تذكر عندما تعلمت القراءة لأول مرة؟ تذكر أول مرة أمسكت فيها مجلة "ميكى" وبدأت تتعرف على تلك الخطوط السوداء الرفيعة داخل البالونات البيضاء فى كل صورة؟ تذكر أختك التى تكبرك بأعوام وهى تضحك فرحاً وهى تتابعك تقرأ بصوت مسموع وسط أبيك وأمك؟ تذكر أول مرة أمسكت بالقلم الرصاص وقطعت ورقة من كشكول "الحساب" وكتبت فيها بخط كبير "بحبك" وإمضاء صغير بجانبها، ثم وضعتها خلسة فى درج زميلتك فى الفصل؟ تذكر "ميس نجوى" وهى تلقى خطبة فى الفصل عن أننا ما زلنا صغاراً أن نفكر فى مثل هذه الأشياء بعد أن أعطت لها زميلتك الورقة ..
نحن نعشق الذكريات لأنها تذكرنا كم كنا أكثر براءة .. نعشقها لأنها تمسك بألوان الطيف ، وترسم فوق حاضرنا الأليم ابتسامات طفل وضحكات أهل ومغامرات أصحاب ، ثم تكسو شقوق نفوسنا الهرمة عسلاً من رحيق زهور جرّفت أراضيها منذ زمن بعيد .. زمناً كنت فيه الأفضل ، الأوحد ، أقصى طموحاتك سهلة وأعتى مشاكلك لها أكثر من حل .. زمناً كنت ترى العالم من خلف أبيك وأمك .. زمناً حاولا فيه أقصى جهدهما أن يواريا عنك سوءات العالم ، ويغرسا فيك قيماً تنفعك عندما تضطر يوماً أن تواجه هذه السوءات وحدك!
تذكر وفاة أبيك؟ تذكر عندما شخت فجأة؟ تذكر "بس أنا بحبك زى أخويا"؟ تذكر أول "صفر" فى الكلية؟ تذكر بكائك خلف جنازة صديقك الذى قتل على يد قوات الاحتلال المصرية؟ تذكر ذلك الشيخ الذى احتضنك وأنت تصرخ "قتلوه لــــــيـــــــه!!" .. تذكر عندما شخت فجأة!
لم أتخذ يوماً فى حياتى قراراً أتمنى الآن أن أعود فأغيره ، بل على النقيض ، كنت دائماً وظللت حتى هذه اللحظة مؤمناً بأن أخطائى رسمت حاضرى أكثر مما فعلت صواباتى!! وإذا كنت أحمد الله على ما رزقنى ، فمن غير المنطقى أن أتمنى آلة الزمن لأعود بها .. تعلم .. أتمنى حقاً آلة زمن ، أعود بها فأزور أياماً بعينها .. ساعات بعينها .. لحظات مرة مرت على زمانى وكأنها نصف الدهر .. أزورها كما المريض يشتهى نسمة عليلة أو لحظة بلا سقم يرتاح فيها من ألم .. على الرغم من ألمه ، فأيوب ملهمه ومثله الأعلى .. لا يدعوا الله أن يكشف عنه غمه ، فهو يبصر البسمة فى محيا صديقه الذى قُتل ، ووطنه الذى سُرق ، والعزة فى ولده الذى أبى أن يولد فى وطن لا عزة به!!
تسألنى عن حبى لوطن يحكمه كلاب ويؤيدهم عبيد وأسوده مكبلين أو فى عليين؟ لست خائناً ولا جفت دمائى ، لكن الوطن مات ولم يتبق منه سوى أحجاراً متهدمة وصوامع خالية وكلاباً تعوى فى أرجائها .. لم يعد وطنى ولم أعد إبنه .. متبرئ منه إلى يوم يبعثون
مات الوطن ولم يكتب وصيته .. مات الوطن ولم يعد الإعتراف بالهزيمة ذنباً ولا تواطؤاً .. مات الوطن وماتت ثورته التى لم تولد .. مات الوطن ودفع الآلاف حياتهم ظناً منهم أنه لم يمت بعد .. مات الوطن ورحم الله أرواح من لعلهم كانوا على بصيرة بمنابع أمل لم يعرف طريقها غيرهم .. مات الوطن وماذا نقول لأبنائنا عندما يكبرون ويسألون وعن سوءاتنا يكشفون!؟ أشمتانون حاقدون أم مغرورون ساذجون!؟ أسكارى ضاحكون أم ساكنى السجون!! لا تتهمنى أخى بالجنون .. فالوطن قد مات وملأ فؤادى بالشجون!
