بيت المرايا

السلام عليكم ورحمة الله .. فى البداية أحب أن أعرفكم بنفسى، شاب فى بداية العقد الثالث من عمره يحاول عابثاً أن يفهم معانى الحياة، ويدرس ملامحها وأحداثها ويتصنت أحياناً إلى حكمها .. ويتجسس أحياناً أخرى على أسرارها .. يحاول أن يفهم ويدرك حقيقة الأمور، وربما كانت هذه مأساته .. أنه لا يصدق أى من الحكماء ولا يتقبل أى من الحقائق إلا أن يكتشفها وحده.

بيت المرايا .. هل دخلته من قبل ؟ كيف رأيت نفسك ؟ ربما رأيت نفسك مفتول العضلات، أو ربما رشيق الجسد .. فى بيت مرايا الحياة ربما ترى نفسك فارساً مغواراً ، أو دوقاً أنيقاً .. أو ربما نبياً صديقاً .. ربما ترى نفسك قوى الشخصية ، أو أمير الرومانسية .. ربما ترى نفسك رجل المهام الصعبة ، أو أغنى الناس على الأرض عفة وطهارة .. ولكن فى الواقع .. أين أنت مما تراه ؟

فى البداية أعتذر مما سأكتب بداية من الآن فربما سيعتقد البعض أننى أقصد أشخاصاً بعينهم، حسناً أعترف باننى قد استلهمت بعض المقال من أشخاص بعينهم ، ولكن يعلم الله أننى لا أكتبها إلا من أجل أن أصل لهم برسالة ..

كثيراً ما تحدثت أبيات شعر وكلمات نثر وأغان شعبية وترهات سكارى .. عن الحب ، تجد أحدهم يجزم بأنه يحبها ، ولن يستطيع نسيانها مهما كانت الظروف .. ثم تمر السنين ويتزوج إمرأة صالحة ، تشعره بأن للحياة معنى ، وللحب قيمة .. فلا تمر السنة إلا وهو يجزم أنه ما كان سيسعد مع إمرأة أخرى مهما حدث .. ألم يكن واثقاً منذ فترة ؟ بلى كان واثقاً .. ولكنه كان فقط ينظر داخل بيت المرايا .. ربما تعود أن يقول لنفسه أنه يحبها .. ربما تعود أن يبتسم كلما تذكرها .. ربما إن نظر داخل أعماق قلبه لوجد حقيقة الأمر .. أنه فقط تعود على وجودها ، قد يفكر البعض هنيهة الآن ثم ينتفض قائلاً "بلى إنى أحبها .. لقد نظرت داخل أعماق قلبى .. وأقول لك الآن أننى أحبها" .. أرد عليه قائلاً راقب نفسك .. راقب قشعريرتك البسيطة الآن .. تلك التى لم يشعر بها أحد سواك وأنت تقول "لقد نظرت" .. لا أنت لم تنظر داخل أعماق قلبك .. أنت نظرت إلى أحد المرايا ربما .. أو ربما تكذّب نفسك خوفاً من أن تدرك حقيقة الأمر .. وحقيقة الأمر أنك لا تحبها ذلك الحب الذى تعتقده .. ذات يوم سأل أحدهم الشيخ عبد الرحمن الرافعي عن الحب قبل الزواج .. أتدرون ما قال ؟ قال خمسة كلمات لم تتعد أحداهما الثلاثة حروف .. "كيف تحب ما لم تر ؟" .. نعم هذا حقيقى .. كيف تحب ما لم تر ؟ لقد رأيت ضحكتها .. وسمعت صوتها .. وربما عاشرتما سوياً فترة من الزمن .. لكن الحياة داخل بيت واحد شيء آخر تماماً .. مختلف بالمرة .. لذلك لا ينفعهما حباً سابقاً ولا خبرات فى التعامل مع الجنس الآخر .. قدر ما يفعل تقاهما وطهارتهما .. وعفتهما فى الحديث والتعامل .. أراهن على أن أحدكم لا يعرف زوجاً واحداً كانا متحابين وتزوجا وعاشا سعيدين إلا وقد كانا وظلا بعد ذلك طاهرين عفيفين .. بجانب الحب لا جدال .. لم يزعم أحدهم أن الحب محرمٌ .. إنما كيف يتخذه البعض محللاً لكثير من الأشياء هذا هو المحرم بالفعل ..

إذن دعنا نتسائل .. هل تحبها ؟ فكر جيداً .. أم تظن نفسك تحبها ؟ .. كن أكثر صراحة مع نفسك ..

"أستطيع التغلب على ذلك .. لن يغلبنى الشيطان فى هذا بعد الآن" .. كلمة قالها أحدهم وذهب مسرعاً إلى بيته ، وأزال كل ما يخالف من حاسبه الشخصى .. هذه إرادة قوية .. أم يظنها قوية ؟ مر يوم .. والآخر .. حتى سقطت المرآة التى كان ينظر إليها وتحطمت .. فعاد واتصل بشبكة الإنترنت .. لنتسائل هنا .. هل تحطمت إرادته القوية ؟ أم يمكننا أن نقول أن مرآته هى التى تحطمت ؟ .. تحطمت فظهرت أمامه حقيقة بشعة ألا وهى أن إرادته ليست بالقوة الكافية ، وأن ما حدث لم يكن صحوة ضمير أفاق من إغماءة طويلة ، بل لم يتعد حماسة ملأته حينما سمع خطبة الجمعة ، أو ربما حديثاً تليفيزيونياً عن الجنة والنار .. مجرد شعلة حماس أشعرته بأنه ذو إرادة حديدية وذهب ففعل كذا وكذا .. ثم ندم عندما أفاق وشعر بالحقيقة وهى أنه ضعيف .. كثير ممن يحاولون هداية الشباب يلعبون على هذا الوتر الضعيف ، يملأون الشاب حماسة بصوت عالٍ أو ترديد عبارات تحمل من الروح الحماسية ما تحمل ، فيقوم الشاب مسرعاً ليصلح الكثير من الأخطاء .. لكنك تجد الشاب يشعر بعد فترة وكأن ناراً كانت به ثم بردت .. ماذا حدث ؟ .. هل كان صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك ؟ أكانت الحماسة تدفعهم إلى المعركة ثم ما أن لاقوا العدوا واجهوا حقيقتهم وهى أنهم ضعاف .. فيعودوا ؟ لا لم يحدث بالطبع .. لماذا ؟ هذا لأنهم ليسوا ضعاف .. "ما الحل إذا ؟ أتقول لى أن أسلم بحقيقة أننى ضعيف وأذهب فأخطئ كما أشاء ؟ أنا ضعيف يا رجال ماذا أفعل !!" .. إن فعلت ذلك فأنت لا تسلم بحقيقة أنك ضعيف .. هكذا أنت تقتل الأمل .. صحيح أن الاعتراف بالمشكلة خطوة كبرى فى طريق حلها ، لكنها ليست الطريق كله .. نعم يجب أن تدرك أن إيمانك ضعيف ، وأن حبك لله وأملك فى الجنة وخوفك من النار ربما ليست سوى كلمات قد تربيت على أن ترددها كلما فتح أحدهم الموضوع ، وربما الوضع ليس بهذا السوء .. أحياناً يحتاج البعض فقط إلى التذكرة .. ولكن فى جميع الأحوال ليس الحل أن تملؤك الحماسة وتذهب فتفعل كذا وكذا دون أن تفكر ملياً فيما ستقول أو ما ستفعل .. فكر .. فكر جيداً .. هل تحب الله ؟

كثير من الناس إن سألتهم هذا السؤال سيزدجرون غضباً ويحمرون حنقة .. وتجحظ عيناهم قائلة "هل أنت غبى ؟" ثم تردد ألسنتهم بعض الكلمات التى تؤكد أنهم يحبون الله بلهجة تؤكد ما قالته عيناهم .. لتهدأ أيا صاحب العينين الجاحظتين وتعال ففكر معى .. ولكن رجاء .. أخرج أولاً من بيت المرايا وكن صريحاً مع نفسك ، لقد كتبت هذا الكلام بالفعل ولن أسمعك إن اعترفت بأى شيء .. درب نفسك من الآن .. وفكر معى .. هل حقاً تحب الله ؟ .. كم من الوقت تمضيه فى يومك هائماً تفكر فيه وفى عظمته ؟ كم من المرات تشتاق إليه فتقوم وتتوضأ وتصلى ركعتين ؟ كم من المرات وأنت تسجد تشعر بانك قريب جداً منه فيقشعر جسدك وتشعر كأنك فقدت القدرة على التفكير ؟ هل تحب الله حقاً كما يحب المرأ حبيبه – ولله المثل الأعلى – أم أنك تعودت على التفكير فى أنه من العيب ان نفكر فى أننا نحب الله أم لا ؟ هل تحبه حباً خالصاً وتدرك أنه أنعم عليك بغزير من النعم ؟ هل تدرك ذلك حقاً ؟ أم أنك فقط تحفظ جملة سمعتها من مدرس الإبتدائية حين قال لك أن "نعم الله لا تعد ولا تحصى" ؟ هل تدرك نعمة الإسلام إدراكاً كاملاً ؟ هل تشعر بعظمة الله شعوراً فائضاً ؟ هل تخشى من غضب الله هلعاً ؟ هل تفكر فيما يحب الله حرصاً ؟ ..... من جديد أسألك .. هل تحب الله ؟ لا عيب فى أن تعترف بأنك لا تحب الله كما ينبغى لعبد من عباد الله أن يحب من أغدق عليه بكل هذه النعم وأنزل عليه كل هذه الرحمات .. لا عيب فى ذلك .. بل واجه نفسك بالواقع واشرع فى تغييره .. تعلم ؟ .. يمكننى أن أكتب مقالاً كاملاً بعنوان "كيف تحب الله" ، ولكن تعلم أيضاً ؟ .. أنت يمكنك كذلك ، وربما سيصل كلامك إلى قلبك أسرع وأعمق مما كان كلامى سيصل ، ولكن رجاءاً لا تترك الحماسة تشتعل بداخلك الآن قائلاً داخل نفسك "بلى أشعر بأننى لم أحب الله قدر ما أحبه الان" ، فقط رجاءاً نظم تفكيرك جيداً .. اجلس مع نفسك قليلاً وفكر جيداً ، كن صريحاً مع نفسك وقل .. "هل أحب الله ؟" .. إن وجدت فى النهاية أنك لا تحبه كما ينبغى أن تفعل ، حينها فقط ستشعر شعوراً مختلفاً عما تشعر به الآن ، شعور قادر – إن نميته – على أن يغير مجرى حياتك ..

هل أنتِ محجبة حقاً .. أم تظنين ذلك ؟ إذن دعينى أسألُكِ .. هل حجابك يتفق مع الشروط الآتية ؟ "لا يصف ولا يشف وألا يكون زينة فى ذاته" ؟ .. هل الـ"body" والبنطال لا يصفان ؟ هل الحجاب الـ"Spanish" لا يكشف عن الرقبة ؟ هل الجيبة المزركشة والطرحة المليئة بالألوان ليست زينة فى حد ذاتها ؟ هل ينظر الناس إلى حجابك النظرة التى تتوقعينها ؟ دعينى أقول لكِ إلى أى أصناف الفتيات ينظر الأولاد ويمعن النظر .. ليس فقط إلى هؤلاء اللاتى تفنّن فى سرقة النظرات ، بل أيضاً إلى فتاة محجبة حجابها مضبوط ومشيتها وقور ولكن .. للأسف الشديد .. حجابها افتقد إلى الركن الأخير .. فهو زينة فى ذاته .. تعلمين لماذا أحسد الفتاة ؟ خلقها الله أميرة فى ذاتها .. وكرمها بأن يتسابق عليها الرجال ويتقدمون إلى أهلها ، فترفض هى من ترفض وتقبل من تراه مناسباً .. خلقها الله فى أجمل الصور .. ووضع بها أرقى المشاعر الإنسانية ، حتى أنه حين خلق بها ضعفاً ، جعله سر قوتها .. كرمها وصانها وأمرها بالحجاب

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب:59]

يا الله يا كريم .. أجعلت لهن مظهراً مميزاً كى نعرف منه الخبيث من الطيب ؟ سبحان الله .. وكأن هناك تكريماً أعظم من ذلك حتى تبتعدن عنه .. أختى المسلمة .. لا تجعلينى أسيء بك الظن عندما أرى حجابك .. وتأكدى دائماً أنه لا يصف ولا يشف .. وأنه ليس زينة فى ذاته ..

هل أنت صريح مع نفسك ؟ نعم هذه هى الطامة الكبرى .. لأنك لو لم تكن صريحاً مع نفسك فلا معنى لما كنت تقرأ منذ قليل .. وأرجوك لا تقل بنبرة استعجال "بلى أنا صريح مع نفسى وكثيراً ما أتحدث معها فى كل شيء" .. فللصراحة مع النفس معنى آخر ربما يختلف كثيراً عن الصراحة مع الآخرين .. الصراحة مع النفس هى أن تفكر جيداً بعيداً عن أى مشاعر قد تؤثر على تفكيرك ، حتى تصل إلى الحقيقة ، وتواجه نفسك بها .. ثلاثة مراحل .. تفصل بين الشعور والتفكير ، تفكر جيداً ، تواجه نفسك بالحقيقة .. فربما أنت تتحدث مع نفسك كثيراً دون أن تمر بالمراحل الثلاثة السابقة ، فيخالج تفكيرك بعض المشاعر ، فتظن أنك قد وصلت للحقيقة .. وحين تظن ذلك ربما تواجه نفسك بها أو تتهرب منها .. لنأخذ مثالاً .. أنت الآن تحب تلك الفتاة ، وبينكما هذه القصة الأفلاطونية للحب النزيه ، وربما هى تحبك قدر ما تحبها وأكثر .. ولكنها مثلاً لا تعلم أن لديك مرض خطير ينتقل وراثياً وربما ينتقل إلى أولادكم .. وأنت تدرك بشكل ما أنها إن علمت فلن توافق على الزواج منك .. لا تعلم أنت هل تقول لها أم لا .. ربما تفكر دون أن تعزل المشاعر فتجد نفسك تصل إلى حقيقة أنه لا يجب أن تخسرها ، وأنه ربما لن ينتقل المرض فهذه الأشياء بيد الله ، وكيف تغلق الكتاب على صفحات هذه القصة الجميلة لمجرد احتمال غير مؤكد ؟ تصل أنت إلى هذه الحقيقة متأثراً بمشاعر حبك لها وخوفك من أن تفقدها .. المشاعر لم تكن أبداً من معطيات التفكير التى يجب ان تأخذها فى الإعتبار وأنت تفكر .. فقط الحقائق يجب أن تسمح لها بأن تكون معطيات تفكيرك ، ومصيبة الحقائق والمشاعر أنهما شديدين التشابه حينما لا يكون المرأ صريحاً مع نفسه .. تعال معى نعزل المشاعر عن التفكير .. لن أفكر فى أننى أحبها أو أننى اخاف من فقدانها .. كل هذه مشاعر .. أفكر فى الحقائق .. أين الحقائق ؟ هذا المرض لن يختبئ طوال العمر .. ستعلم عنه فى يوم من الأيام .. هذه حقيقة .. المرض ليس بالضرورة سينتقل .. هذه حقيقة أخرى .. عندما قالت هى أنها لا تريد أن تتزوج رجلاً مريضاً بمرض ينتقل إلى الأولاد وأنها تشعر بالسقم من أن أباها أورثها قصر النظر .. ربما كانت تتكلم دون أن تعنى ذلك حقاً ، ربما سيختلف الأمر إن علمت أننى أنا – حبيبها الذى تتمناه – مريض بمرض سيرثه الأبناء .. هذه حقيقة أخرى .. هكذا يجب أن نفكر ، لا أقول أن المثالى أن يقول لها ، ولا أتحدث عن الصراحة بين طرفى أى علاقة ، وليس هذا مجال حديثى من الأساس .. فقط أقول أنه فقط الحقائق مسموح لها بأن تدخل تفكيرك .. حتى تستطيع أن تعبر البوابة الأولى من الصراحة مع النفس ..

البوابة الثانية .. التفكير .. تعلم أن هذه هى أقوى المراحل التى قد تمر بها ؟ هذه هى المرحلة التى يتوه فيها الكثيرون .. هذه هى المرحلة التى لا توجد طريقة مثلى لتخطى متاهاتها .. المرحلة التى أقول لك فيها بكل صدق "الله معك" .. ليس لأنها أصعب المراحل ، فهى أقواها لا أصعبها .. أقواها لأنها تتطلب قوة وجهداً كبيرين .. وتشعر بعدها فى الغالب بشعور شخص كان يجرى لساعات فى حر الظهيرة دون أن يتوقف لحظة ليشرب قليلاً من الماء .. ولكنها ليست أصعبها لأنها ليست فى صعوبة البوابة الثالثة .. مواجهة الحقيقة.

كثير من الناس يخشى مواجهة الحقيقة .. لذلك يستمر فى التيه فى المرحلة الثانية دون أن يعلن لنفسه أنه قد وجد الحقيقة .. يخشى أن يواجهها .. يخشى أن يواجه حقيقة أنه يستطيع فعلاً الحياة بدونها .. يخشى أن يواجه حقيقة أن الشيطان أضعفه .. يخشى أن يواجه حقيقة أنه لا يحب الله كما ينبغى له أن يحبه .. تخشى مواجهة حقيقة أن حجابها غير مطابق لأحد الشروط أو ربما إثنتين .. يخشى مواجهة حقيقة أنه لم يكن صريحاً مع نفسه فى كثير من الأشياء .. وأنه ربما عليه أن يعيد التفكير فى كل مسلماته ومعتقداته الشخصية .. لا ترتعد إن وجدت أن أحد مسلماتك تختلف والحقائق التى وصلت إليها .. فالمسلمات ما هى فى الحقيقة إلا أفكار اقتنعنا بها لسنين طويلة .. وارد أن نكتشف خطأها بعد فترة .. واجه نفسك بالحقيقة قبل أن يواجهك بها القدر .. فالحقيقة حقيقة اقتنعت بها أم لا .



والآن .. ماذا بعد ان واجهت نفسك بالحقيقة ؟ فى الواقع لكل شخص إسلوبه الخاص جداً فى التعامل مع الحقائق .. البعض يرسلها لشفتيه فتمتعض أو تنبسط أو ربما يقول "سبحان الله .. الدنيا دى غريبة" ثم يطرد الفكرة من رأسه تماماً .. والبعض يرتجف من الحقيقة ويشعر بالتهديد .. مسلماته فى خطر .. خطر من الحقيقة التى وصل إليها بعد تفكير عميق ومتأكد هو من صحتها .. وهنا ينقسم هذا البعض إلى قسمين .. القسم الأول وهو الأقل وطأة تشتعل بداخله الحماسة فيذهب ويفعل ما يراه صواباً أو شيء من هذا القبيل .. ويغطى مسلماته بأفكاره المشتعلة والتى سرعان ما تبرد وكأننى كنت أكتب هذا المقال لأملأ وقت فراغى مثلاً .. ويعود كل شيء إلى سابق عهده .. الأفكار المشتعلة تبرد وتنطفئ وتظهر من تحتها مسلماته التى كان يعلم هو أنها خاطئة .. والجميل فى الأمر أنه يندم على أنه قد فكر من الأساس فى المساس بأحد المسلمات التى – قد يبدو أن – التفكير فيها عبث كبير ، القسم الثانى مصيبته مصيبة .. حين يشعر بالتهديد على مسلماته يلعن كاتب المقال – شكراً جزيلاً على اللعنة – ويقول فى سره "ده جنان ده ولا إيه" ثم يترك كل ذلك ويعود إلى حياته مطمئناً على مسلماته محبوساً داخل أفكاره ..

أتمنى أيا قارئ المقال أن تكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .. فكر جيداً فيما قرأت ، قد أكون محقاً فى وجهة نظرك وقد أكون مخطئاً ؛ فإن ما كتبت هو مجرد نتاج ما توصل إليه تفكيرى الذى أظننى كنت عازلاً فيه مشاعرى عن أفكارى ، وقد أزعم أن هذه هى الحقائق التى وجدتها وواجهت نفسى بها ..