من بين كل تلك العناوين .. تقرأ هذا ؟
على خط النار
تلك الغرفة بأعلى القصر
ثم تسمعينه يلفظ ناراً .. فتنظرين برعب نحو النافذة الموصدة .. احترقت العصفور .. وتناثرت دماؤها على النافذة الموصدة .. وتنتبهين فإذا بوعيك قد فقدتيه .. وإذا بوقتك قد أمسى كالسياف يذبح السعادة كل ساعة وساعة .. تحترق أعصابك كلما سمعتِ ناراً يلفظها ، وتتناثر آلامك كلما تذكرتى منظر العصفور البريئة ..
تابعتُ كل ذلك من بعيد أى حبيبتى وأنا أخطط لقتل ذلك التنين .. حتى سمعت صرختك فى تلك الليلة عندما تيقظتِ لتجدى دماء العصفور ما زالت على النافذة ، وأن ما فات لم يكن مجرد كابوس .. وأنكِ لا زلتِ حبيسة .. حينها قلتها فى قرارة نفسى : "الهجوم .. الليلة"
التنين لا ينام .. فقط ينظر يميناً ويساراً ويلفظ دخاناً من حين لآخر .. أحياناً يلفظ النيران إذا لمح أو شك أنه قد لمح شخصاً ما أو شيئاً يتحرك بالقرب من قصر الحبيبة .. استجمعت قوتى واستحضرت صورتك فى مخيلتى ثم عقدت العزم وبدأت الخطة ..
ما زال هناك عابد
خزانة الذكريات
أخذ العجوز يقلب الذكريات يميناً ويساراً و ... ما لبث بصره أن وقع على هذه الذكرى فى ذلك الركن البعيد الملئ بالذكريات الحزينة .. الغريب أن هذه الذكرى لم تكُ حزينة .. هذه الذكرى كانت كمثل شمعة مضيئة أنارت حياته فى هذه الحقبة القصيرة من الزمن ..
ابتسم العجوز ثم قهقه .. ثم كاد أن يوقعه الضحك أرضاً لولا أن يداً أمسكت به فأسندته .. استدار العجوز مبتسماً وناظراً إلى صاحب اليد وكأنه يعرفها .. "أنتِ مرة أخرى ؟" .. استحالت أرض الغرفة جنة من جنان العشق والسقف سماءاً صفية من صفاء الحب .. "وسأظل أنا .. أنا وحدى" .. "ألا اكتفيتِ بهذيانى .. طوال شيبى وريعانى ؟" .. "بلى لكنك الآن فى قلبى .. فى عالمى .. وفى عالمى أنت أضعف من أن تقاوم" .. "صدقتِ" قالها وابتسم .. ابتسم بشفتيه الشابتين ، وارتاحت ملامح وجهه النضرة .. وامسكت بيدها يده القوية وقبلتها وقلبتها وقبلتها مجدداً .. ثم نظر الشاب لعينيها وقال "رحم الله روحك الندية ، وجمعنا سوياً فى جنة الخلد" .. تنهدت الأميرة الشابة وقالت فى حياء حور العين "آمين" ... أغمض العجوز عينيه وفتحهما .. ليجد نفسه لا زال جالساً على مقعده المريح .. تحسس بيده المرتعشة جيب جلبابه الرمادى فإذا بذلك المفتاح الحديدى .. ابتسم العجوز للحظات ، ثم عاد إلى تأمل السماء .
أصدق العشاق

وبين ذاك السلام النفسى ، ترى طفلتين صغيرتين تتقاذفان الرمال .. ثم تتسابقان إلى البحر ، ويقذفا بجسديهما الصغيرين بين أمواجه الصغيرة .. على مقربة من ذلك الشاطئ الناعم .. الذى صار يلمع كسطح مرآة ملكية
هدأت إحداهما واستقرت على مقربة من أهلها .. تحفر فى الرمل رسماً لم أتبينه ، ثم أسرعت ونادت قرينتها لتريها ماذا رسمت .. غارت قرينتها وذهبت .. ثم عادت ومعها نسخة بلاستيكية مصغرة من أدوات الحفر .. وبدأت تبنى قصراً من الرمال
تميزت الفتاة من الغيظ وصارت تسكب المياة على قصرها كلما ارتفع قليلاً ، فتغتاظ الأخرى وتجرى ورائها كثيراً .. حتى ان تتعب وتعود لتبدأ من جديد
ولكن الفتاة تعود من جديد مع دلو آخر من الماء ..
مرت الساعات وأنا أراقب هاتين الطفلتين ممسكاً بوردتى الحمراء أداعبها بين أناملى وأنفجر ضحكاً كلما جريا سوياً ، أو كلما رأيت تلك الصغيرة تبنى بصبر قصر الرمال التى قررت منذ البداية إنهاؤه اليوم .. قبل العودة
إزداد الزحام بعد ساعات حتى ما صار الجو نقياً ، أو الرمال ذهبية .. إلا أن صوت البحر صار يدغدغ أذنى ويجبرها على النوم على شاطئ البحر الأزرق
لم يكُ النوم سهلاً بين ذلك الزحام وأصوات البشر والباعة الجائلين .. وكذا لم يكُ الإبتعاد عن البحر سهلاً فى يوم مثل هذا ..
مالت الشمس إلى الغروب ، ومال البدر إلى إستعادة مجده الذى قد سلبته الشمس منذ ساعات .. وكذا انتشرت الظلمة رويداً رويداً ، وكأنها تأبى إلا الموت البطئ لنهار سلبها ملكها .. وكأنها سيدة الكون بلا منازع
بدأ البشر بالرحيل ، وبدأ الشاطئ يعود إلى الصفاء .. واتسع الأفق من جديد لأتابع قرص الشمس يأخذ نفساً عميقاً .. قبل أن يغطس فى مياه البحر
وأخيراً اختفى قرص الشمس .. ولكن ضوء الشفق الأحمر لا زال يلمع فى الأفق .. قمت من مكانى وذهبت أسير فوق الرمال .. تلك التى كانت مليئة بقمامة رماها هؤلاء وحفرة حفرها أولئك ألطفال ، وبعض القصور الرملية المتهدمة التى عكرت صفو وجمال المنظر
توقف إتصالى بالواقع وصرت أرى خيالات من الطبيعة ، رأيت الشاطئ يبكى .. يبكى ويبكى إلى أن تتحرق رماله .. والبحر يبتئس ويقول فى أسى :
"لا عليك أيها الحبيب .. سأساوى رمالك وأنظفها .. وأداوى جراحك وألطفها"
ثم أشعر بأمواج البحر تقترب رويداً رويداً .. وتأخذ برقة كل ما يؤذى العيون .. ثم تعود .. فتخفى بداخلها كل ذاك .. ثم تقترب رويداً .. وتسوى تلك الرمال التى علت وانخفضت .. وتعود فإذا بمرآة ملكية عادت من جديد ..
همس الشاطئ فى خجل :
"الحب كل الحب أجده فى مياهك العطوف .. أنّى لى أن أرد لك المعروف ؟"
يهدأ البحر قليلاً كأنما يفكر .. ثم يعود فيلقى بوردة حمراء
ثم تأتى موجة أخرى .. يعقبها صوت البحر يقول :
"لا تشكرنى يا أصدق العشاق ، يا من تحملنى فوق رمالك منذ قدم الدهر"
فأرى رمالاً تتطاير طرباً .. ممسكة بتلك الوردة ، وأسمع هديل رياح تداعب تلك الرمال
ثم وكأن الرمال تنطق من جديد وتقول :
"وماذا يكون صنيعى ، بجانب صنيعك يا شافى جروحى ؟"
ولا زالا أصدق عشاق الكون يتغازلان حتى .. أدركهما نور الصباح .. فسكتا عن الكلام المباح
ومرة أخرى .. عادت قطرات الندى .. تهرب من نسيمات فجر جديد
النوم مع الذئاب
ورقة شجر (خاطرة غزلية)
إلى عالم مرسوم رحلت ، على أرض إختفت تحت أوراق الكافور جلست .. وفوق الأوراق المتساقطة فى خريف مرمرى وضعت ألوانى وفرشاتى .. وبين ورود اكتست ثياب الندى ثبتُّ لوحاتى ومنضدتى .. ثم على ريح عنبرى استيقظت حواسى ولفتاتى .. ثم على صوت عطر شجىّ - يمشى مختالاً بين نسمة وأخرى مفتوناً بهيام الأزهار به – ارتقت روحى إلى عالم آخر .. أكثر نقاءاً وصدقاً ..هناك حيث شجيرة الكافور .. جالت رفيقة الدرب فى خاطرى .. فاشتعلت الفرشاة حباً وصالت فى لوحة بيضاء فرسمت وردة ندية ، لديها من الأشواك ما لديها .. ولديها من رائحة العطر الأحمر ما يكفى العالم ليتحرر من الشقاء .. رائحة وُلِدت بين الألوان
ثم حار فكرى .. ما هذه حبيبتى .. الوردة تشوك ممسكها ، وتفتح أحضاناً لكل النحلات .. فما من وردة قد أحبت فأخلصت .. ولكن وردتى أطهر من ذلك وأصدق ..
خجلت الفرشاة منى .. واحمرت اللوحة اعتذاراً ثم سقطت الألوان عنها .. وسرعان ما دارت فرشتى ترسم أشياءاً .. ما هذا الأزرق الكثيف ؟ ليس كثيفاً جداً .. ما هذا الجزء الذى ترك باللون الأبيض ؟ هل تلك صَدَفة ؟ إنها مفتوحة .. لؤلؤة ؟ هل ترين حبيبتى لؤلؤة ؟ يا للروعة .. إنها لؤلؤةٌ مزجاة .. تراها تنير من بين الألوان .. ذلك اللون الرمادى بجانبها لا أراه الآن .. إنها تنير حقاً .. ولكن لا يا فرشاتى .. إن اللؤلؤة قد لا يشعر أحد بوجودها .. وقد تمضى حياتها دون أن يكتشفها أحد .. ولكن الحبيبة ما أن طأت أقدامها مكاناً .. شعر الجميع بالسعادة .. إنها السعادة التى لا تعرف كنهها ما لم تشعر بها .. إنها السعادة التى لا يستطيع وصفها حتى من عايشها .. لأنه ببساطة لن يجد الكلمات .. إن حبيبتى إن لم تلفت الأنظار فإنها وببراعة .. ترسم تلك الإبتسامة على شفاه الجميع .. يكفى أن تبتسم فى حياء .
احمرت الفرشاة مرة أخرى وشعرت بذنبها .. ثم هامت اللوحة حباً فى حبيبتى وخارت قوى الألوان فيها .. وسقطت تتلوى أسفاً .. عفواً فرشاتى .. إن حبيبتى أجمل من ذلك وأصدق ..
التفتت الفرشاة حولها كمن يبحث عن شاه أضلت الطريق .. ثم اهتزت فى سعادة وبدأت تخط خطوطاً خضراء ، وأخرى بنية اللون .. ثم رسمت ورقة خضراء .. تتلمسها قطرات من ندى العشىّ .. لامعٍ فى ضوء الشروق الخافت .. ثم توقفت فرشاتى تتلمس ابتساماتى .. فرحت كثيراً وخطفت اللوحة .. ثم رحت أتقافز فرحاً بين الأزهار .. هذه هى حبيبتى .. ماذا من الممكن أن يكون أكثر صدقاً من ورقة خضراء ؟ بل ماذا من الممكن أن يكون أطهر من قطرات الندى ؟ قطرات البركة الإلٰهية التى تغمر الكون عندما يؤذن من يؤذن "الله أكبر الله أكبر" .. الله أعظم الله أبدع .. كون جميل أهدانى أجمل ما فيه .. يا لكرم أكرم الأكرمين .. أيكفينى عمرى وعمران فوق عمرى لأشكر تلك النعمة فقط ؟
أفقت من شرودى فرأيت رفيقة الدرب .. لا والله ليست ورقة خضراء ندية .. بل هى أطهر من ذلك و .... أصدق
هل كنت تتحدث ؟ عذراً .. لا أهتم
لذلك تعودت دائماً ألا أقول (فلسفة) ولكن أقول (فى فلسفتى الخاصة) ، لإيمانى الشديد أنه ليس كل ما يتوافق مع فلسفتى يتوافق مع فلسفة الغير .. كفانى هراءاً .. لأدخل فى صلب الموضوع ..هنا سأعرض جزءاً من فلسفتى الخاصة ، التى من الممكن أن يقبلها البعض وينفيها كثيرون .. ليست مشكلة أبداً
لننظر إلى شخصين .. شخصين عاديين تماماً ، بلا أية علامات مميزة .. مجرد شخصان يتحادثان ، ستلاحظ وبسهولة أن أحدهما يتحدث كثيراً ، والآخر يستمع أغلب الوقت ، ثم ما يلبث ذلك الصامت أن يتحدث حتى يقاطعه الآخر - وأحياناً يقاطعه تأييداً لما يقول - ويكمل على كلامه فيصمت الصامت مرة أخرى ليعود المتحدث الرسمى ليبث نشرة أخبار التاسعة ..لا يفكر أحد أبداً بماذا يشعر ذلك الصامت .. عذراً سيدى فمهما كان كلامك ممتعاً .. أظن كلامى كذلك ، هذا هو أقل ما يدور فى الذهن حينها ..يعود الصامت إلى الصمت ، ويحاول من حين لآخر أن يتحدث ، فيجبره الآخر على السكوت .. والتزام مقعد الصمت خاصته .. إما بمقاطعته من حين لآخر ، أو بالسكوت التام .. يقاطعه بالسكوت ؟ أى نعم .. عندما يتحدث الصامت للمرة الأولى فإنه يجد صعوبة فى ترتيب أفكاره .. فيحتاج إلى من هو يقظ معه .. يفقد الصامت كلمة فيقولها له فيستجمع الصامت قواه ويكمل ما كان يقول .. أما إن صمت المتحدث فإن الكلمات تهرب من ذلك الصامت .. ويعود مجدداً إلى صمته ، بل إنه أحياناً ما يتوقف فى منتصف الحكاية .. ويكون واضحاً أنه لم يكمل حديثه بعد .. فما يكون من المتحدث إلا أن يتابع ما كان يقول قبل ذلك ، أو يتذكر موقفاً آخراً ، أو يعلق على موقف وليد اللحظة .. وكأن كلباً لم يكُ ينبح منذ لحظات .. فيعود الصامت إلى جعبته ، ويغلق عليه مزيداً من الأبواب
هل هذا هو حال جميع من يتحدثون ؟ لا بالطبع .. قلت فى البداية شخصين عاديين بلا أية علامات مميزة ، يتميز فى ذلك من وصلوا إلى المنتهى .. ومن وصل إليه ؟ مجرد قلة ، ولا زال غالبية البشر كذلك ..أنت يا من تقرأ .. أنظر إلى نفسك وأصدقائك .. مَن مِمَن تجالسهم وحدك أحياناً لا يعانى منك أو لا تعانى منه هذه المشكلة ؟ إن كانت الإجابة هى (لا أحد) فلسوف أكسرن القلم .. وصل القليل إلى ذلك المنتهى ، وحول ذلك المنتهى يطوف الكثيرون ..
أتعلمون إين العطب ؟ إنه فى دائرة الحديث .. دائرة الحديث للأسف الشديد لا تسع إلا متحدثاً واحداً ، لذلك هى من نصيب المتحدث الأوفر ذكاءاً والأحضر أفكاراً والأكثر لباقة بين الحاضرين .. زد العدد .. لنأخذ مجموعة من الأشخاص .. أصدقاء مثلاً .. تجد أيضاً شخصاً واحداً يحتكر الحديث .. هناك ذلك الشخص الذى يتجه إليه الجميع بأعينهم وأفئدتهم وهم يتحدثون .. هذا الشخص الذى أتجه إليه فى الحديث عندما أحب أن أحكى قصة ما على الحضور .. قطعاً سيستمع إلىّ الجميع إن أثرت إنتباه ذلك الشخص .. يقترح أحدهم فكرة .. فلا سمعه الكثير ، ويسمعه البعض .. الذين يخشون أن يخرجوا عن حلقة الضوء .. فيتركونه وما قال وراء الحائط ، ثم يعود المقترح إلى شد انتباه ذلك الشخص .. فينتبه .. فيردد المقترح فكرته .. أعجبت الشخص فرددها .. فسمعها الجميع لأول مرة ، بل ويهنئونه على تلك الفكرة الرائعة .. يا للمفاجأة .. أين كانت كل تلك التعبيرات عندما كان ذلك المقترح يتحدث ؟ هل هو داء الصمم الذى آذى البشر ؟ أم هو الخوف من الخروج عن حلقة الضوء ؟ أم هو ذكاء المتحدث الرسمى للمجموعة ؟ أم هو قلة احترافية المقترح ؟ فى فلسفتى الخاصة .. أظنها الخوف من الخروج من حلقة الضوء
يسعى الجميع دائماً إلى التواجد حيث يوجد النور .. حيث يوجد الظهور .. حيث تُسرَق الأنظار ، وتشد الإنتباهات .. هذا هو المنتهى .. حلقة النور حيث يسمعك الآخرون حين تتحدث ، حين يضحك الجميع على طرفتك الأخيرة رغم أنها ليست مضحكة للدرجة ، تلك الحلقة التى تصنع أبطالاً زائفين ، وتهدم القيم ، وتبنى الجدر ، وتزرع الخجل فى أراض خصبة ..
المتسول الصغير
جلس الصبى يفرك أصابع قدميه الحافيتين بيديه المثلجتين ، قميصه المرقع وعيناه الرفيعتان والهواء القارص اتخذوا جميعاً ذات الزرقة لوناً موحداً .. أصدرت لفحة من الهواء البارد فحيحها بين أشجار الزيتون ، تلك الأشجار الدافئة التى قد صبغتها الزرقة أيضاً .. جلس الصبى مستنداً إلى تلك السيارة فى طريقه الفارغ ..ترقرقت دمعته الأولى .. تثلجت .. فتبعتها أخرى .. تثلجت قبل أن تتجاوزها .. ثم ترقرقت الثالثة فى عينيه .. إلا انها أشفقت على نفسها من البرد بالخارج .. فآثرت البقاء .. ظلت فى عينيه مترقرقة لامعة بضوء السماء الخافت ..لاح ذلك العجوز فى أفق الأمل .. طريقه الفارغ .. تقدم العجوز من الصبى متأملاً .. ترقرقت الثالثة أخيراً فهطلت على شفاه جافة متشققة و .... زرقاء ، فاعتدل الصبى أدباً ناظراً إلى العجوز .. حانياً تقدم العجوز .. وأخرج محفظة أوراقه ، قام الصبى متلمساً أجزاء السيارة إلى أن وقف .. نظر العجوز بحسرة إلى محفظته الخاوية وباعتذار إلى الصبى .. فما كان من الرابعة إلا أن ترقرقت .. ومن العجوز إلا أن تحسر ، التفت العجوز ومضى غريباً كما أتى ..لم يمضِ بعيداً .. اقترب من تلك الماكينة فى الشارع المقابل .. أخرج تلك البطاقة من جيبه ووضعها فى آلة الصرافة .. أصدرت الآلة تكتكتها التى بدت متزامنة مع صوت أسنان العجوز الباقية .. تخيل العجوز تلك الفرحة التى سيشعر بها الصبى .. ثم ابتسم ونظر إلى ذلك المطعم .. قاوم العجوز ابتسامته ونظر إلى الورقة فئة المائة جنيه فأخذها ووضعها بجيبه الخلفى ثم أمسك بطاقته واخرجها .. وضع بطاقته فى محفظته ثم ابتسم كثيراً ..نظر العجوز خلفه فوجد الصبى يهرول مبتعداً .. فاستحضر العجوز أن من هم بحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة .. ثم هم بالمضى ..
أما هناك على الجانب الآخر من الطريق .. وعلى مقربة من نهايته .. كان هناك ذلك الصبى .. يحمل تلك الورقة فئة المائة .. ويطير بها فرحاً ..
ثم
خانته اللفحات
و
طارت الورقة
..
الضبع الأسود
ليس الآن
نظرت إليه بتلك النظرة البلهاء خاصتى وقلت له "ليس الآن" ..
كنت فى ذلك اليوم أرتدى زياً مدرسياً رمادى اللون وأحمل على كتفى حقيبة ظهر سوداء محاطة برسومات عجيبة لم أفهمها يوماً ولم أكُ أكترث لذلك كثيراً ، لونها ظريف وسعتها كبيرة وتسع كل الكشاكيل والكتب التى .. لا أحضرها أبداً ؛ لذا فهى الأفضل .. بغض النظر عما سوى ذلك .فى مثل هذا اليوم كنت أحمل - إضافة إلى الحقيبة السمراء - تلك الحقيبة الحمراء الصغيرة .. ذات اليدين القماشيتين والرسومات البارزة التى تحمل شكل حزمة من الورود بين يدى فتاة حسناء مرسومة بدقة .. تشبهها كثيراً .. ها قد أتت ، حقاً إنها تشبهها !نظَرَتا عينيها الرقيقتين بحدة إلى صديقاى اللذين أبيا إلا أن يصطحبانى إلى مدرستها .. اصطنعت الغباء وأشرتُ إلى تلك الحسناء هناك وقلت فى فخر أحمق : "هذه هى .." فابتسم أحدهما فى بلاهة أكثر حماقة وقال "ليست بفارهة الجمال للدرجة" وتابع الإبتسام فى بلاهة غريبة لم أر مثلها قبلاً ، فنظرتُ إليه تلك النظرة الحادة التى لم يلحظها ؛ لأن الآخر كان قد جذبه من يده بخفة وتواريا داخل أحد الأزقة .. بينما كانت الملكة تتقدم فى بطءٍ مهيب .. تمشى الهوينى كما يمشى الوَجِى الوَحِلُ ."كل عام وأنتِ حبيبتى" قلتها وثغرى يتسع ابتساماً ثم أظهرت الحقيبة الحمراء من خلفى وأهديتها إياها ، احمرت بشرتها خجلاً ثم مدت يدها فى زمن طويل نسبياً - حوالى نصف دقيقة - فقط لتتناول الحقيبة وتنظر بداخلها .. ! انتشت ابتسامتها ثم مدت يدها فى بطء مماثل وأخرجت يدها حاملة ذلك الـ (دبدوب) الأحمر المكسو بشئ يشبه الفراء إلا أنه أكثر نعومة .. رغم أنها كانت تعشق مثل هذه الأشياء إلا أنها - هذه الأشياء - كانت ولا زالت تبعث فى جسدى قشعريرة بلهاء عندما ألامسها ! فطلبت من البائع أن يضعها لى فى هذه الحقيبة ثم أمسكت الحقيبة من أعلاها وجئت بها إليها .. لم أخبرها بكل تلك القصة بالطبع ، فقط اكتفيت بـ "كل عام وأنتِ حبيبتى" التى قد اقتبستها من (كاظم الساهر) وبالـ (دبدوب) ذى الفراء الأحمر ..تبادلنا الحديث لفترة بسيطة لم تتجاوز الساعة على ما أظن ، إلا أن هادم اللذات الأبله هذا - هاتفى - قد بدأ حينها بالرنين .. أخرجته - وكلى ثقة فى سوء حظى - ونظرت إلى المتصل لأجده هادم اللذات الآخر - صديقى الأبله - يرن لى ، رفعت بصرى لأجده فى آخر ذلك الزقاق يشير لى بأن أذهب فوراً فنظرت له بتلك النظرة البلهاء خاصتى وقلت له "ليس الآن" ، لم يسمعنِ بالتأكيد إلا أنه بالتأكيد كان قد فهم الإشارة ..بدا بعدها بلحظات أنه لم يفهم الإشارة ؛ فها قد عاد الهاتف إلى الرنين وعاد معه هادم اللذات - صديقى الأبله - يشير إلىّ من جديد .. نظرت له نظرة حانقة - فلم يلحظها أيضاً نظراً للمسافة - ثم أغلقت الهاتف تماماً ورحت أكمل الحديث القصير الذى دار بيننا .. كان قصيراً فعلاً ، إلا أن يداً عابثة أبت إلا أن تفسد اللحظة وتعكر صفو اللقاء ، يداً عابثة قررت أن تقطع الحديث بسيل من السباب والعواء ، يداً عابثة جعلت بصرى يهتز كما تهتز زجاجة الدواء ، يداً عابثة ارتفعت فى الهواء ثم استقرت على ... على ... لنعتبرها رأسى وكفى !أدرت بصرى المهتز إلى صاحبة اليد الرقيقة - مجاملاً - فرأيتها .. لا لم تكن رقيقة على الإطلاق ، ارتفعت اليد مجدداً فارتعشت أصابع قدمى .. ثم هوت - اليد - بسرعة مخيفة على كتف الملكة .. خلال لحظة ونصف اللحظة وما أن ارتفعت اليد عن كتفى ، كنت أبعد عن مكان الحادث أكثر من 50 متراً .. وقدماى تتسابقان فى خفة ورشاقة !!
آخر ورقة
للمرة الأولى أتحير هكذا قبل أن أسطر هذه السطور .. أنظر بحب إلى فنجان القهوة وأبتسم ، ثم إلى الورقة البيضاء والقلم فى يدى وأحاول الكتابة وكأننى أكتب مذكراتى للمرة الأولى ، فأتوقف وأرشف مزيداً من القهوة الساخنة لتصيب لسانى بلسعة حارة أتأوه منها .. إلا أن الإبتسامة قد أقسمت ألا تفارقنى ! يا للعجب ..ها قد أتت مشتتة أفكارى مرة أخرى ، تنظر إلى عيناى بعينيها الحانيتين وتصدر ذلك الصوت .. تلك الدندنة الرقيقة التى تقلد بها (أوبريت) "بحيرة البجع" ، صحيح أن بحيرة البجع تختلف تماماً عما تقوم به مشتتة أفكارى ، إلا أنها بالتأكيد أعذب وأنقى مما عزفت به أعظم الفرق الموسيقية فى العالم .. توقفت عن الكتابة حتى ذهبت الحسناء ثم رحت أعبث بقلمى الأسود ليخط تلك الخطوط المنسقة كى تكون أشكالاً يراها الآخرون فيدركون فيما كنت أفكر بينما كنت أسطر هذه الخطوط .. غريبة هى فلسفة الكتابة ! مذكرتى الغالية .. ليس هذا ما جئتكِ كى أخبركِ إياه .. إننى فقط أستقطع مزيداً من الوقت ، مذكرتى .. لقد تزوجت منها أخيراً !
أنظر بحنين إلى ذلك الصف الكبير من الـ(أجندات) ، خمسة عشر (أجندة) تحكى قصة خمسة عشر عاماً من حياتى منذ أن كنت فى العاشرة من العمر حتى هذه اللحظة ، تلك المدة الطويلة التى عانيت فيها من العزلة الشديدة .. رأيت خلالها الحياة ترسم من حولى قضباناً نفسية من همس السكون .. اتجهت إليكِ - مذكرتى - كى تعينينى على الصمود .. استمعتِ لأفكارى وهو ما كنت أحتاجه حقاً ، لم تقاطعيننى أبداً ولم تسخري منى .. لم تشعريننى يوماً بأننى أثقل كاهلك إذ كنت أجدكِ دوماً وقتما احتجت إليكِ ، كنتِ لى العون حتى تخطيت العديد من العقبات .. طالما حكيت لكِ عن حبى لها ولم أشعر يوماً بغيرتك منها .. ربما لم تعلمى قبلاً أنها ستطلب منى أن أعتزلكِ إلى الأبد .. ولشد ما كان هذا صعباً علىّ ، فعارضتها مراراً وحكيت لها عن تاريخى معكِ وحياتنا الخاصة التى لم يقتحمها أحد قبل ذلك .. إلا أنها شعرت بغيرة منكِ .. وطلبت أن أختار ! عذراً رفيقة دربى .. لقد اخترتها !
أعدكِ ألا أنقطع عنكِ .. ففيكِ سأدون عن حبيبتى أشعاراً ، وبين طياتكِ سنمرح وحبيبتى نتذكر الماضى وأحكيه لها .. وفوق صفوفكِ سأضع صورة زفافى ومشتتة أفكارى !صحيح أننى لن أحتاج لدفتر مذكرات بعد الآن .. إلا أننى مدين لكِ بالشكر .. لأنكِ أعنتنى حين لم يكُ يستمع إلىّ سواكِ .. والحال قد تغير الآن ! عذراً .. لن أفتقدكِ ما دامت حبيبتى حية ترزق . أتمنى لكِ التوفيق .. فتمنيه لى أيضاً .
"عذراً حبيبتى ، سأذهب بعيداً .. لن ترينى مرة أخرى ولن أحدثك بعد ذلك مهما بلغ الأمر منى الجهد ، سأذهب لأخرى .. أجمل منكِ .. وأعقل منكِ .. سأحدثها حينما تغلق الدنيا أبوابها ، وأحدثها بأعذب الكلمات وتحادثنى بأرق الكلمات ، ستستمع إلىّ .. وتشاركنى التفكير .. لن تستمع فقط كما كنتِ تفعلين .."
يبكى ويضحك .. فى الثالثة من العمر
سرعان ما أتى الرجل وقدم لأبى زجاجة المياة "دافئة كما طلبت سيدى" فأردف والدى "شكراً جزيلاً لك" ثم نظر لى وتحدث فى صوت منخفض "هل يكفى جنيهين ؟" فأومأت برأسى وابتسمت ، فلم يفعل الرجل شيئاً سوى عمله ، ولكن شخص مثل أبى لا يفكر بمثل هذه الطريقة التى أفكر بها .. فهو شخص مهذب وأكثر احتراماً . بدأ أبى يشرب الماء الدافئ على جرعات صغيرة متتالية ويتأهب نفسياً لإجراء الأشعة المقطعية بينما رحت أنا أتابع ذلك الولد جميل المحيى ، إلا أن صوت الممرض شرع ينادى "عبد الرحمن أحمد" .. "عبد الرحمن أحمد" .. فحملت الأم ابنها وأنزلته على الأرض وسحبته بهدوء إلى غرفة الأشعة ، بينما رحت أتخيل زوجتى - المستقبلية - تنجب لى طفلاً فى مثل هذا الجمال فلا أكف عن مداعبته حتى تكرهنى أمه ! ويا حبذا لو سمى "عبد الرحمن" .. فأنا أعشق ذلك الإسم ، فإسم "الرحمن" من أجمل أسماء الله الحسنى فى عينى وأقربها إلى قلبى .
بعد دقائق عاد الولد والدموع تملأ مقلتيه وأمه تسير خلفه تدفعه بيدها بخفة حتى يسير إلى غرفة الإستراحة أينما كنا ننتظر - أنا وأبى وعدد من المرضى - وراحت تفتح ذلك الـ (كيس) الأبيض الكبير وتخرج منه أشياءاً استنتجت بعد ذلك أنها تؤكل ، ثم بدأت تطعمه وتطعم نفسها حتى انتشت ابتسامته وبدأ يصدر أصواتاً استنتجت بعد كثير أنه كان يعبر بها عن فرحته ، غريب أمر هذا الطفل .. يبدو على الأقل بالغ من العمر ثلاث سنوات .. ولا يقل حتى "شكراً" ؟ تذكرت بعدها أن ذلك ليس من شأنى فأخرجت هاتفى وقمت بالرد على ذلك الإتصال الذى قطع تفكيرى .. "وعليكم السلام .. لا لم يحن دورنا بعد .. نعم لقد مرت ساعة .. حسناً .. سأتذكر بإذن الله .. سأخبره .. حسناً .. مع السلامة" توجهت إلى والدى وأخبرته بهذه الأشياء العائلية ثم رحت بعد ذلك أنصت لحوار دار بين الأم ذات الرداء الأزرق وسيدة تجلس بجوارها يبدو عليها أثر المرض .
بعد أن انتهى الحوار علمت أن ذلك الطفل لديه غشاء على المخ - ولا أدرى ما هذا - إلا أن ذلك يجعله غير قادر على استعمال أحباله الصوتية .. فقط .. يبكى ويضحك .لا أعلم لماذا تذكرت حينها تلك الأنشودة :
--------------------------------------------------------------------
--------------------------------------------------------------------
لا أعلم من ألفها ولا أجد نفسى مهتماً بذلك .. فقط هى بدايتها ما دار بخلدى عندما جالت بفكرى فكرة أن يبكى ويضحك لا حزناً ولا فرحاً ، شعرت بتلك القشعريرة وذلك الإحساس الذى يغمر الجسد من أخمص القدمين إلى منبت الرأس وأوشكت عيناى أن تدمع ، إلا أننى تماسكت وأجبرت نفسى على الإبتسام .. رحت بعدها أتأمل ذلك الطفل بعين مختلفة ، أمه تعطيه (كيس) من الـ (شيبسى) وهو يحاول جاهداً أن يفتحه بيديه الرقيقتين .. تناولته أمه بشئ من الغلظة وفتحته ثم أعطته للولد ثم راحت هى تطالع إحدى المجلات الموضوعة أمامها فى لا ترتيب تسبب فيه إبنها المصون . نظر الولد فى شئ من الإستغراب للـ (كيس) الذى يحمل فى يده ، وقد كان بادياً أنها المرة الأولى التى يتحمل فيها مسئولية كبيرة كأن يطعم نفسه بيديه من (كيس) فى يده . وضع يده فى خوف فانقلب منه الـ (كيس) ووقع كل ما به على الكرسى .. إلا أن أمه لم تلاحظ ، فارتبك الولد .. وراح يناديها بيده التى صارت أبلغ من لسانه ، فالتفتت ورأت ما فعل .. فلطمته على وجهه عدة مرات فى كل مرة كدت أن أقوم فيها فأضربها بأضعاف القسوة التى ضربت بها إبنها ، لكننى كنت أتراجع وأقول لنفسى "ليس هذا من شأنك .. ليس هذا من شأنك .. " لكن هذا لم يمنع انفعالات وجههى أن تظهر !
راحت الأم تلملم ما استطاعت أن تلملم ووضعته فى الـ (كيس) ثم أغلقته قدر ما استطاعت ووضعته فى الـ (كيس) الأبيض الكبير ثم التفتت فى هدوء إلى المجلة التى كانت تطالعها وكأن كلباً لم ينبح . أخذ الولد يبكى لا يضحك ، والمؤثر فى الأمر .. أنه كان يبكى دون صراخ .. لا أحبال صوتية .. فقط بكاء . لم تلفت أمه فى بداية الأمر ، ربما لأنها لم تسمع صراخ أعماقه أو لأنها من الأصل ليست مهتمة كما يجب ، حتى قرر الولد أن يناديها بيده فنظرت له .. فإذا به يمط شفتيه إلى الخارج فى وضع دائرى .. فاقتربت الأم منه ودنت بوجنتها من فمه حتى قبلها .. ثم عادت بعدها تصافح تلك المجلة فى برود ، إلا أن الطفل شعر بتحسن غير عادى .. لم يملك حتى يصالح أمه إلا أن يقبلها .. هو عاجز حتى عن مصالحتها ؟ .. لكنه فى النهاية صالح أمه .. فابتسم كثيراً وراح يبلل أنامله من جديد ويعبث بباقى المجلات وابتسامة الرضا تكسو محياه المنير !!
عقرب
"ماذا فعلت لكم أيها الحمقى ؟ ما أنا بقاتل .. إنما أنتم من تقتلون ، لم أر فى حياتى عقرباً يقتل من تلقاء نفسه ، إنما أنتم من تخشون ما لا تعرفون ..ذلك اليوم التفت حولى النيران من لا مكان لتترك لا مجالاً للهرب ، لتترك كل ما يصادفها رماداً .. أو أقل تعقيداً من الرماد . سيطرت علىّ مشاعر الخوف ، إلا أننى ذهبت إلى حيث كانت تأتينى الرياح .. ثم رحت أبحث عن المخرج المزعوم ."من حيث تأتى الرياح .. يأتى قارب النجاة" .. إلا أن الرياح تأتى بما لا تشتهى السفن ! توقفت الرياح ، ثم عادت بعدها من الإتجاه المعاكس ، لا يعقل أن يكون المخرج قد تغير مكانه ، ذلك المخرج المفترض تتصاعد منه ألسنة من اللهب أمام ناظرى ..تذكرت بعض الذكريات من الماضى الجميل ، ذلك الماضى الذى اعتدت أن أجد نفسى فيه قائداً للجموع .. فصيلة العقارب تحتشد وراء تلك الصخرة فى انتظارى .. فى انتظار الأوامر من القائد .. إنه أنا هناك ، أصرخ فى العقارب فتملأهم الحماسة .. أشير بأحد أرجلى الثمانية إلى الجيش الآخر ، فتتقدم جموع العقارب فى شكل نصف دائرة ، تحيط بالجيش الآخر وتفتك بجموعهم فتكاً .. لا مفر اليوم من قائد جبار !اليوم .. القائد محاط بالنيران ، شريط الذكريات يمر أمام عينى التى لم تعد تر إلا ألسنة اللهب .. لقد رأيته .. نعم إنه هو .. إنه الموت يرسل أشباحه ..نظرت حولى نظرة أخيرة معذبة .. حسناً .. لا مفر .. لدغت جسدى ، ها أنا أشعر بالسم يتدفق داخل جسدى الصغير .. ها هى الألسنة الملتهبة تتراقص .. ها هو الظلام يقتل النيران .. أو ربما .. يقتلنى .. وداعاً أيها العالم القاسى !"
حلالة المشاكل
وما الحياة إلا إحدى حصص الإملاء "نقطة ومن أول السطر"
هو تشبيه مضحك - أعلم هذا - فثغرى ها هو يبتسم بينما أسطر ذلك السطر
إلا أننى بحثت كثيراً عن مشبهاً به آخراً .. ولم أجد .. لا يهم .. نقطة .. ومن أول السطر .
لا زلت أذكر أستاذ اللغة العربية أ/ أشرف .. كنت أبتسم كثيراً عندما يقول "نقطة يابنى ومن أول السطر .."
حينها كان عقلى من الصغر بألا يفكر فيما يكمن وراء .. هذه الجملة .. التى تكمن براءة الأطفال فى عينيها
إلا أننى كنت أبتسم .. أعلم أنا أن وراءها سر خطير .. نقطة ومن أول السطر .
لماذا نضع تلك النقطة الحمقاء ؟ بل وماذا تعنى أساساً ؟
ولماذا عودنا الأساتذة أن نضع نقطة فى نهاية الجملة .. وتتجه أصابعنا تلقائياً إلى بداية سطر جديد ؟
نال هذا السؤال من تفكيرى سنوناً طويلة
هذا إلى أن كفت وزارة التربية والتعليم عن تكليف الأساتذة بهذه الحصة العجيبة
هه .. "أكتب ما يملى عليك" .. جميل جداً أن أكتب ما يملى علىّ
لا لن أكتب ما يملى علىّ .. بل سأكتب ما يمليه علىّ قلمى
لطالما أردت أن أقولها له جهراً .. كنت أقولها أحياناً فى سرى وأضحك ضحكة هذا الطفل الشقى
يعلم أنه قد قال شيئاً سيعاقبه عليه الكبار .. إن سمعه أحد منهم
لم أكن حينها قد علمت أين تكمن قيمة هذه النقطة .. أو أين تكمن الراحة فى قوله "أكتب ما يملى عليك"
فحين يتحرر قلمك .. وتصير قادراً أن تسطر نثراً أو تنظم شعراً .. تتغير نظرة الناس إلى ما تكتب
الكل حينها ينقد ويعترض .. يمدح ويذم .. تمتعض الشفاه وتنبسط .. تنسجم الأرواح من كلماتك أو .. تنعقد
الكل يبدى رأيه فى تصرفاتك وأفعالك ، آرائك وإهتماماتك ، إختياراتك وقراراتك ، حياتك مستقبلك وماضيك
حينها أنت فى بوتقة الإختبار .. شخصية جديدة أتت إلى العالم
الكل ينتظر أن يفهمها .. الكل مترقب .. ومتوجس خيفة
أما حين كنت تكتب ما يملى عليك .. فقد أراحك أستاذك .. لم يضعك فى بوتقة الإختبار
بينما أنت تتذمر - كما هى عادة الإنسان - وتطالب بأن يتحرر قلمك
بل الأدهى أنك تصرخ كالأطفال قائلاً : ليعطينى أحدكم فرصتى
........
أما عن "نقطة ومن أول السطر" - وهى ما دفعنى فى البداية لأسطر هذه الكلمات - فقد قادتنى الحياة لأن أكتشف معناها رغماً عن أنفى
كنت قد تناسيتها تماماً فلم أجد لها إجابة .. حتى أننى قد بدأت أشعر بتفاهة سؤالى هذا
إلا أن العالم أبى إلا أن يعلمنى .. درساً .. من دروس الحياة
النقطة فى الأصل تحمل معنى التوقف .. و"من أول السطر" ترمز فى الغالب إلى بداية جديدة
فأحياناً حين يغرقنا التفكير فى الحيرة .. نحتاج حينها إلى الوقفة .. وإعادة التفكير فى كل ما سبق
نقف وننظر ورائنا لوهلة ثم نتسائل .. تتحير ألبابنا وتنعقد أصفادها
ربما حينها نجد أنفسنا فى حاجة إلى مراجعة كشاكيل الإملاء خاصتنا
ونتذكر .. قول أ/ أشرف .. "حط نقطة يابنى .. وإكتب من أول السطر"
أحياناً تأتى النقطة فى صورة خبر سعيد .. مظهر من مظاهر رحمة الله ببنى البشر
كما تأتينا فى أشخاص آخرين .. عظات وعبر .. لعل من يعتبر
كلمة صادقة .. نصيحة .. فكرة تحتل العقل لفترة .. حسناً .. الآن .. نقطة ومن أول السطر .
كثيراً ما يستمع بعض الذين قد صُمَّت آذانهم لأحاديث الشيوخ
قرآناً كان أو أحاديثاً نبوية شريفة .. أو ربما رواية عن أحد الصحابة .. أحد الصالحين
تدفعهم هذه الأشياء إلى الحافة قليلاً .. تقربهم هذه الأشياء عقولهم أكثر إلى حقيقتهم البشعة
إلا أن "نقطة ومن أول السطر" لا تأتى .. ولا يعلم أحدهم السبب
يكتفى بأن يمصمص شفتيه نادباً حاله قائلاً "أسمع كلاماً مقنعاً .. فأقتنع .. فأعود لأقابل فلاناً وأصدقائه .. أعود .. كأن شيئاً لم يحدث"
"نقطة ومن أول السطر" نعم هى ما يحتاجه .. يحتاج صدمة .. يحتاج صفعة .. شئ يذبحه
يذبح نزعة الكبر التى قد ولدها الشيطان فى نفسه
يذبح قلبه الذى قد إمتلأ بالمعاصى .. ويزرع مكانه قلباً طاهراً نقياً
فالرجل حين يُذبح .. يشعر بأنه تائه
تائه فى بلاد الزيف .. هذه التى يولد فيها الطفل .. يحمل من الكآبة بقلبه ما يجعله لا يقوى حتى على الصراخ
صفعة قوية و ..... نقطة
ومن أول السطر
تحياتى إلى أستاذى .. الذى لن يقرأ هذه الكلمات
ولن يدرك يوماً كم كان هو محقاً
عندما قالها ....
عذراً .. فقد أطلت
إذن فقد آن الأوان أن أضع النقطة .. نقطة ومن أول السطر .
الضحكة المسحورة
يحكى أنه فى قديم الزمان ، فى سالف العصر والأوان .. كان هناك ذلك الرجل .. يجوب القرية صباح كل يوم .. يبحث عن ضحيته الجديدة .. فيسخر منها قدر ما يسخر .. ويضحك منها قدر ما يضحك ، فتارة يسرق أشياءاً ويضعها فى بيت صاحبها .. فيبحث عنها حتى تنقطع أنفاسه .. ثم يعد إلى بيته خائباً حزيناً .. ليجد بضاعته فى بيته .. فيقتل ذلك صاحبنا ضحكاً
وتارة يقف بين أصحابه .. ويسخر من أحدهم بطريقته المضحكة .. فيخجل هذا الأخير .. وتنطلق من بعده الضحكات
حتى إذا جاء ذلك اليوم .. يذهب صاحبنا إلى السوق .. باحثاً عن ضحيته الجديدة .. وجد هذه البائعة العجوز .. تبيع الفاكهة .. على عربة خشبية متهالكة .. يجرها ذلك الحمار الأبيض ، ذهب نحوها وأراها حفنة من الدنانير .. وسألها أن تعطيه من الفاكهة ما هو كثير .. فتبسمت العجوز لما رأت من حفنة الدنانير الذهبية .. وإلتفتت ورائها لتخرج المكيال من قطعة القماش القرمزية .. وعندما عادت تنظر أمامها وجدت صاحبنا ممسك بالسوط .. والحمار يجرى بأقصى سرعة لديه .. والعربة تتكسر والفاكهة تتناثر
وما هى إلا لحظات حتى إنطلقت ضحكات الرجل تدوى فى المكان .. ضحك كثيراً حتى بدأ الأطفال يضحكون من ضحكه .. أخذ يهتف ويشير إليها أن تلحق بالعربة .. والناس من حولهم يتهامسون .. وفيما بينهم يضحكون .. نظرت العجوز إلى الحمار المذعور .. ومدت يدها فى قطعة القماش القرمزية .. وأخرجت تلك العصا الخشبية ، وجهتها إليه فى تحدٍ وهمهمت بكلمات غير ملموسة .. فضحك الرجل وظن أنها ممسوسة .. ولكن الرجل فوجئ بضحكاته العالية .. تستحيل دموعاً باكية
فتوقف لوهلة .. وعاد يضحك من جديد .. ليجد نفسه يبكى لا يضحك .. التقطت العجوز هذه الثمرة العفنة الملقاة على أرض الطريق .. وألقتها على وجه ذلك الرجل . توقف الأطفال عن الضحك .. ونظر إليه الجميع .. نظر الرجل حوله .. فوجد الحال قد انقلب .. الآن الكل ينظر إليه هو .. والناس قد عادوا من حوله يتهامسون .. ومنه فيما بينهم يضحكون .. حاول أن يتحرك فشعر كأنما هو مقيد .. فأدمعت عيناه فى حسرة .. ولكن ما أثار دهشته .. أنه كان يضحك .. وبينما كان الجميع يحاول أن يفهم لماذا يضحك ذلك الغبى .. تسلل أحد الأطفال .. وإلتقط حفنة من التراب .. وألقاها على وجه الرجل .. فحزن الرجل بشده .. وعاد يحاول البكاء .. ليجد نفسه يضحك ويضحك .. داخله الآهات تختنق .. وخارجه الضحكات تنطلق .. حتى إختلط ضحكه بضحك من حوله .. وتسلل حينها الطفل تلو الآخر يقذفون عليه التراب ويضحكون .. فيزيد ذلك من ضحكه - بكائه - فيزيد ذلك من ضحك الجميع
لقد كانت تلك البائعة العجوز ساحرة .. ولقد سحرت ضحكاته ودموعه .. وأبدلت إحداهما بالأخرى .. وقيدته مكانه بأصفاد من لا شئ .. حتى يشعر بنفسه شعور من يعذبهم بسخريته اللاذعة ، توسل إليها الرجل بنظراته .. أن عنه تعفو وتسامح .. فنظرت العجوز لحاله الضاحك الباكى .. وللأطفال وهم يرمونه بالتراب .. وللناس وهم يرمونه بنظرات كالسهام .. تخترق رداء الكرامة البالى .. فجذبته من يده بين ضحكات الناس وهتاف الأطفال .. وأدخلته بيتها وأعتدت له متكئاً .. أما صاحبنا فقد احمرت عيناه تحاول أن تخرج ما احتبس بها من دموع خفية .. ومعدته قد بدأت تقرص على بطنه .. لا تحتمل كل ذلك الضحك الهستيرى ، حتى إنتهت العجوز من إعداد ذلك المشروب الأزرق .. الذى تتصاعد منه أدخنة زرقاء كثيفة .. حاولت أن تسقيه ولكنه كان قد سقط أرضاً يقاوم الضحك .. فجاهدت العجوز حتى استطاعت أن تسقيه ما استطاعت أن تسقيه .. فشرب صاحبنا المشروب السحرى وسقط مغشياً عليه
ما هى إلا لحظات حتى دمعت عيناه وكأنه موسم الفيضان قد بدأ لتوه .. استدعت العجوز حمارها المسحور بعصاها المسحورة .. ثم حملت العجوز صاحبنا ووضعته على حمارها .. وكتبت بضع كلمات فى وريقة ثم وضعتها بجيبه .. وأمرت الحمار أن يذهب إلى بيت ذلك الرجل .. فقادته خطاه السحرية إلى ذلك البيت .. لتستقبله زوجته فى قلق ظاهر
أنزلته وحملته إلى داخل البيت .. وبدأت تحاول أن تجعله يفيق .. حتى أفاق الرجل ولكن الدمع لم يغادر مقلتيه الحمراوتين ..وضع يده فى جيبه ليبحث عن منديله القماشى .. فوجد تلك الورقة المطوية .. فأفردها وبدأ يقرأ ....
----------------------------------
من أصعب ما قد يشعر به المرء أن يشعر بأن لا أحد يشعر بما يشعر به فى أشد أوقات شعوره بالإحتياج .. لمن يشعر بما يشعر
أن يجد المرء نفسه غير قادر على الكلام فى أشد الأوقات التى يحتاج فيها أن يقول كلمة واحدة ... كفى
بماذا شعرت عندما لم يرى دموعك أحد ؟ بل بماذا شعرت عندما زادتهم دموعك ضحكاً ؟
هل تعلم لماذا حررتك من أسر الضحكة المسحورة ؟
لأننى لست مثلك .. لم أجد فى دموعك لذة ترتجى
لأننى أحسست بما قد أشعر به .. لو كنت مكانك
قبل أن تفعل بأحدهم فعلة .. ضع نفسك مكانه فى خيالك
قبل أن يضعك القدر
---------------------------------
طوى صاحبنا الوريقة وتنهد .. فسألته امرأته عما حدث .. نظر إليها طويلاً ثم أجاب فى إبتسامة .. "لا شئ .. فقط ذهبت إلى السوق"
ثم أردف فى سره .. "فقد كنت فى حاجة إلى ثمرة عفنة .. وحفنة من التراب"
شجيرة الكافور
حيث تفوح رائحة الياسمين من مكان لا أدرى مكانه ، وتداعب أذنى زقزقة العصافير وهديل الحمام .. حيث تولد السعادة ويفنى الشقاء ، ويأتى الفرح ممتطياً حصانه الأبيض ينير دروب اليأس بنوره السحرى ، وتشرق الشمس على قلب لم يجد إلا الظلام خليلاً .. هنا فقط .. تحت شجيرة الكافور
فأشتعل نشاطاً وحيوية .. وأخرج أوراقى .. فأرسم بها ما أرى بقلم يتراقص فرحاً بين أصابعى .. حتى أننى أفقد السيطرة عليه أحياناً
فأتوقف عن الكتابة وأبتسم قائلاً : لتهدأ قليلاً أيها القلم .......... فيبتسم القلم ، ثم يرجع للتراقص مجدداً
للحظة سرحت بمخيلتى بعيداً عن الواقع .. فتذكرت ذكريات أليمة .. ظلال وأشباح وألم وصراخ وجرح ودماء .. أنفض رأسى لأتناسى كوابيس اليقظة
فإذا بها لا تنقشع عن أفق الذكريات .. أغمض عينى وأفتحها مجدداً .. لأجدنى لا زلت فى المسرح الكبير .. الكل ينظر بلهفة إلى ذاك المهرج
تلفتُّ حولى وقرصت فخذى لعلى أفيق من ذاك الكابوس البشع .. إلا أننى اكتشفت وبسهولة .. أننى قد أفقت لتوى من أحلام اليقظة
فعندما تتحول كل الألوان إلى اللون الأسود ، وتسمع بوضوح أنين القيثارة .. حينها فقط .. تسدل الكآبة ستائرها على مسرح الأحداث
وحينها .. يطغى الألم على حدة التصفيق .. وبعدما كنت ترجو أن تفيق ، أصبحت الآن ترجو العودة إلى عالم الأحلام .. إلى .. شجيرة الكافور
أنا وقلمى
هل شعرت يوماً بأنك فى المكان الخطأ ؟ هلا أحسست قبلاً أن روحك ترفض واقعك الذى تعيش ؟
هل أوجعتك قراراتك أو عاقبتك إختياراتك ؟ هل صار ما يحسدك عليه البعض يوماً وخزة فى كبريائك !
هل شعرت يوماً بأنك تستحق أفضل من كل ذلك ! ؟ من الذى فعل كل هذا !! هل إختار لنا أحد مصائرنا
أم أننا مخيرون فى كل شئ !! هل إمتلأ ما أكتب الآن بالأخطاء والعثرات ؟ مالى لا أهتم وأنا الغيور على اللغة !
مالى أسأل ولا أجيب ؟ مال أحد لا يجيبنى ؟ أظن السبب أن أحداً لم يقرأها بعد
وحتى إن قرأها أحد .. لن يحبها أحد .. فهى ممتلئة عن آخرها بأخطاء ولا أجد نفسى أريد العودة لتصحيحها
خاصة أن تصحيحها لن يكن شيئاً غاية فى الصعوبة .. ولكن .. شيئاً ما بقلمى يريدها أن تظل كما هى
ربما عطب بقلمى أو ما شابه .. ها قد عدت لأفعل الشئ ذاته .. أبحث عن شماعة ألقى عليها أسباب فشلى
مالى لا أعترف بأن العطب بى أنا .. مالى أرى كومة الملازم بجانبى ولا ألتفت لها وأنا أكثر أهل الأرض علماً بضيق وقتى ؟
هل صرت غبياً ؟ أم صرت لا أشعر .. فإن صرت لا أشعر .. فمالى أرتجف الآن !!
إلى الهاوية مصيرى .. إلى الهاوية
وداعاً كبريائى .. وداعاً مستقبلى
هه .. إستسلمت بهذه السرعة ؟ يالك من وغد ضعيف !
قم أيها الرجل .. قم وأكمل ما بدأت .. قم فإن كنت لا تستحق النجاح
فهناك من يستحق أن يفرح .. بنجاحك
قم !!
حسناً .. أنا عائد لأكمل ما بدأت .. أشكرك أيها القلم .. حمداً لله أنك كنت بجانبى بأحلك أوقاتى ظلاماً
حقاً .. أنت أوفى الأصدقاء
أشعر بالسعادة عندما أشعر بالألم
أشعر بالسعادة عندما أشعر بالألم
لأن الألم يعنى لى الشعور
والشعور يعنى أننى لازلت حياً
حىٌّ لم يقتلنى التحدى
أشعر بالسعادة لأن إستمرار شعورى بالألم
يعنى أنه لم يهزم الأمل بعد .. وأن أملى يصارع حتى النهاية
حتى آخر قطرة من دماء الشرف
......................
أكاد لا أرى .. ولكن
لا زلت أستطيع أن أميز الرؤية من السمع
غبار الطريق لم يهزم بصيرتى بعد
....
أذنى لا تسمع شيئاً سوى طنيناً
طنين غطى على كل الأصوات
أشعر بالنهاية تقترب
ولكن
لا
بل أستطيع أن أميز صوت الطنين
هذا يعنى أننى لم أفقد تركيزى بعد
......
أشعر حقاً بدوخة رهيبة
قدماى تبحث عن أرض تستند إليهما
ولكن
لا زلت أستطيع التفكير
يكفى أن مساً من الجنون لم يصيبنى بعد
........
آه
.........
أشعر بطعنة فى ظهرى
.....
الحمد لله
.......
الطعنة لم تكن فى صدرى
سيمر المارة على جثتى
والدماء تنزف من جرح فى الظهر
ليعلموا أن فارس مثلى
لم يقتله الغدر إلا غدراً
...........
"تلتهمنى الدنيا"
تلتهمنى الدنيا ولن تبقى من الإنسان بداخلى فتات كلمات
تلتهم السعادة من شرايينى فتحولها إلى مقابر الأحباب
تلتهم الحب من روحى فتجعلها سحابة سوداء
تلتهم النبض من قلبى فتتركه جيفة تأكلها الطيور
تزرع بين خلايا العقل فكرها الأسود
وتنشر ملذات الرجيم بين عين وأخرى
تحرق صور الطهارة والنقاء
وتضع مكانها لوحات سوداء تبعث الرهبة
تلتهمنى الدنيا ولا ترضى بأن ترحمنى
ولم أجد من رجائى لها رداً
فعدت وتمالكت أعصابى
لملمت ضميرى وفتات أفكارى
ورحت أبحث عن حل .. أمنع به تلك المؤامرة
فوجدت الحل نصب عينى ، ينادى بإسمى
فتخيلت رب الكعبة .. ينادى بالليل .. ليغفر لمسئ النهار
وينادى بالنهار .. ليغفر لمسئ الليل
فدمعت عيناى .. وهممت بالقيام
رحت أتقدم بخطى ثابتة نحو سور سلم مدرج (ب)
وقلت لصاحبى :
أتخيل من بعيد أن هذا السور .. قريب المنال
ولكننى كلما إقتربت منه
رأيت كم هو بعيد
فرد صاحبى والإبتسامة لا تفارق وجنتيه :
إن أردت أن تبلغها فستفعل .. أو على الأقل ..
ستصل إلى أكثر مما تظن نفسك قادر عليه
إستعن بالله فهو حسبك
فأدمعت عيناى وقلت له .. أنّى لى أن أستعن بمن أعصى ؟
لم أقل هذا له علناً .. بل قالتها تنهيدتى سراً .. ثم فضحتها دموعى
إنفعلت تنهيدتى حينها وصارت تصارع أنفاسى .. كأنها طائر مسجون
ربت صاحبى على كتفى
وقال لى : إهدأ
إن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا أن يشرك به
فكفانى ما قال .. وإنهمرت دموعى
ذهبت إلى مسجد الكلية
فغسلت وجهى بالماء
ثم عدت أعيد تنظيم أفكارى
حينها أظلمت السماء .. وخفتت الأنوار
إيذاناً بصلاة المغرب
وأذن المؤذن :
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
ولم يقل حبها داخلى بل زاد
ذات يوم كنت أسير بين المدرجات .. ثم ما لبثت أن أصبحت أسيراً بين قضبان حبها
سحرتنى تلك النظرة الهادئة .. وهذا الشعاع الدافئ
سألت نفسى " هل أحببتها ؟" .. فأجابتنى نفسى بكل بساطة
"وإن أحببتها .. سيقتل حبك حبٌ آخر غداً"
فى اليوم التالى لم أرها .. فظننت ذلك من حسن حظى
حتى تنسى عيناى تلك الأميرة .. حتى أفيق من تلك الأزمة الكبيرة
ولكن ..
لم يقل حبها داخلى .. بل زاد
رحت أبحث عنها هنا وهناك .. بلا فائدة
قلت سيقتل حبك لها إختلاطك بأصدقائك
ولكن ذلك لم يعصم عينيك من تتبع خطواتها الرقيقة .. بين مدرجات الجامعة
فلم يقل حبها داخلى .. بل زاد
حاولت التقرب منها .. حتى نجحت
ألقيت عليها السلام فردت عليك
شعرت أنك تملك العالم .. وأن طيور الغرام رهن إشارتك
حاولت التقرب أكثر من ذلك
فصد حياؤها إندفاعك
هل قتل ذلك حبك ؟
لا لم يقل حبها داخلى .. بل زاد
صمدت ولم تنتحر .. صمتَّ ولم تنكسر
رغم ما جال بخاطرك من رغبة بالموت .. صمدت ورويت الأمل بداخلك
ظللت صامتاً حتى تخرجت من كليتك
وظلت صامتة هى الأخرى
إحترمتها فإحترمتك
تقدمت لخطبتها فرفضتك
هل قتل ذلك حبك ؟
بل كان حبك أقوى من ذلك
سألت عن أخبارها .. فعلمت أنها تعمل بإحدى الشركات
ذهبت ورائها .. وتقدمت للعمل بنفس الشركة
ولسوء حظك تم رفضك أيضاً
ظننت ذلك سيقتل أملك
ولكن ..
لم يقل حبها بداخلى .. بل زاد
إنتظرتها حتى إنتهت من عملها
وطلبت منها دقيقتين
فرفضت مجدداً .. أنت إنسان تعس
ولكن ..
لم يقل حبها داخلى .. بل زاد
ذهبت لأتابع حياتى .. رميت ورائها ظنونى
وقررت أن أحبها .. ذلك الحب الأفلاطونى
تقدمت بعدها لأحدى الشركات الكبيرة .. فقبلونى ووظفونى بخدمة العملاء
وفى اليوم التالى سمعت صوت الأميرة .. ينادى بصوت رقيق أن هل أنا "علاء" ؟
رفعت رأسى لأجدها أمامى .. تنظر إلىّ فى رقة واستحياء
إبتسمتَ أخيراً أيها التعس .. أخيراً إعتلت فرحتك السماء
نظرت إلى إصبعها .. فوجدته لا زال منيراً
لا تزينه الدبلة ، إذا لتزينه دبلة أخرى
تحدثت معها قليلاً .. حتى تكسر حاجز الصمت
ثم طلبت منها التقدم لخطبتها
إبتسمت وإحمرت وجنتيها
ثم
وافقت
غريبة هذه الدنيا
تركض فيها ركض الوحوش فى البرية
وفى النهاية
لا ينالك منها إلا ما قسم الله لك
وحتى إن غلّقت أمامك أبواب الفرج
فما شئ بمانع للقدر
"ضاقت فلما إستحمكت حلقاتها فرجت .. وكنت أظنها لا تفرجُ"
إنَّمَا المَرأةُ زَهرَةٌ
إنما الأناس الرجال ، إنما الزهور السحرية النساء الغاليات ، وإنما الباعة الجائلين هم الشياطين ، وإنما ما يحملونه من بضاعة معطرة مزيفة فهن نساء رخصن أنفسهن .. فرجاء عزيزى القارئ .. إن وجدت زهرتك السحرية .. ألا تترك رحيق المعصية يبعدك عن رحيق الجنة .. ولا تدع الباعة الجائلين .. يغرونك ببضاعتهم الزائفة .. ولا تدع الملل من البحث .. يفقدك الأمل فى الوصول ..
ورجاء عزيزتى القارئة .. أنتن قليلات والرخيصات كثيرات .. عندما يبحث الرجل عن اللهو يبحث عن الباعة .. وعندما يبحث عن الإرتباط يندس بين الأشواك حتى يعثر عليك .. نعم أنت .. أنت لأنك لم تقبلى أن تكونى مثلهن .. بضاعة سهلة المنال .. وكل ما هو سهل المنال سهل الزوال .. لذلك نتحمل الشقاء والعذاب والآلام والجروح حتى نصل إلى زهرة نعرف أنها غالية .. فكونى غالية ..
فى حيرة أنا .. فى عالم منعزل عن البشرية
إلى أين أنا ذاهب فى هذا الدرب اليائس ؟؟ إلى أين سيؤول مصير زهرة إرتمت فى أحضان الهواء فأخذتها عاصفة رمت بها فى مجاهل الشك ...
إذهب .. إذهب بعيداً أيها القلق .. إتركنى أعيش فى سلام داخلى ، إتركنى أخرج من عالم اليأس والإحباط وألتقط أنفاسى فى عالم الواقع الذى إن كان مريراً فهو على الأقل لا يخدع زهور الياسمين بأحضان شائكة .. على الأقل أنا أعلم فيه متى أضع قدمى فى الماء ومتى تطأ قدمى اليابسة .
كثيراً ما أمسكت قلمى وأطلقت العنان لقلبى وسرحت بمخيلتى المتواضعة فى جنات الخيال .. ولكن فى كل مرة ينكسر لى جناحاً لأجد نفسى أسقط فى جحيم الأسر .. أسر منع رئتاى من إستنشاق الهواء الطيب .. أسر القلوب .
فى ما مضى كان قلمى قادر على الإمساك بروحى والتحليق بها فى جنات السعادة - مهما كانت من كآبة تحيط بروحى - فلماذا الآن فقد قلمى تلك المقدرة ؟؟ لماذا لا يزيدنى إلا إيلاماً وتجريحاً ؟!!
إقتربت ساعة الصفر .. إقتربت النهاية أخيراً ، لاحت اليابسة على مرمى البصر .. ولكنها يابسة جرداء خالية من جميع أنواع الحياة .. لعلها تكون أفضل من الإبحار فى ظلمات بحار المجهول ....
الألم والأمل .. ما هو الفرق ؟
ما هو الفرق بين الآلام والآمال ؟ ...
الألم هو الإنفعال الطبيعى الذى يصاحب الإنسان منذ ولادته طفلاً إلى وفاته كهلاً .. الألم هو الشعور بالذنب على ما فات أو الحسرة على ما هو آت .. أو التوجع من الواقع المرير ..
حتى الطفل أول ما يقول وأول ما ينطق به هو صراخ (آآآه) من الألم الذى يكابده فى محاولات بائسة لفهم هذا العالم الجديد الذى لم نفهمه نحن حتى الآن ..
الأمل ؟؟ ما هو الأمل ؟؟
يختلف الكثير حول مفهوم الأمل ، حيث يراه البعض وقود أو (إكسير) الحياة على حد وصفهم .. بينما يراه آخرون على أنه الوهم الذى نوارى به بشاعة الواقع .. بينما أراه أنا أقرب إلى هذا الوصف الأخير .. فاكاد أرى الأمل مخدراً نحقن به انفسنا حتى نستطيع تحمل المزيد من .. الآلام .