احتياجاً .. الحب عطاء
الحب ليس سهر الليالى .. الحب نوم هانئ
الحب ليس شغفاً .. الحب هدوء واستقرار
الحب ليس كلاماً عذباً .. الحب صمت بليغ
الحب ليس خوفاً أن يضيع .. الحب اطمئنان وسكينة
الحب ليس غيرة مجنونة .. الحب ثقة لا متناهية
الحب ليس طائشاً .. الحب عاقل إلى أقصى الدرجات
الحب ليس من أول نظرة .. الحب من صعوبة الأزمات

هل يتفوق الذكاء الاصطناعى على ذكاء الإنسان؟




الإجابة بالطبع لا .. ربما هذه هى الإجابة الأقرب التى توصلت إليها دون إمعان النظر فى مدى التقدم الذى وصل إليه الذكاء الإصطناعى على مستوى العالم ، وربما انطلقت تلك الإجابة منك منبثقة من جوانب شرعية أو مرجعيات فكرية ما .. حتى لو كانت لديك الجوانب الشرعية أو المرجعيات الفكرية التى تعتقد عن طريقها اعتقاداً كاملاً بأنه لن يصل الذكاء الإصطناعى إلى ذكاء الإنسان ، فأعذرنى حين أقول لك أن المرجعية الفكرية أياً كانت التى تمنعك من التفكر فى أصولها والتحقق منها كل لحظة هى فى الحقيقة "رجعية فكرية" أكثر منها مرجعية

دون الدخول فى الجانب العقائدى الذى قد يختلف من قارئ لآخر فسوف أركز فى هذا المقال على الجانب التقنى فقط قدر المستطاع .. محاولاً دمجها بالفلسفة قدر المستطاع أيضاً ، إن كنت ممن لا يحتملون الإطالة أنصحك بمغادرة المقال على الفور ، وإلا فأهلاً ومرحباً بك فى مقالى المتواضع عن سباق الذكاء الإصطناعى وذكاء الإنسان

بداية تحضرنى قصة درسناها فى المرحلة الإبتدائية عن ذلك السباق بين الأرنب والسلحفاة .. المغزى من القصة سريعاً لمن لم يتذكرها هو أن الأرنب اغتر بسرعته كثيراً فنام فى وسط الطريق واستراح بينما واصلت السلحفاة دأبها حتى وصلت إلى خط النهاية وهو نائم .. قد لا أجد الرابط المباشر بين رموز هذه القصة وأبطال قصتى الآن إلا أننى أجد قاسماً مشتركاً وحيداً سوف أكتفى بتركه للقارئ

الذكاء الإصطناعى والذكاء الحسابى هما مصطلحان فى الواقع مختلفان كثيراً ، ولكن من وجهة نظر غير متمحصة يمكننا أن نقول أنهما جانبان من العلم يهدفان إلى إعطاء الآلة قدراً من الذكاء فى التعامل مع المشاكل التى تواجهها .. كون أحد الجانبين جزءاً من الآخر أو حالة خاصة من الأخرى لهو أمر فلسفى بحت وخارج نطاق مقالى هذا .. كمثال بسيط للتوضيح يمكننا أن نتخيل أننا أدمجنا حاسباً صغيراً داخل طائرة هيليكوبتر ونريد أن نجعل هذا الحاسب يتحكم فى الطائرة الهليكوبتر ليقودها من مكان (أ) إلى مكان آخر (ب) .. للوهلة الأولى نجد أن الحل واضح للغاية وهو القيام بالعديد من الحسابات الرياضية التى تحسب كثافة الهواء وسرعة الرياح ومعدل تغيرات هذه العوامل وغيرها ووزن الطائرة و .... إلخ ، ثم إدماج هذه الحسابات بشكل ما إلى الحاسب الآلى وإدراج ما يسمى (ألجوريثم) لإستخدام هذه المعادلات فى اتخاذ القرارات المتعلقة بقيادة الطائرة لحظة تلو الأخرى

الألجوريثم ببساطة يعنى طريقة .. ومشكلة الألجوريثمات أنها دائماً طريقة واحدة للتعامل مع الموقف ، ولو حدث أن جربت الآلة هذه الطريقة فى استخدام المعادلات المدمجة فى قيادة الطائرة وثبت فشلها فمن غير الممكن أن تستفيد الآلة دون تدخل الإنسان من هذا الفشل فى تعديل الألجوريثم أو الطريقة التى علمها لها المبرمج .. وبالتالى تظل الآلة غبية وذكاؤها رهن بمدى التعقيد الذى وصل إليه الألجوريثم الذى وضعه لها المبرمج .. أى أن الآلة ظلت عبر سنين طويلة مرهونٌ ذكاؤها بذكاء مبرمجها وبالتالى ظل دائماً ذلك العائق الذى منع تلك الفكرة الفلسفية بأن تتفوق الآلة على ذكاء الإنسان من أخذ حقها فى التفكير من البشر

فى عام 1956 ظهر مصطلح الذكاء الإصطناعى على لسان العالم (جون مكارثى) والذى عرفه بأنه "علم وهندسة صناعة آلات ذكية" .. هذا المصطلح صار مصطلحاً فلسفياً فترة من الزمن لكنه ما إن وضع فى حيز التنفيذ وبدأ المبرمجون فى الإتجاه إلى هذا المنحى حتى صنع نقلة نوعية جبارة فى مجال البرمجة وذكاء الآلة .. بشكل جعل الألجوريثمات المعقدة التى تحاول تحفيظ الآلات كيف تفعل الأشياء درباً من الجهل والماضى ، فلماذا أجعل الحاسب يحفظ كيفية قيادة الهيليكوبتر بينما يمكننى فقط إعطاءه المبادئ الأساسية وتركه يجرب الطرق المختلفة للقيادة ويقيم بنفسه عن طريق ألجوريثم بسيط لتقييم كل طريقة من طرق القيادة بحيث يختار بنفسه الطريقة التى أعطته أفضل نتائج؟؟ أليس هذا أفضل بكثير؟

ما يميز الإنسان بقوة عن الآلة هو أنه يستطيع التجربة والتعلم من النتائج ، كما أنه يستطيع التأقلم مع مشاكل لم يراها من قبل ولم يتدرب عليها ومحاولة اكتشاف حلول لهذه المشاكل .. ماذا إن استطعنا محاكاة التعلم فى الإنسان وإعطاءه للآلة لتتعلم وحدها؟ ذات مرة سمعت فقرة أعجبتنى فى أحد المحاضرات على الإنترنت
"May be we don't need to figure out all these different complicated programs, may be we just need to figure out one program, something like whatever the brain is doing. That is going to make a progress much faster on perception."
المراد من هذه الفقرة هو أنه إذا أردنا أن نعلم الآلة كيف تمشى وكيف ترى وكيف تسمع وتفسر ما نقول وتفهمه وكيف تنظف البيت وكيف تطهو الطعام وكيف وكيف وكيف ... هذا من الممكن أن يستغرق سنيناً طويلة من كبار المبرمجين على مستوى العالم ليطوروا (ألجوريثمات) لجعل الآلة تستطيع فعل كل هذه الأشياء .. وحتى بعد هذه السنين الطويلة لن تحقق الآلة الآمال المرجوة منها على غرار أفلام الخيال العلمى التى تم انتاجها فى الثمانينيات ، على الجانب الآخر باستخدام سبل الذكاء الإصطناعى تستطيع فى وقت أقل بكثير تعليم الآلة كيف تتعلم ولو كان ذلك مرهقاً قليلاً ثم تأخذها معك لتدربها لمدة شهور مثلاً حتى تتقن المطلوب منها على أكمل وجه

كبرهان بسيط على ادعائى السابق فقد تمت البرهنة على أن أكثر ألجوريثمات معالجة الصور والتعرف على الأشخاص والأشياء تأتى بنتائج يتجاوز فيها الخطأ نسبة الـ 13% بينما باستخدام ما يسمى بالـ Artificial Neural Networks يستطيع ذلك الرقم أن ينخفض إلى أقل من 3% نسبة خطأ ، وهذا الأخير يعتبر من أهم ركائز الذكاء الإصطناعى بدون الخوض فى تفاصيله

فى نهاية المقال أحب أن أطرح هذا السؤال .. هل تتطور الآلة شيئاً فشيئاً بسرعة متسارعة لا نكاد نلاحقها بشكل قد يجعلها تسبق الإنسان فى يوم من الأيام؟ أم يتأخر ذكاء الإنسان شيئاً فشيئاً عن طريق اعتماده شبه الكلى على هذه الآلات المتقدمة التى تاخذ دور الإنسان البسيط فى المجتمع شيئاً فشيئا؟؟ هل يتحول العالم بالتصوير البطيء إلى تلك الصورة حيث الجميع إما أغنياء أغبياء أو فقراء لصوص والآلات هى التى تقوم بكل الأعمال التى تحتاج إلى ذكاء بينما يقوم الإنسان فقط بالضغط على الأزرار والتحدث إلى الآلات والذى قد يتحول فى المستقبل لمجرد التخاطر؟ .. هل هذه الطفرة الجبارة فى تقدم الذكاء الإصطناعى خطر على إنسانية الإنسان أم أن غباء الإنسان وكسله هما اللذان يدفعانه إلى الهاوية؟؟

فى انتظار آرائكم

الرسالة الأخيرة

لست مغروراً ولا أظن نفسى فارس الصحراء النبيل ذا السيف الحاد ممتطياً ذلك الجواد العربى الأصيل .. ولا أرى بأن عيناى بهما سحراً لا يقاوم ولا شعاعاً يجذب النساء .. فقط رجلاً شرقياً لا أكثر ولا أقل .. لا أجد عيباً فى ثيابى لو لم تكن أحدث صيحة ولا فى شعرى إذا لم يكن - عذراً فى اللفظ - "سبايكى" ولا فى ذقنى إذا تركتها تطول قليلاً .. لا أشعر بحرج إن تلعثمت فى الكلام أو تلعثمت خطواتى فى الطريق .. لا أجد ضيق نفس إن لم أكن أنجح أبطال الروايات الرومانسية فى العالم أو فى مصر أو فى القاهرة أو حتى فى عمارتى .. لكننى رجلاً شرقياً لا أكثر ولا أقل

رجلاً شرقياً له عاداته وتقاليده وينظر لنفسه تلك النظرة الـ - حسناً أعترف - متغطرسة قليلاً حول علاقة الرجل بالمرأة ، ويحتاج بين الحين والآخر أن يتحدث مع زوجته - لو كان لها وجود - بهذه النبرة المتعالية ولو حتى لدقائق معدودة على سبيل المزاح .. رجلاً شرقياً يعرف كيف يحب امرأته وكيف يتفانى من أجلها وكيف يضحى بكل ما هو غالِ ونفيس من أجل أن يراها سعيدة .. ولكن

رجلاً شرقياً يكره التردد .. هو أنا وتريديننى بقوة أو لتذهبى مع شكوكك إلى الجحيم .. أو إلى جنة رجل غيرى يحتمل التردد ويستطيع التعامل معه .. أما أنا فقد سأمته .. لن أظل منتظراً جوابك طويلاً .. فصبرى ينفذ وحبى معه يموت بالتصوير البطيء .. علمتنى كيف أحيا بدونك فلا تلوميننى إن كان حبى قد خفت .. تتركيننى حتى قبل أن أثور فتهدئيننى بكلمات معسولة وأنتِ تعلمين أن لهذه الكلمات لدى سحراً .. فأهدأ وأعود فتعودى إلى صومعتك البعيدة .. تتحيرين وتفكرين وتترددين .. حتى قبل أن أثور مجدداً .. تحقنيننى بكلمات معسولة أخرى .. فتعود الأمور لتتكرر فى تمثيلية مملة .. صارت أحداثها مفتعلة بدرجة جعلت الجمهور يغادر المسرح .. وما زال الممثلان يعيدان المشهد مراراً وتكراراً

قد مللت التكرار أيتها المرأة .. قد مللت التكرار .. وقد مللتيه أنتِ أيضاً فلماذا العذاب؟ خذى ترددك معكِ واذهبى به إلى فوهة البركان .. والقى به فيه أو القى نفسكِ فيه أيهما تختارى .. فإن عدتِ بدونه كنتِ لى رفيقة دربى .. وإن عدتى به أو لم تعودى .. صرت شهيدة أوراقى

لماذا الحب لا يكفى؟

لماذا الحب لا يكفى؟؟ إذا كنت تحبها وهى تحبك .. فأنت بالتأكيد تتمنى سعادتها وهى بالتأكيد تتمنى سعادتك .. ما الذى ينقص إذاً؟؟ لا أتحدث هنا عن المعوقات المادية كالسن أو الدراسة أو العمل أو حتى الشقة و الشبكة .. الحب لا يكفى حتى نفسياً

غريب هذا الأمر .. من المفترض عندما يحب أحدهم فتاة يصير أغلب همه هو أن يسعدها حتى تفصح له عن حبها .. فإن أفصحت أو تأكد بطريقة ما أو بأخرى أنها تحبه، فبالتأكيد تتحول القصة فى ثوان إلى قصة حب من أجمل قصص الحب على مر التاريخ أليس كذلك؟؟ .. للأسف هذا ليس صحيحاً بالمرة .. أكم من فتيات أحببن فتياناً وصارحنهم بمبادلتهن لحبهم .. وفشل الحب وحده فى اسعادهم رغم توافق كل العوامل المادية

ما مشكلة الحب؟؟ لن يستطيع شخص أفضل مما تستطيع أنت أن يروى لك عن أجمل ما فى الحب .. وكذا لو لم تكن قد أحببت من قبل .. فالكل يعرف الحب أو يظن نفسه يعرفه ظناً يقينا بشكل لا يجعله يرى سوى انه يعرف الحب .. ولكن مرة أخرى .. ما مشكلة الحب؟؟

الحب حالة نفسية لا مثيل لها .. خطأ أن أقول أن الحب حالة نفسية كالفرحة مثلاً أو كالحزن .. الحب هو الفرح والحزن على حد تعبير أحدهم .. ولكنه لا زال حالة .. حالة نفسية .. قد تسيطر فترة طالت أو قصرت ولكنها فى النهاية تهدأ .. لا أقول "تموت" بل "تهدأ" .. تصل إلى الإستقرار، وعلى حد تعبير أحدهم "تهدأ الحاجة إلى التعبير عن الحب" فور وصول كلاً من الطرفين إلى مرحلة اليقين من حب الآخر بدرجة تجعلهم يستغنون عن تعبير الطرف الآخر أصلاً

لا تقل لن يحدث .. فهو يحدث

ماذا يحدث عندما تهدأ الحالة؟ الحالة النفسية أياً كانت عندما تهدأ فهى تنسحب من مسرح الأحداث تاركة خلفها المعانى الحقيقية التى تسيطر بدورها على مجريات الأمور .. ففى الحب على سبيل المثال عندما تهدأ الحاجة إلى التعبير وتنسحب تاركة مسرح الأحداث، تجد المعانى الحقيقية التى تجمع الطرفين

ويختلف هذا اختلافاً جماً من قصة إلى قصة .. فقصة تترك اللوعة مسرح الأحداث تاركة خلفها أنانية وجشع .. وقصة تترك خلفها تفانى وإخلاص .. وقصة تترك خلفها مجرد رغبات مادية فقط تحول العلاقة إلى زواجاً تقليدياً .. وقصة تترك خلفها تفاهم واحترام كلاً للطرف الآخر

إذا كنت فى حالة حب .. ماذا تريد أن تترك اللوعة خلفها عندما تهدأ؟؟ إن كنت تريدها أن تترك عطراً فلا تنس أن تزرع الورود .. الآن

وتنسون أنفسكم (خاطرة قصيرة)

اشتدت الرياح فى الخارج .. وهرع كلٌ إلى خيمته يحاول التملق لأخشاب عفنة رطبة لعلها تشتعل .. البرد قارص والرياح لا ترحم أحداً .. كان اقتلاع الرياح لخيمة أحدهم تعنى وفاته وأسرته فى غضون دقائق .. قضت تلك العاصفة على الأخضر واليابس .. وكسرت الجسور بين القرية وباقى القرى المجاورة فى هذه المنطقة الجبلية.

فى غضون ساعات تحولت القرية إلى سجن كبير .. لا زرع فيه ولا تربة صالحة للزراعة .. اللهم إلا بعض الخزين الذى يكفى كل أسرة ما لا يزيد عن أيام معدودة. كان هناك شاب صغير حديث الزواج يذهب كل يوم إلى بيت حكيم القرية، يقص عليه جوعه الشديد .. بينما كان حكيم القرية دائماً ينصحه بأن يتمسك بحرصه على ما خزنه وزوجته من الطعام. أخذت الأيام تمضى والشاب الصغير يذهب كل يوم إلى حكيم القرية ويقص عليه جوعه .. وحكيم القرية يتلو عليه النصيحة تلو الأخرى كى يتحمل بها آلام الجوع ويصبر زوجته على الظروف الصعبة .. حتى أتى اليوم الذى انتهى فيه نصف ما خزن الشاب الصغير من الطعام .. هلع الشاب وخاف خوفاً شديداً .. وقرر الذهاب إلى حكيم القرية ليسأله ماذا يصنع. نادى الشاب من خارج الخيمة فلم يرد أحد .. فدخل ببطء ليجد الحكيم مستلقياً فى سريره تعلو ملامحه برودة الموت .. وقد تراخت يده وبها تلك الورقة التى بدت بالكاد ممزقة. أخذ الشاب الصغير الورقة من الحكيم وقرأها بصوت منخفض:

"عندما هبت العاصفة كان لدى من الطعام مخزوناً يفوق أضعاف ما خزنت أنت .. وكنت تأتى إلىّ كل يوم فأنصحك أن تصبر على مصيبتك وتتحمل آلام الجوع .. بينما نسيت نفسى ولم أتحمل .. حاولت مراراً أن أنفذ ما أنصحك به لكنى كنت دائماً أفشل .. ربما تعاقبت الأقدار بهذا الشكل لأننى لا أستحق أن أكون حكيماً بلسانى فقط .. أنصح الناس ولا أعمل بنصائحى .. أيها الشاب اليافع .. أنت الحكيم لا أنا"

عفاريت الفكر

كعادة أى طفل صغير، كنت أخاف العفاريت .. بل أظننى كنت متمادياً فى هذا الأمر كثيراً .. فلم أكُ أنفك أبداً أتخيل القصص - المخيفة بالطبع - وأعود لأكمل رواياتى معهم فى كوابيسى .. ورغم أن هذا الأمر يثير رعب الكثيرين - وكنت أولهم - إلا أننى لم أستطع يوماً وحدى التغلب على هذا الأمر .. حتى قال لى والدى - رحمه الله - مثلاً مصرياً قمة فى الحكمة:

"اللى يخاف من العفريت يطلعله"

فى الواقع لا أذكر أبداً على مدار السنتين فوق العشرين أننى قد سمعت مثلاً أو جملة مأثورة تحمل من الحكمة ما تحمل تلك الجملة، استثناءًا للكتب السماوية وأحاديث الأنبياء بالطبع. فى واقع الأمر لم تستوقفنى تلك الجملة كثيراً وقتها، فقط دفعت بخوفى أميالاً إلى الوراء وأفهمتنى أن خوفى هو ما يصنع المزيد منهم، وبالتالى اكتشفت وحدى بذكائى المفرط أن السبيل الوحيد للتخلص من هؤلاء العفاريت الذين يحيلون حياتى جحيماً هى ألا أخاف منهم .. وكعادة الطفل الساذج عبرت عن عدم خوفى منهم بطرق مضحكة للغاية أجبرتنى بعد فترة أن أعبر عن ذلك عندما أكون وحدى فى المنزل فقط.

لم أنو كتابة هذا المقال حتى أنصحك بألا تخاف من العفاريت .. الخوف ظاهرة صحية أحياناً، إلا أن السبب الرئيسى الذى دفعنى إلى ذلك هو أننى اكتشفت - مرة أخرى بذكائى المفرط - من قصص تدور حولى لأناس أعيش بينهم أن أغلب من يخسر هو أكثر من يخشى الخسارة !!! وأن أكثر من يحب الحياة ويحرص عليها هو أكثر من يموت ذليلاً مهموماً .. على الجانب الآخر أجد أن أغلب من يفوز هو - لا ليس من لا يلقى للفوز بالاً ولكن - من يأخذ بالأسباب ويستخير الله ويبدأ بالتصرف فوراً كما يهديه قلبه

كم من فرصة ضاعت منك فقط لأنك خشيت أن تلحق بها فتخسر؟ كم خسرت حينها عندما خشيت أن تخسر؟ كم من فرصة إنعطفت بحياتك منعطفاً إيجابياً تاريخياً فقط لأنك قررت أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله رغم مخاوفك؟

كلما فكرت فى هذا المبدأ ترائت إلى ذهنى نفس الصورة .. لاعب السيرك الماهر الذى يسير على الحبل .. وفى ذات الوقت يحمل فى يديه ثلاث كرات يتقاذفهم فى الهواء بحيث تكون هناك دائماً كرة واحدة على الأقل فى الهواء وكرتين فى يديه .. للحظة يقذف بأحد الكرات أعلى قليلاً فيخشى وقوعها وتجذب انتباهه فيمسك بها فقط ثم يجد نفسه فى المشفى يتعرض لكسور تحتاج إلى ستة أشهر بلا حركة

"عندما تشعر بأنك تريد كل شيء .. تأكد بأنك سوف تحصل على لا شيء"

هذه المقولة من تأليفى .. ليست رديئة جداً كما تصورت، ينقصها ربما بعض الأمل

"إذا أردت كل شيء .. فارض ببعض الشيء .. أو لن تحصل على شيء"

أضفنا بعض الأمل ومعه قليل من الملل

حسناً لندع تلك المقولة السخيفة جانباً ولنكمل حديثنا، ألاحظ كثيراً أننا نمر بمواقف يجب علينا أن نختار بين إختيارين فقط لا ثالث لهما .. هذا النوع من مفترقات الطرق لا يكون جميلاً على الإطلاق .. خاصة وأن هناك دائماً قناعة داخلية داخل عقولنا جميعاً تتحرك بالفطرة وتقول طوال الوقت نفس الكلمة:

"هناك طريق واحد صحيح"

وكأن الطريق الآخر يذهب بك إلى جهنم .. ومن ثم تجد الحرص أشد الحرص على اختيار الطريق الصحيح إما هذا وإما ذاك .. بعض الأحيان يمر الوقت دون أن نستطيع اتخاذ القرار ونفاجأ بأنفسنا أمام أمر واقع شديد الغلظة .. والبعض الآخر نفر من الحيرة إلى أحد الإختيارين بدون تفكير وحينها ولو كان الإختيار الأنسب أؤكد لك أنك لن تسعد بهذا القرار .. ستظل دائماً متأكداً أن الإختيار الآخر ربما كان الأفضل.. أما أحياناً فيأتى بعضنا ويعجز عن اتخاذ القرار ويعلن ذلك لجميع المعنيون بهذا القرار .. ولا داعى لذكر مساوئ ذلك الأخير

لو كنت قد تعلمت شيئاً واحداً من أحد أصدقائى - سلامى عليك - فهو أن الصواب والخطأ فيما لا يخص الحلال والحرام أمر نسبى، وأن الاعتقاد بأن هناك طريق واحد صحيح والآخر مهلك هو خطأ شائع نقع به جميعاً دون أن ندرك الصورة بشكل أكبر .. لتسأل مؤلف قصة أو لتسأل نفسك لو كنت قد ألفت قصة يوماً ما .. كيف تختار مسار القصة؟ لنقل أن لدينا "محسن" الذى لا يدرى هل يقبل بتلك الوظيفة بهذا المرتب القليل ويمضى العقد حالاً لمدة سنتين أم يصبر قليلاً ليرى ما إذا كانت تلك الشركة الكبيرة الأخرى سوف تراسله بعد أن بعث لها بطلبه للعمل هناك .. مفترق طرق بالطبع .. إن كنت أريد أن أجعلها قصة سعيدة لن أكترث تماماً أى اختيار سأجعل "محسن" يختار .. من وجهة نظر موضوعية كلا الإختيارين قد يكونا الأسوأ على الإطلاق وكلاهما قد يكونا الأفضل على الإطلاق .. ربما يعمل بالشركة الصغيرة وخلال أقل من عدة شهور تحقق الشركة مكاسباً ضخمة ويتضاعف مرتبه أضعافاً مضاعفة وتزداد حدة الطلبات الواجب توافرها فى المتقدمين بها فيحسد نفسه على وجوده بها منذ أن كانت صغيرة .. وربما يظل فى نفس المكان بنفس المرتب الضئيل لمدة عامين ويضيع عليه فرصة الشركة الأخرى الكبيرة التى تراسله بالفعل وتدفعه تلك الخسارة للانتحار أو الإنهيار .. ونفس الإتجاهين قد يحدثا مع الشركة الكبيرة أيضاً .. فقد يقبلوه ويحدث خلاف مفتعل بينه وبين أحد العاملين فيصنع به صنيعاً خبيثاً يتسبب فى طرده من الشركة .. وقد يقبلوه ولا يحدث شيء على الإطلاق سوى أنه يرتفع فى المكانة ويزداد مرتبه

كل طريق قد يكون الأفضل وكل طريق قد يكون الأسوأ .. كل كلامى فى هذا المقال باعتبار أن كلا الطريقين حلال شرعاً ولا يشوب أى منهما أية شائبة ، لذلك فأنا أرى - بذكائى المحدود وفطنتى المتناهية الصغر وتفكيرى البدائى - أن الطريق الصحيح هو دائماً الطريق الذى أشعر براحة نفسية تجاهه بعد أن أستخير الله عز وجل .. عن نفسى أؤمن تمام الإيمان أنه لولا صلاة الاستخارة لضل الناس جميعاً فى كل اختياراتهم

لا أعارض على الإطلاق أن أفكر فى كل اختياراتى تفكيراً موضوعياً .. فقط أعارض أن يتحول هذا التفكير إلى وسواساً قهرياً يفسد كل متع الحياة

حاذر من عفاريت الفكر

أول اختبارات السنة الدراسية الاولى فى مدرسة الديمقراطية


أول اختبارات السنة الدراسية الاولى فى مدرسة الديمقراطية .. عنوان طويل .. أليس كذلك؟ حسناً لتهدأ .. يكفينى أن يكون أحدهما طويلاً بشكل مستفز إما العنوان أو المقال نفسه .. كان المقال الماضى "الفكر الحر" طويلاً بشكل مستفز وعنوانه قصير .. وأدى ذلك إلى تحفظ البعض .. سأجرب هذه المرة العكس لعل القارئ يرضى.

لعقود طويلة وكثيرة كان الشعب المصرى أشبه بالطفل الفقير للأسرة الفقيرة التى لا تستطيع التكفل بنفقات الدراسة لطفلهم الوحيد .. ربما كانا فقراء حقاً أو كانا يخدعانه ويمرحان سوياً ويشربان الخمر ويتمتعان بكل ما تشتهيه الأنفس من دون علم إبنهم .. ولكن هذا لا يهم الآن .. فقد رحل الأبوان بلا رجعة وفوجئ الطفل - الشعب المصرى - بما خبأه أبواه من مال وأموال .. وقرر أن يدخل المدرسة .. صحيح أن سنه قد كبر قليلاً ولكنها مدرسة على أية حال ولابد له أن يذهب إليها كى يتعلم .. ذهب الطفل - الشعب - إلى مدرسة الديمقراطية الإبتدائية القريبة من المنزل، وصار يستمتع كثيراً بما يقرأه فى الكتب المدرسية أو يسمعه من أساتذته المثقفين أو ينهله من مناقشاته مع الطلاب الأكبر منه سناً - الشعوب الأكثر منا تقدماً - وصار بعد وقت قليل يشعر بأنه قد نهل علماً وثقافة وفكراً سياسياً محنكاً .. أما الآن فقد إقترب الاختبار الأول للسنة الدراسية الأولى فى مدرسة الديمقراطية الإبتدائية التجريبية الحديثة

للمرة الأولى فى حياته يشعر بأنه خائف أو قلق .. لم يدخل أية اختبارات من قبل .. الأدهى من ذلك أنه لم يتلق فى حياته هذا الكم وهذا الكيف من المعلومات فى هذه المدة الزمنية الأقصر على الإطلاق .. لا يثق برأيه ولا بمعلوماته .. مهما ذاكر أو سمع أو قرأ يظل مقتنعاً أنه قد فاته الكثير ولن - راجع المقال السابق لتدرك مدى كرهى لكلمة "لن" - يستطيع أبداً أبداً اللحاق بزملائه الذين سبقوه أو حتى الإستعداد لهذه السنة الأولى فى المدرسة .. لا زال معتقداً أن الوضع جد خطير ولا يوجد له حل .. حقاً أنا أتفق معك أن الشعب المصرى أمام اختبار حقيقى فى مدرسة الديمقراطية وهو اختبار من سؤال واحد يمثل الاستفتاء على هذه التعديلات الدستورية .. ولكن الأفضل من الخوف لمجرد الخوف هو الاستعداد الجيد لهذا الاختبار .. الاستعداد النفسى أولاً

العبرة ليست بمذاكرة مواد الدستور وحفظها بالكلمة وبالصيغة القانونية .. ولا بحفظ أمهات الكتب فى شرح مواد القانون .. ولكن بمعيارين رئيسيين:

المعيار الأول: القراءة والإستماع المستمر والواعى أيضاً، ففى الواقع القراءة والإستماع سلاحان ذوا حدان .. يجب أن يكون لديك قناعاتك الخاصة .. فكرك الخاص الذى لا يمكن خداعه بسهولة مفرطة .. قناعاتك المحصنة واللينة فى نفس الوقت .. محصنة ضد محاولات النيل من ذكائك واستعمالك كبوق لرأيهم هم .. ولينة تجاه من يحاورك بالمنطق والأدلة .. ورغم ذلك يجب أن تبحث دائماً عن الرد عن كل ما يدور فى ذهنك أو تسمعه أو تقرأه أو يصلك بأى حاسة من الحواس .. لا تترك أبداً لشخص ما طريقة لزرع أفكار خاطئة داخلك .. وفى نفس الوقت وازن بين تلك المشكلة وبين تحجر الرأى وعدم تقبل الرأى الآخر مما يقودنا إلى المعيار الثانى.

المعيار الثانى: احترام الرأى الآخر .. بالتأكيد لن تحب أن تحاول إقناع شخص ما بوجهة نظرك وهو يستتفه ما تقول مثلاً .. أو يتهمك بالعمالة أو الخيانة أو على أقل تقدير .. بالسذاجة
فى الواقع أرى - ولعلك تتفق معى - هؤلاء الناس غير جديرين بأن تضيع وقتك الثمين فى محاولات مستميتة للدفاع عن فكرتك التى تقتنع بها جداً أو تحبط مبرراتهم الواهية اللائى يصدقونها بكل سذاجة !! إحترس !!!

هنا يوجد فخ كبير قد يقع فيه الكثير دون قصد .. أحياناً يتملك أحدنا حب لفكرة ما أو إقتناع تام بها يربطه بالفكرة بشكل عاطفى جداً يجعله يدافع عن الفكرة بمنتهى الاستماتة ضد أى محاولات - ولو كانت تبدو منطقية - تحاول إقناعه بعكس ما يقتنع به ورفض الإنصات لها أصلاً .. بعضنا تتملكه الحمية ويعلن عن ذلك بشكل فظ وبعضنا يكتفى فقط بشيء كانت الحكومة الفاسدة الماضية تتبعه معنا بشكل دائم .. إسلوب عدم الإهتمام بالرأى والتعبير وليس حرية الرأى والتعبير

حرية الرأى والتعبير فى رأيى الشخصى تعنى الإهتمام بالرأى والرأى الآخر .. مع بعض الناس يصل الأمر من المثالية بأن يصير الرأى الآخر لديهم مثيراً للإهتمام أكثر من رأيهم الذى يقتنعون به .. ويستمرون فى البحث عنه والقراءة والحوار حوله حتى أكثر من آرائهم هم .. لنجعل شعارنا فى المرحلة القادمة "أسمع أقرأ أحاور أحترم"

أرجو ألا أكون قد أطلت عليكم .. وإلى اللقاء فى مقال سخيف آخر

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفكر الحر

قبل ثورة 25 يناير تعود الشعب المصرى بكافة أطيافه ألا يقول كلمة الحق، وألا يعترف بأنه مهان .. اللهم إلا بعض من يمتلكون روحاً ثورية .. وقد كانت وزارة الداخلية - متحدة مع جهاز أمن الدولة مع بعض بلطجية الحزب الوطنى الديمقراطى ممتزجين ككتلة واحدة قوية وشرسة - تقوم دائماً بقمعهم سواء بالضرب أو بالحبس أو بالتهديد .. منهم من ظل يثور ومنهم من إتعظ ولكن الحال بقى كما كان دائماً .. وأقصد هنا حال الحال وليس الحال نفسه .. فحال الحال ظل متجهاً إلى الأسفل بنفس السرعة التى كان يتجه بها طيلة ثلاثون عاماً .. أى طفل صغير يستطيع أن يملأ مجلدات من الشكاوى فما بالك بالطبقة المثقفة التى تعى أمور سياسية وإقتصادية قد لا يعيها هذا الطفل الصغير؟!! حقاً قد كان الوضع أسوأ من كلمة سيئ.

كانت مصر فى حقيقة الأمر تدار من قبل عدد من رجال الأعمال المعروفين بالإسم .. وقضايا فسادهم صارت مفضوحة على الملأ والكل يعرفها ويعرف كم تخسر مصر بسببها كل يوم .. حتى أن أحدها كان يجعل مصر تخسر يومياً ما إن وزع على كل أفراد الشعب لصار الدخل اليومى للفرد يزيد عن ألف جنيه .. أحد هذه القضايا لواحد من رجال الأعمال فقط، فما بالك بهم جميعاً لهم جميعاً متحدين؟ .. الذى ساعد رجال الأعمال هؤلاء فى إحكام السيطرة على البلاد بهذا الشكل هو أنهم كانوا مدعومين بصفة شخصية من أحدهم الذى كان يمت بصلة قرابة قوية برئيس الجمهورية .. إبنه فى حقيقة الأمر .. السيد جمال مبارك أمين عام لجنة السياسات فى الحزب الوطنى وصديق شخصى مقرب لكبار رجال الأعمال فى البلاد وأكثرهم شهرة بقضايا الفساد.

بعد ثورة 25 يناير- التى لم يكن يتوقع أحد على الإطلاق فى بدايتها أن تكلل بمثل هذا النجاح المنقطع النظير - أصبح من غير الممكن أن يظل المرأ صامتاً بينما لديه ما يقول .. كثرت الدعوات إلى الإعتصام والتظاهر للمطالبة بتغيير مظاهر الفساد فى كل بقعة من أرض مصر .. بينما على الجانب الآخر كثرت دعوات أخرى مضادة تدعو المتظاهرين إلى ترك مهمة الإصلاح إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمعاونة رئيس الوزراء الجديد - الأول فى الشرعية - السيد المحترم المهندس عصام شرف .. وإستند كلٌ إلى حجته دون أن يستمع أى طرف إلى الآخر .. ليست هاتين هما وجهتى النظر الوحيدتين ولكن لنقل أنهما كانتا الأكثر انتشاراً .. بالطبع كانت هناك وجهات نظر أخرى مثل تلك الوجهة التى كانت ولا زالت حزينة على فقدان رئيساً متفانياً للجمهورية مثل الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك .. وأخرى مطالبة الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء - المكلف بواسطة الأخير للسيطرة على المظاهرات وقمعها فى أقرب توقيت - أن يتقدم لإنتخابات الرئاسة المقبلة .. أما أجمل وجهات النظر وأكثرها كوميدية على الإطلاق كانت تلك المناهضة للثورة بكل أشكالها .. أصحاب وجهة النظر الأخيرة تلك كانوا الأكثر إثارة للدهشة .. كانوا متفردين حقاً .. مؤمنين بأن النظام السابق كان فاسداً ومغتصباً للحقوق ولكنه فى ذات الوقت كان يوفر لهم الأمان .. مما لم توفره الثورة ويعد عيباً قاتلاً فيها على حد تعبيرهم.

أظن أنه قد بدا من الفقرات السابقة ما هى وجهة النظر التى أتبناها عن نفسى .. وإن لم تكن بدت فذلك أفضل لأن هذا مقال آخر .. هنا أريد فقط التحدث عن أمر يميل قليلاً إلى الفلسفة التى قد يجدها البعض مملة .. فإن كنت ممن يملون بسرعة أنصحك أن تتوقف عن القراءة هنا .. نعم .. عند هذه النقطة .. كفى .. توقف عن القراءة !!

بما أنك إنتقلت إلى الفقرة التالية بمحض إرادتك، دعنى إذن آخذك معى فى رحلة بسيطة نطوف فيها حول أكثر الأشياء مأساوية فى هذه الحياة .. قل لى .. ما هى أكثر الأشياء مأساوية فى رأيك الشخصى؟؟ فكر قليلاً .. هل هو الحب من طرف واحد؟ .. لا لا ليس هو .. إذن ربما هو موت أقرب الأقرباء؟ .. لا لا ليس هذا أيضاً .. إذن ربما هو الموت نفسه؟ .. اقتربت .. همممم .. لا أعرف .. قل لى .. حسناً سأخبرك بهذا السر لأنك صديقى:

الشيء الأكثر مأساوية فى هذه الحياة .. هى كلمة "لن" .. نعم .. أنت لا زلت فى وعيك وتتمتع بنظر صحيح .. إنها كلمة "لن"

كلمة "لن" تتمتع عن كل مفردات اللغة بتلك النغمة الثقيلة على اللسان والأذن أيضاً ولا أظن هذا محض صدفة .. حاول أن تقول كلمة "لن" عدة مرات - بصوت منخفض كى لا يتهمك أحد بالجنون - وراقب تحركات لسانك وهو يقول تلك الكلمة المأساوية .. ستجد لسانك يتحرك بشكل ممل جداً ومثير للحفيظة بشكل كبير .. عادة تستفزنى هذه الكلمة بشكل كبير لمجرد وقعها على الأذن قبل حتى أن أربطها بمغزى الحديث .. بالطبع أمزح معكم .. ليست المشكلة فى وقعها على الأذن ولا فى حركة اللسان .. المشكلة فى أنها تمثل - فى رأيى - تحدياً صارخاً لكلاً من مبدأ عدم التأكد للعالم "هايزنبرج"، والشيء الأكثر أهمية وهو الإيمان بأنه لا أحد يعلم الغيب ..

ربما يتبادر إلى أذهانكم هذا السؤال بينما أنتم تقرأون هذه الكلمات - وربما لا يتبادر - أنه إذا كانت المشكلة أننا لا نعرف الغيب، فلماذا لا آخذ موقفاً عدائياً من كلمة "سوف" أيضاً؟؟ لماذا كل هذا التحفز ضد كلمة "لن"؟؟ حسناً ربما يزيد الوضع سوءاً إن قال أحدهم "سوف لن يحدث كذا" ولكنها ليست "سوف" هى التى تزعجنى إنها "لن" فقط .. بما أن الغالبية العظمى من الناس لا يعلمون الغيب ومؤمنون أنهم لا يعلمون الغيب، وهناك قلة فقط لا يعلمون الغيب أيضاً ولكنهم ليسوا متأكدين تمام التأكد من ذلك .. لذلك يصير كلام هؤلاء القلة عن الغيب فى الغالب أكثر إقناعاً مما يتخيلون .. أنت لست خبيراً فى علوم الفضاء لذلك إن قلت لك أن القمر يدور حوله عدة أقمار صغيرة لا ترى بالعين المجردة تعيش عليها بعض القطط والكلاب ولكن الفئران ليست منتشرة هناك فعلى الأرجح سوف تصدقنى .. حسناً .. لقد تماديت .. أدركت ذلك متأخراً

الكلام عن شيء لا يعلم المستمعون عنه الكثير هو أسمنت عالى الجودة يمكن إستخدامه بسهولة فى تثبيت الأفكار فى العقل الباطن .. والغيب هو أكثر الأشياء غموضاً على الإطلاق وأقلها فى توافر المعلومات حوله .. فى الواقع لا توجد معلومات حوله فقط تكهنات .. لذلك فإن كلمة "لن" هى أكثر الكلمات القابلة للتصديق على مستوى جميع اللغات بجميع ترجماتها .. هذه الكلمة المأساوية لا تسحر عقلك لكى تصدقها فقط ولكنها تزرع نفسها داخل عقلك الباطن وتترسخ بداخله بحيث تصبح أنت نفسك جهاز إرسال يبعث نسخاً من تلك الرسالة مجدداً ومجدداً إلى جميع من تعرفهم .. حسناً إذا كانت هذه الكلمة بهذه الخطورة لماذا نستخدمها أصلاً؟؟ لا أعلم قل لهم .. عن نفسى أنا لا أقولها ولن أقولها أبداً .. يا للهول لقد قلتها تواً ..

حسناً لنتظاهر سوياً أنا وأنت أن هذا لم يحدث أبداً .. ما الذى يدفع البعض أحياناً أن يتحدثوا عن الغيب الذى هم فى قرارة نفسهم يعرفون أنهم لا يستطيعون الجزم بما فيه؟ إذا كان هذا الصندوق به كرة أنت لا تعلم لونها .. ما الذى يمكن أن يجعلك تصر بأن هذه الكرة "لن" تكون حمراء؟؟ حسناً هناك أسباب كثيرة يمكنها أن تدفعك لذلك فقد تكون مشجعاً لنادى الزمالك مثلاً أو لديك حساسية من الطماطم .. ولكن فى غالب الأمر هناك شيء ما خفى بداخلك يجعلك خائفاً أن تكون هذه الكرة حمراء .. خاصة وإن كنت تعلم لسبب ما أن هذا الصندوق سيظل مغلقاً فترة طويلة من الزمن مما سيشعرك أكثر بالإطمئنان وأنت تزعم بأنها "لن" تكون حمراء .. بالتأكيد عندما يأتى وقت فتحه سيكونوا قد نسيوا ما قلت وبالتالى لو كانت حمراء فـ "لن" يحدث شيء .. مجدداً "لن" .. تابعوا هذه الكلمة فى حياتكم اليومية ستجدوا أنها دائماً مرتبطة بأسوأ أحداث حياتكم وأسوأ قراراتكم.

عودة إلى ثورة 25 يناير المجيدة .. كم من البشر قال قبل الثورة "لن تحقق المظاهرات ما نصبوا إليه" .. ثم أثناء الثورة "إستمرار التظاهر لن يحقق إلا مزيداً من الدماء ومزيداً من الفوضى" .. ثم قبل النصر بقليل "لن يتنحى الرئيس مبارك مهما حدث .. دعونا نفرح بما أوتينا حتى الآن" .. ثم أخيراً "لن يصلح إزالة رموز الفساد من حال البلد فالشعب المصرى لن يتغير وأياً كان الرئيس القادم فلن يستطيع الإصلاح وإن أراد .. وسوف يسرق صدقونى" .. يا للمأساة .. ثلاثة "لن" وواحدة "سوف" .. جملة قمة فى الإحباط .. والأدهى من ذلك أنها على الأرجح رسخت فى عقلك أنت أيضاً شعوراً باليأس .. أعذرنى، أعدك أن أصلح ما أفسدته قبل نهاية المقال.

فى الماضى القريب كان من المعروف والمكتوب فى الكتب ويدرس فى الكليات المختصة أنه من المستحيل أن يجرى إنسان مسافة ميل واحد فى زمن أقل من 4 دقائق .. وأرجعت البحوثات والدراسات السبب فى ذلك الأمر إلى إمكانيات الجسم البشرى التى تمنعه من جرى تلك المسافة فى أقل من تلك المدة .. ولمدة سنين ظل هذا الأمر معروفاً بحاجز الدقائق الأربعة .. حتى ظهر الإنجليزى "روجر بانيستر" الذى صمم أنه يستطيع تحطيم هذه الفكرة .. وبالفعل استطاع ذلك العداء الإنجليزى أن يجرى مسافة ميل واحد فى ثلاثة دقائق وتسعة وخمسون ثانية وأربعة أجزاء من أصل عشرة من الثانية .. أى أقل من الحاجز بستة أجزاء من الثانية فقط .. أى حتى أقل من ثانية، إلا أن هذا النجاح الذى حققه دفع بمئات العدائين على مستوى العالم بتحدى هذا الحاجز الذى إتضح أنه وهمى حتى أصبح هذا الحد مجرد علامة لمن يكسره بأنه عداء محترف .. وبالفعل كسره المئات بعد ذلك

هل تستطيع أن تخمن كم الناس الذى حاولوا نصحه بأنه "لن" ... يا للهول كم تستفزنى هذه الكلمة !! .. بأنه "لن" يستطيع كسر ذلك الحاجز؟؟ فى الواقع أنت تستطيع أن تخمن .. وكذلك تستطيع أن تخمن السبب الذى قد يدفع شخص ما بأن يقنعك بأنك "لن" تستطيع فعل شيء ما .. السبب الأكثر شهرة لهذا هو أنه يؤمن بأنه هو نفسه لا يستطيع والإيمان بهذا بالتأكيد يجعله يشعر بغصة فى نفسه، لذلك هو يحاول أن يخفف حدة ذلك الألم بأن يحاول أن يقنعك أو يقنع جميع من حوله - من يشعر بأنهم قد يستطيعون - أنهم لن يستطيعوا أبداً .. فأنت بالتأكيد لن تشعر بالخجل أن بنطالك عليه الكثير من التراب بينما جميع من حولك يلبسون ثياباً مهلهلة مرقعة ..

محبى كلمة "لن" ليسوا دائماً بهذا الدهاء والمكر .. أغلبهم يعانى أصلاً من نقص الذكاء .. وإنما الأكثر ذكاءاً على الإطلاق والأكثر مكراً والذى لا يكترث لشيء سوى أنت ويفعل فى سبيل ذلك أى شيء هو فى الأغلب عقلك الباطن .. عقلك الباطن هو ما يدفعك أحياناً أن تتحدث عن الغيب كأنك تراه وتخبر الناس بأنه ببساطة "لن" يستطيع أحد أن يفعل كذا فقط ليريحك من عذاب الضمير .. ناهيك عن مرضى ستوكهولم وهو مرض نفسى شهير تستطيع البحث على الإنترنت عنه بالتفصيل ولكن ما يعنينى هنا هو أنه يحدث أحياناً عندما يتعود شخص ما أو مجموعة من الأشخاص لمجموعة من الضغوط أو القهر أو الذل بأى شكل كان لفترة طويلة بطريقة تمتهن فيه كرامتهم وعزة نفسهم بشكل كبير .. يلجأ كثيراً العقل الباطن فى مثل هذه الظروف لحل سحرى للتخلص من عذاب الضمير الذى لا ينفك يؤنبهم على الإنصياع لهذه الضغوط .. يتمثل هذا الحل فى الإنسجام العاطفى مع هذه الضغوط وأحياناً يتطور الأمر إلى التعلق العاطفى بالمغتصب نفسه .. رأيت بأم عينى أناس يقولون "الريس كان مبهدلنا بس والله ولا يوم من أيامه"

العقل الباطن هو ذلك الجزء من العقل الذى لا يتبع إلا منطقاً واحداً .. هذا الشيء يسبب ألماً؟؟ حسناً سوف أفكر فى حل وأقترحه على العقل الظاهر .. هذا الشيء يسبب سعادة؟؟ حسناً سوف أفكر فى مبرر أقترحه على العقل الظاهر لكى يستمر فى فعل ذلك الشيء المسبب للسعادة .. أحياناً تكون تلك المبررات والحلول التى يقترحها العقل الباطن قمة فى السذاجة، ولكن المشكلة أنه عندما تنبع الفكرة من عقلك الباطن يصير صعباً على العقل الظاهر تجاهلها أو تجاهل إلحاح العقل الباطن بها فى كل وقت وحين .. العقل الظاهر هو أنت .. أنت الذى تقرأ هذه الكلمات .. العقل الباطن هو ذلك الجزء الخفى من عقلك الذى يفكر بإستمرار ولا يمكنك على الإطلاق الإطلاع على ما يفكر فيه إلا فى الأحلام بينما أنت نائم .. لذلك تجد أغلب الأحلام لا تتبع أى ترتيباً منطقياً .. العقل الباطن له تسمية شرعية فى الدين الإسلامى ويقال له "النفس الأمارة بالسوء" .. ولقد سميت بـ "الأمارة بالسوء" لأنها دائماً تريد المزيد من السعادة دون النظر إلى أية إعتبارات .. ودائماً تريد التخلص من الألم دون النظر إلى أية معانى سامية خلف ذلك الألم .. دائماً أمارة بالسوء ليس لأنها سيئة .. فقط لأنها الجزء الحيوانى فى الإنسان .. يمكننا القول بشكل أكثر وضوحاً أن الإنسان حيوانٌ إن لم يكن لديه العقل الظاهر أو ما يسمى خارج علم الفلسفة بالـ "عقل" فقط

عنوان ذلك المقال هو "الفكر الحر" .. كيف يكون الفكر حراً؟؟ يكون حراً عندما يبتعد عن الأهواء ويبدأ بالتفكير بمنطقية .. يكون الفكر حراً عندما لا يكون معتاداً على الإنصياع للعقل الباطن الذى دائماً يلح على أفعال بغيضة .. يكون الفكر حراً عندما لا تتعاطف مع مغتصبك فقط لتتخلص من ألم عذاب الضمير .. يكون حراً عندما لا توهم نفسك أنك سعيد بينما أنت لست كذلك .. يكون حراً عندما لا تظن ولو للحظة أن الإنغماس فى الملذات قد يغير حالتك النفسية ولو أراحك قليلاً من عبئها .. يكون حراً عندما تتوقف عن إجبارك لمشاكلك أن تطاردك فى كل مكان وأنت تتهرب منها معتقداً أنها ستمل وتتركك مثلاً .. سيكون حراً عندما تتوقف عن قول هذه الكلمة المأساوية البشعة التركيب "لن" بينما أنت معتقد أن نشر حالة اليأس التى لديك لمن حولك أسهل من التغلب عليها بداخلك .. وأخيراً سيكون حراً عندما تتوقف عن محاولة التحكم فى دواخلك عن طريق التحكم فى واقعك الخارجى .. يجب أن تتحكم فى واقعك الخارجى عن طريق التحكم المباشر فى دواخلك وليس العكس .. أنت سيد قرارك .. أنت من تقول ماذا تحب وماذا تريد وما هو الأفضل لك وماذا تختار .. لا تقبل أبداً إملاءات عقلك الباطن .. تأكد أنها دائماً مخطئة .. لو استطعت أن تفعل عكس كل ما يطلبه عقلك الباطن بدون تفكير أؤكد لك أنك ستكون من الناجحين جداً فى حياتهم قبل الموت وبعده بإذن الله

فى نهاية المقال لدى أمنية واحدة .. هى أن نكف عن اليأس .. أعرف أن هناك البعض يذوبون عشقاً فى اليأس ويشعرون أنهم بدونه يائسون جداً .. وبه يائسون أيضاً .. أريدهم فقط أن يحاولوا ولو حتى أن يجعلوا كل يوم لهم ساعة واحدة ولو من الساعة الثالثة صباحاً حتى الرابعة صباحاً - وهم نائمون - يكونوا فيها متفائلين بل ومحاربين لكل دعوات اليأس .. لا تيأس .. لا تقبل بالذل والهوان بعد الآن ما حييت .. حارب اليأس فى كل مكان .. أنشر هذا الفكر فى كل مكان .. لا تترك يائساً تقابله قبل أن يقول لك على الأقل "على رأيك الله أعلم" .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ملكة التفرد

فى سماء الكون تنتشر النجوم .. للوهلة الأولى تبدو دائماً النجوم متشابهة .. ولكن دائماً يوجد بينهم ذلك النجم الذى ليس كالآخرين .. لا يضيء فقط .. بل يزيد من جاوره من النجوم ضياءاً .. فى الجنان الخضراء تنتشر الزهور .. هذه الزهرة حمراء .. هذه الزهرة بيضاء .. للوهلة الأولى تبدو جميع الزهور متماثلة .. ولكن تأتى هذه اللحظة التى تقع فيها عيناك على زهرة ليست كأخواتها .. زهرة ليست جميلة فقط أو مجرد رائحتها طيبة .. ولكنها زهرة تشع بالحياة وتضفى جمالاً وبهجة على ما حولها.

من السهل أن تكون شخصاً جذاباً .. ولكنه ليس من السهل أن تكون شخصاً تضفى الجاذبية على من هم حولك .. من السهل أن تكون أكثر الحاضرين لباقة .. ولكنه ليس من السهل أن تكسب جميع الحاضرين لباقة وهم يحادثوك .. من الممكن فيزيائياً أن تكون أكثر الناس قوة .. ولكن .. كيف يمكنك أن تتحدى قوانين الكون وتصبح مصدر قوة لمن حولك؟ كيف تجعلهم جميعاً أقوياء ولبقون وخفيفوا الظل؟ كيف تشعرهم جميعاً بالثقة فى أنفسهم وهم يحادثوك؟ كيف تكون ذلك الناى الذى يضيف على الآلات الموسيقية التى تعزف معه جمالاً وعذوبة ونقاءاً وروحاً صافية؟ .. كيف تكون دائماً تلك الإشارة من الله أنه قد حان وقت الرجوع إليه؟ كيف تجهض محاولات الشيطان أن يفتك بمن هم حولك دون أن تبذل مجهوداً كبيراً؟ كيف تنتقى أفكارهم وتغذى الحميد منها وتفتك بما هو خبيث؟؟ هل أرسلك الله لتكون دعوة صامتة إلى الحق؟

إن كنت رسالة من الله فيا ربى لقد فهمت الرسالة .. وأعدك يا إلهى أننى سأبذل قصارى جهدى أن أقترب منك وأطيعك وأبتعد عن معصيتك .. وإن كنت رحمة من الله فيا أرحم الراحمين لست أهلاً لكل هذه الرحمة .. هناك من هم أعبد منى وأتقى .. حمداً لله الرحمن الرحيم .. وإن كنت توبة تبتها وقد قبلها الله .. فكم أنت كريم يا رب العالمين .. أحمدك وأشكر فضلك وأعدك ألا أفرط فى توبتى أبداً .. أما إن كنت مجرد بشر .. فيا ربى لقد أذهلتنا معجزاتك .. يا من خلقت ملاكاً فى صورة بشر .. أسبح بحمدك

ابتسامة خائنة

تقدمت بهدوء ثقيل نحو تلك المنضدة .. حاولت يداى ألا تتراجعا .. كل منهما محاولة ألا تخذلنى .. للأسف فشلا .. تقدمت أنا وتراجعت يداى يداً تلو اﻷخرى .. حتى وقع بصرى على خط اليد .. لكم تمنيت ألا أتعرف عليه .. تقدمت قليلاً ملآناً بالوجل .. نظرت بالورقة .. لم أتمن فى حياتى ألا أتذكر حروف اللغة كما تمنيت تلك اللحظة .. حاولت يداى أن تقربا الورقة إلى نظرى كلهما أمل أن أكون قد أخطأت القراءة .. ولكن للأسف الشديد .. كان خطها دائماً أكثر وضوحاً مما يجب

فى ظل عدم قدرتى على التواصل مع العالم .. وتخاذل يداى اللاتى لم أشك يوماً أن يخذلانى فى لحظة كتلك .. شعرت بتلك الوخزة البسيطة التى توقظك .. وليتها كانت وخزة ﻷفيق .. لكنها كانت ابنتى الصغيرة تعبث بأصابع يدى تسألنى: "أين أمى؟" .. وفى لحظة كنت ملتفتاً لها أطمئنها أن أمها خرجت لتقضى بعض الحاجات وستعود .. والورقة مكرمشة فى القمامة .. ودموعى قد عادت إلى مقلتى وابتسامتى قد ارتسمت - خائنة إحساسى - ممسكاً صغيرتى بيدى .. خارجاً من الغرفة