من بين كل تلك العناوين .. تقرأ هذا ؟

من بين كل تلك اللحظات .. يختار القدر تلك اللحظة تحديداً لأنزل فيها إلى الشارع ، ذاهباً لآداء صلاة الجمعة بالمسجد .. ومن بين كل أصدقاء هذا الشاب مرض منهم الذى يسكن بجوارى ، ثم من بين كل تلك اللحظات اختار القدر تلك اللحظة بالذات لينظر فيها إلى يمينه وأنظر فيها إلى يسارى فرأيته .. أذهب فأسلم عليه وآخذه ليصلى معى بالجامع الذى يجاور المنزل .. فيلح أن نصلى سوياً فى ذلك الجامع الآخر بآخر الطريق .. إختار ذلك الجامع من بين كل جوامع المنطقة ، ذهبنا سوياً لنؤدى الفريضة .. وبعد الصلاة .. من بين كل المصلين لفت انتباهى ذلك الشاب هناك ، وكأننى أعرفه .. يبدو أنه الاخر قد عرفنى فقد كنا - على ما بدا - أكثر من أخوة خلال مرحلة عمرية طويلة حقاً .. اقتربت منه قليلاً وقلت بسذاجة "مدحت ؟؟"
فصاح فى ابتسام "حازم ؟؟" .. بعد أكثر من خمسة سنوات لم نلتق فيها أبداً .. اختار القدر كل تلك المصادفات لألقاه بعد كل هذه المدة !!

من بين كل تلك الساعات الطويلة التى أقضيها على الإنترنت يومياً إختار القدر تلك الساعة تحديداً لأفتح منتدى الدفعة وأتصفحه ، ومن بين كل تلك العناوين جذب انتباهى ذلك العنوان "تقديم الترشيح للإشراف على المنتديات العامة" ، وعندما تصفحته ووجدت الأمر لا يعنينى تماماً قررت الخروج ، إلا أنه من بين كل تلك الأفكار راودتنى تلك الفكرة بأن أصبح مشرفاً .. ويكتب أسفل إسمى وصورتى الرمزية بالمنتدى "مشرف" .. حقاً إنه لأمر مشرّف ..
من بين كل المنتديات العامة اخترتُ "واحة الأقلام" لأرشح نفسى مشرفاً لها ، ومن بين كل الأساليب اخترتُ الإسلوب الهزلى فى عرضى لخطتى الإشرافية ، ومن بين كل تلك الأساليب كان هذا الإسلوب هو الإسلوب الأكثر جدارة فى إثارة حفيظة رواد الواحة الأصليين من المشرف الجديد .. ودارت المحاورات وزاد الجدال ، وهدأت الأمور وأبحرت السفينة .. وتعلمت الكثير حقاً .. وتغيرت مفاهيمى بشكل كبير .. حتى أننى أكاد أجزم أننى صرت شخصاً آخر بفضل الله أولاً ثم بفضل واحة الأقلام .. حتى أننى الآن صرت أضحك كلما تذكرت أننى فقط ترشحت من أجل اللقب "مشرف" ..
بعد سنوات من الهزل والرأس الفارغ .. إختار القدر كل تلك المصادفات ليغير ذلك الفكر الأحمق ..

عندما كنت صغيراً سمعت أحدهم يقول تلك الجملة التى إحتلت عقلى الصغير لسنوات عدة .. "كل شيء يحدث لحكمة ما .. حتى قولى لهذه الجملة الآن قد حدث لحكمة ما يعلمها الله" .. ربما هو محق والسبب هو أن أكتب عنه الآن .. ليس "ربما" فهو بالتأكيد محق .. لندع ذلك الأمر جانباً قليلاً ، ودعنى أنقل لك ما جال بخاطرى حينها .. "كيف هذا ؟" ، رفعت يدى إلى الهواء ثم أخفضتها .. "هل حدث هذا لسبب ؟ ما الحكمة فى أن أرفع يدى ثم أخفضها ؟" احتار عقلى كثيراً .. ثم ذهبت إلى المدرسة .. سلمت على أحد أصدقائى ثم ذهبت لأجلس مكانى .. "هل حدث هذا لسبب ؟ ما الحكمة من أن أسلم على صديقى فى ذلك اليوم بالذات ؟ ماذا كان من الممكن أن يحدث إن كنت قد تظاهرت بعدم الإنتباه لوجوده ؟" .. ثم عدت إلى البيت .. ودخلت حجرتى وأغلقت الباب .. "هنا من غير الممكن أن يصير أى شئ بسبب .." ثم فتحت فمى وأغلقته مرات متتالية .. "هل كان ذلك لسبب ؟ ما الحكمة فى ذلك .."
لن أخبركم عن عقلية الأطفال فأنتم أدرى منى بها لكننى فقط أريد تسليط الضوء على نقطة أحسبها هامة ، وهى أن الحكمة التى يقصدها ذو الجلال والإكرام من أحداث تحدث فى حياتنا ليست بالضرورة حكمة يستطيع أن يعيها عقلك الصغير أيها البشرى المجادل ..

وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً


فى حياة كل منا مفارقات مذهلة ، تصول بفكره وبحياته تجول .. وما زال البعض حتى الآن لا يدرج عامل القدر خلال تفكيره وتخطيطه
نحن نخطط ونرسم وننفذ ونذهب ونرجع ونفعل ونعود فنفكر ونخطط ونرسم وننفذ أو لا ننفذ .. ونحن لا نعلم أننا مجرد عرائس فى مسرح كبير
لسنا مسيرين فى الأرض أبداً بل مخيرين .. إلا أننا مخيرون فى إختياراتنا لا فى أقدارنا
كل شئ يحدث لحكمة يعلمها الله .. ضع هذا فى بالك كلما حدث لك مكروه ما .. أو كلما حدثت فى حياتك مفارقة بدت لك للوهلة الأولى أنها مضحكة ..
كل شئ يحدث لحكمة

كل شئ ..



من بين كل تلك الأشياء التى أستطيع فعلها الآن .. ويتوجب على فعلها .. قررت الكتابة
ومن بين كل تلك المواضيع التى تشغل بالى المزدحم .. قررت الكتابة عن هذا الجزء

ومن يدرى ..

ربما كتبت هذا الكلام لحكمة يعلمها رب العالمين ..

على خط النار

حبيبى
حبيبتى
أوحشتنى كثيراً
تعلمين أى روحى أننى قط ما أوحشتكِ قدر ما أوحشتنى
.......
كيف حال ابنتى ؟
هى بأفضل حال .. ترسم صورتك كل يوم وأنت تحارب اليهود
حقاً ؟ أريد أن أرى بعضاً من رسماتها
حبيبى هى فى الطريق إليك ، أصرت ابنتك ان ترسل لك طرداً بكل ما رسمت
يا لحبيبتى الصغيرة .. قد نالت عذوبتك من ابنتنا .. حاذرى أن تنال منها لكنتك فى الحديث
هكذا إذن ؟
لا حبيبتى .. فقط لأننى لن أزوجها لأحد إن صارت فى جمالك وعذوبتك وتحدثت أيضاً بلكنتك الرقيقة
همم .. عفونا عنك
الحمد لله
حبيبى
ماذا حبيبتى ؟
أنت على ما يرام ؟
ماذا ؟ لماذا تسألين ؟ نعم أنا على ما يرام
لا .. لا شىء ..
حبيبتى أجيبينى
... لا تبالى .. فقط شعرت بقلبى ينقبض الليلة الماضية فـ ... تعلم .. شعرت بالقلق عليك
........
حبيبى ؟
........
هل تسمعنى ؟
نعم ..
حبيبى أنت لست على ما يرام .. كنت أعلم ذلك .. حبيبى ماذا حدث لك ؟؟
لا شىء لا شىء .. فقط أشعر بالسعادة كلما تحدثتِ بتلك النبرة
أى نبرة ؟
نبرة القلق علىّ
......... حبيبى أنت على ما يرام أليس كذلك ؟
نعم حبيبتى على ما يرام .. انتهيت لتوى من قتل عدة أوغاد وعائد الليلة بإذن الله لقتل المزيد
عد لنا سالماً ..
... نعم .. بإذن الرحمن
.........
حبيبتى تعلمين .. يجب على الذهاب
نعم نعم .. فقط .. لا أدرى .. إذهب حبيبى وأقتل هؤلاء الملاعين .. انتقم لقاتلى ولدينا
نعم أكيد .. عذراً حبيبتى
لا لا .. لا تهتم ، فى رعاية الرحمن
السلام عليكم ورحمة الله
وعليكم السلام ورحمة الله
----------------------------------------------

ترك الجندى السماعة وقام متكئاً على عصاه يحاول إخفاء دموعه التى غطت ملامح وجهه الأسمر
وتركت الزوجة السماعة وقامت تلعب مع طفلتها .. تحكى لها مغامرات زوجها البطل قاهر اليهود

تلك الغرفة بأعلى القصر

لا أزال أراكِ .. ها أنتِ هناك .. خلف تلك الستائر الحمراء .. داخل هذه الغرفة بأعلى القصر .. تلفحين وجهك الخمرى الرقيق وتخفين ملامحه بقماش الستار الأحمر .. تنظرين بلهفة إلى تلك القرية من بعيد .. وتبتسمين كالأطفال كلما مرت عصفور بجانب نافذتك .. تحاولين فتح النافذة لتلعبى معها .. لكن نافذتكِ لا تُفتح أى حبيبتى .. تنظرين وتنظر العصفور إليك قليلاً ثم تشيحين بوجهك .. تخشين أن ترهق مدامعكِ قلب العصفور الرقيقة ..

ثم تسمعينه يلفظ ناراً .. فتنظرين برعب نحو النافذة الموصدة .. احترقت العصفور .. وتناثرت دماؤها على النافذة الموصدة .. وتنتبهين فإذا بوعيك قد فقدتيه .. وإذا بوقتك قد أمسى كالسياف يذبح السعادة كل ساعة وساعة .. تحترق أعصابك كلما سمعتِ ناراً يلفظها ، وتتناثر آلامك كلما تذكرتى منظر العصفور البريئة ..
تابعتُ كل ذلك من بعيد أى حبيبتى وأنا أخطط لقتل ذلك التنين .. حتى سمعت صرختك فى تلك الليلة عندما تيقظتِ لتجدى دماء العصفور ما زالت على النافذة ، وأن ما فات لم يكن مجرد كابوس .. وأنكِ لا زلتِ حبيسة .. حينها قلتها فى قرارة نفسى : "الهجوم .. الليلة"
التنين لا ينام .. فقط ينظر يميناً ويساراً ويلفظ دخاناً من حين لآخر .. أحياناً يلفظ النيران إذا لمح أو شك أنه قد لمح شخصاً ما أو شيئاً يتحرك بالقرب من قصر الحبيبة .. استجمعت قوتى واستحضرت صورتك فى مخيلتى ثم عقدت العزم وبدأت الخطة ..
ربطتُ تلك العصا الخشبية بالحبل الذى أملك وأركزت العصا على الشجرة ثم أرخيت الحبل ومددته خلفى وانا أسير على أربعتى .. توجهتُ فى خفية إلى تلك الصخرة ها هناك .. انتظرت خلف الصخرة قليلاً ، حتى أشاح التنين بوجهه الضخم إلى الجهة الأخرى .. ثم جذبتُ الحبل الذى كان يربط العصا فوقعت مصدرة صوتاً بسيطاً ..

التفت التنين إلى العصا .. فلم يرها وسط الظلام .. فسحبتها نحوى بسرعة فظنها شخص يجرى فنفث فيها ناره فأحرقها .. ثم أطال النظر نحو العصا فوجدها لا زالت تتحرك ولكن ببطء .. فأصدر صوتاً غليظاً عالياً ثم نفث فيها ناراً أحرقتها وأحرقت ما ورائها من أشجار وكادت أن تحرقنى أنا البعيد عنها لولا أننى احتميت بتلك الصخرة ..
أنارت تلك البقعة من النيران جزءاً من الغابة وسط ذلك الظلام الموحش .. فأطال التنين النظر إليها فى ترقب .. حتى اطمئن وبدأ يشيح بوجهه عنها فإذا بحجر يتدحرج على الأرض يصدر صوتاً واضحاً وسط كل هذا الهدوء .. فيجن جنون التنين .. يهرول التنين راجاً الأرض تحت أقدامه إلى البقعة المنيرة بين الأشجار وانا أركض على بعد أمتار منه فى الظلام دائراً من حوله إلى بوابة القصر الحديدية الموصدة .. حتى أن وصلت إليها وهززت القفل فإذا به لا يُفتح ..
سمع التنين صوت القفل .. فهدأ قليلاً من صياحه وبدأ ينصت .. فسمع صوت القفل من جديد ولكن بنبرة أقل حدة .. فزأر التنين وإنطلق يهرول نحو بوابة القصر ونفث نحوها نيراناً أكثر كثافة كادت أن تحرق الحديد إن صح التعبير .. إلا أنه لم يكن هناك أحد .. تلفت التنين حوله يحاول أن يجد ذلك المتطفل الذى يظن نفسه قادراً على إنقاذ الأميرة ، إلا أن أحداً لم يكن هناك .. هدأ التنين من ثورته ثم عاد إلى مكانه بجانب البوابة وجلس يتلفت مرة أخرى يميناً ويساراً .. ولكن هذه المرة كان قد ترك وراءه متطفلاً يظن نفسه قادراً على إنقاذ حب حياته ..
أُرهِقَ التنين بعد هذه المناورة غير المعتادة لديه ، وبدأ صوت زفيره يهدأ قليلاً وبدأ يدخل مرحلة تشبه النوم ولكن وعيونه مفتوحة ناظرة إلى الطريق المؤدى إلى القصر .. انتظرت بجانب البوابة قليلاً ثم استرقت خطوات السير إلى أن وصلت ببطء نحو البوابة الحديدية التى قد تهتكت مفاصلها واحترقت نقوشها الملكية .. نظرت حولى فإذا بهذا الحجر .. أمسكته واستجمعت شجاعتى ثم قذفته فى الهواء بعيداً لعله يصل إلى الأشجار من فوق التنين الشبه نائم ..
ظننتُ أن ذلك من الممكن أن يمنحنى بعض الوقت لأحاول فتح ذلك القفل العنيد .. فإذا بالحجر يستقر داخل إحدى عينىّ التنين

يصرخ التنين فى غضب ويقوم محدثاً هرجاً ومرجاً ، ويتلفت حوله بسرعة لعله يرى من فعل هذا ، ولكنه لا يدرى أن من فعل هذا قد هرب إلى ما وراء الأشجار الكثيفة منذ زمن .. تعالت صيحات التنين ، حتى ظننت أنه سينفجر من الغضب .. توقعت أنه سيهدأ ولو بعد حين ، لكنه لم يهدأ وظل يبحث عنى بين الأشجار .. يلفظ بعض النيران فى بقعة هنا ثم مرة أخرى فى بقعة هناك .. حتى أنار الغابة من حوله بالنيران .. ضممت نفسى خلف إحدى الأشجار وأعدت تذكر صرختك .. آلامك وعذابك .. نظرة الرعب التى قد رأيتها فى عيناكِ .. ثم عقدت النية وهممت ففعلت
أخذت ذلك الفرع الجاف ووضعته داخل وشاحى الأزرق ولففته حوله ، ثم نظرت خلفى ورميته أحاول إصابة عين التنين المصابة .. رآها التنين وهى قادمة فنفث فيها من نيرانه ، لكن نيرانه لم توقفها بل جعلتها تنحرف قليلاً عن طريقها واللهب يتطاير من الوشاح المشتعل ، وارتكز الفرع داخل حلق التنين .. صاح التنين وأخذ يركض هنا وهناك .. مصدراً تلك الأصوات المخيفة التى خلعت قلبى من صدرى المرتجف .. حتى أنهكه التعب فافترش الأرض .. يحاول أن يخرج الفرع المحترق من حلقه .. فجريت من خلفه بأقصى سرعة نحو باب القصر .. نظر التنين خلفه فى غضب ونفث ناراً أقوى مما تصورت نحوى - أى نحو باب القصر - كفيلة بأن تحرق القصر نفسه لو كان التنين أقرب من ذلك إليه ..
ارتميت وراء تلك الصخرة التى اختبأت خلفها من البداية وأنا أهرب ، فلم تطل النيران سوى قدمى اليسرى وقليل مما طالته النيران من ثيابى .. زفر التنين آخر زفرة وهو ينازع الآلام .. ثم استقر فى هدوء ليترك وراءه الغابة أكثر توحشاً .. استقر بين كل هذه النيران هادءاً كليث جريح داخل بركة من الدماء .. دماؤه ودماء الفريسة ..
حاولت القيام فإذا بقدمى لا تسعفنى .. زحفتُ إلى باب القصر الحديدى الذى كان قد تحطمت واجهته من أثر اللهيب .. وزحفت بجانب الباب المُلقى ودخلت القصر أستند إلى سراج درجات السلم أحاول الصعود .. ولا أنفك أصعد حتى وصلتُ إلى باب حجرتكِ حبيبتى فوجدته موصداً .. أحضرتُ ذلك الفأس من ذلك الفارس الحديدى ها هناك ، ثم عدت أحاول المشى .. ورفعت الفأس عالياً ، وأظننى قد هويت به على قفل الغرفة .. إلا أننى لا أذكر سوى أننى شعرت بنفسى أهوى على أرض لا وجود لها ، وسمعت صوتكِ يحادثنى .. لكننى لم أفهم ما تقولين .. فتحت عينى فلم أرى سوى ضباباً يتوسطه قمر منير .. دققت النظر فإذا به وجهكِ ينظرُ إلىّ .. وشعرت بكفك الرقيق يمسح على خصلات شعرى .. ثم أفقت الآن لأجدك أمامى تسأليننى كيف أنقذتكِ .. وأجد هذه السيدة العجوز تحضر لى إناءاً من الحساء الدافئ وتقدمه لى فى حنان .. وأنظر الآن فى عينيكِ وأقول أننى أحببتكِ ، وأننى كنت أخشى أن يقتلنى التنين لا خوفاً على حياتى ، بل خوفاً على الأمل الوحيد فى نجاتك .. حبيبتى .. لا تخافى بعد الآن .. ملاكى .. قد انتهت الأخطار بقدومى

ما زال هناك عابد

منذ أيام تم إطلاق سراحى ، استنشقتُ عبيراً طيباً بشرنى بحياة طيبة وعاماً جميلاً على وشك أن يبدأ .. نُزعَت عنّى الأغلال وتساقطت عن جسدى السلاسل وبدأت أنهض متأهباً للعودة إلى حياتى .. زوجتى وأولادى .. عائلتى وأصدقائى .. عملى الذى أحبه وأتقنه ، عدت منتشياً بالآمال ممتلئاً بالأفكار التى خطرت ببالى عندما كنت مقيداً كل هذه المدة .

قمت وأعددت متاعى ثم دخلت أول عمارة قابلتنى فى الطريق ، هذه العيادة الفخمة وهذه البهرجة التى تحيط بها .. البذخ يبدو على أصحاب المكان ، دخلت متلصصاً إلى أن وصلت إلى باب غرفة الطبيب واسترقت السمع :
"يا دكتور أرجوك .. ارحمنى ، انا ..."
"بتجرى على 7 عيال ومراتك عندها حالة نفسية وبتتعالج وأمك عندها الكبد الوبائى ، كل ده ميهمنيش فى حاجة ، العملية بتاعة بنتك هتتكلف 10 آلاف جنيه ، ومش هنقص جنيه واحد"
"يا دكتور .. يا دكتور .. العملية انت اللى هتعملها ، يعنى لو تحتسب الأجر عند ربنا وتخفضلى بس ألفين تلاتة .. أنا أصلاً مش عارف لو قلتلى ألف جنيه بس هجيبهم منين ، بس أهه تتدبر .. لكن 10 آلاف جنيه ! حرام عليك يا شيخ .. والله حرام"
"انت هتشتغلنى يا جدع انت ؟ ما عندك التأمين ! مش عاجبك روح استنى فى التأمين يمكن يعملوا لبنتك العملية كمان 8 ولا 9 شهور .. احتمال بنتك تعيش المدة دى ، ادعى انت بس"
"حسبى الله ونعم الوكيل .. حسبى الله ونعم الوكيل"
تحسرت الكلمات داخل فمى ، وصعقتُ مما حدث .. سمعت صوت الباب يُفتح ويخرج الشاب الذى كان يبكى منذ قليل قائلاً فى سره "الله يلعنك راجل معندكش دم .. حتة جيفة نايمة على عرش فلوس ومش مكفيها .. يدى الحلق !!"
خاب ظنى من جديد .. وشعرت بقليل من الحسرة ثم غادرت المكان مطأطئ الرأس ، نزلت الدرج أفكر .. ماذا حدث لبنى الإنسان ؟ لماذا تجردوا من مشاعر الإنسانية ؟ ...

سرت فى شوارع العاصمة مذهولاً .. هذه الفتاة كانت محجبة .. وهذه الفتاة ! ألم تكن قد قررت ألا ترتدى الجينز مرة أخرى ؟ .. هذا الشاب ! ألم يكن قد أقسم بعد وفاة حبيبته أن يغض بصره إلى أن يتوفاه ربه ؟ مال رقبته قد سُلسلت وعيناه قد صارتا عباداً لوقود النار ؟ غريب أمركم بنى البشر !

"محطة أتوبيس النقل العام" .. هذا الرجل لا زال يجلس فى نفس المقعد ؟ ماذا ! ألا تأتى حافلته أبداً ؟ لقد اشتعل رأسه شيباً .. ومن هذا الصبى ؟ ماذا يفعل ؟ يبدو كما لو كان يسرق حقيبة هذه الفتاة .. تقدمتُ فهمستُ بأذن ذلك الرجل هناك "ايه ده ايه اللى بيحصل ده" فنظر الرجل وهلة ثم ابتسم ، وعاد ببساطة ينظر إلى الشارع ، ضحكتُ ثم فعلتُ المثل مع ذلك الشاب بجوارها ، فنظر لوهلة يفكر .. ثم اندفع فى شهامة واضحة يمسك بالصبى الصغير يصرخ فيه أن ماذا تفعل أيها المتشرد .. تحركت فى مقلتى الطفل دمعة تحمل من المعانى ما تحمل ، ثم تملص منه الصبى هارباً إلى اللا مكان .. من حيثما جاء ، نظرت الفتاة بنظرة إعجاب إلى ذلك الشاب ، وتظاهر الشاب بالإنهاك والتعب وبأسفه أنه لم يلاحظ إلا متأخراً .. تابعت الموقف لمدة ربع ساعة خفيفة الظل .. انتهت بأن أخذ الشاب والفتاة أرقام محمول بعضيهما وافترقا ضاحكين متواعدين أن يتقابلا فى يوم آخر ..

ذُهلت مرة أخرى أن كيف ظننتُ ذلك الشاب شهماً ، لا مستغلاً تلك الفرصة ليصل إلى ذلك المبغى .. غريب أمركم بنى البشر

دخلتُ تلك الحافلة مبتسماً .. نظرت فإذا بذلك الرجل الفتىّ يجلس بجوار النافذة يتابع المارة .. وهذه المرأة العجوز تمر من جانبه تبحث عن مكان شاغر ، فلا تجد .. أهمس فى أذن ذلك الرجل "مش عيب يعنى تبقى انت قاعد وهى مش لاقية مكان تقعد ؟" .. لم يهتم الرجل .. بل بهدوء عاد يتابع المارة !
دخلت هذه الفتاة الجميلة الرقيقة تحمل ذلك الكشكول وقد تربعت يداها فوقه ، وقد بدا عليها أنها "شكلها كده فى ثانوى" على حد وصف الرجل الفتىّ .. قام مسرعاً ليفسح لها مكاناً ، نظرت السيدة العجوز لتجد المكان الشاغر ، فتقدمت مهرولة - على قدر سرعتها - تُزاحم الركاب حتى تصل ، لكن الرجل لمح ذلك فمنعها بذراعه الغليظ واستند به إلى الكرسى الذى يسبقه وراح يدندن كأنه لا يراها .. تقدمت الفتاة على استحياء وشكرته ثم جلست ، ابتسم الرجل فى بلاهة ووقف بجانبها .. نظرتُ إلى المرأة العجوز وإلى دمعتها التى ترقرقت ثم مسحتها بطرف ثوبها الأسود ، عادت المرأة مرة أخرى تبحث عن مقعد شاغر لها ، إلى أن يأست فجلست على أرضية الحافلة .. هذا يذهب فيضربها بقدمه عن غير قصد ، وهذا يتذمر ويسب ويلعن الجهل "أمال الكراسى عملوها ليه ؟؟ شعب جاهل وهيفضل جاهل"

غريب أمركم بنى البشر .. ألم تتركوا لى عملاً أعمله ؟

انتهى رمضان وفُك أسرى وانزاحت السلاسل ، لأعود فأجد نفسى بلا عمل ؟ ألا تحتاجوننى بعد الآن ؟

حسناً .. أظن أنه قد آن الأوان لأستريح إلى يوم التناد

قد لجمتكم بلجامى وصرتم تعرفون الطريق دون أن أقود

سمعت ذلك الصوت من بعيد ليفسد لحظات خيلائى :
"يا رب .. إنك تعلم أننى لا أرضى بما يحدث من حولى ، وقد بلغوا منى الجهد .. أنصحهم فلا ينتصحون ، أنهاهم فلا ينتهون .. يا رب العزة قد تجلى إبليس فى الأرض"

ثم تلا تلك الآيات فارتعدت أوصالى وعدت أدمع من جديد :

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

لا زال هناك عابد .. لا زال هناك عابد

ويلك يا إبليس

خزانة الذكريات


تثائب ذلك العجوز ونهض من على مقعده المريح ببطء ثم تثاقل يخطو نحو خزينة الذكريات .. مد يده المرتعشة داخل جلبابه الرمادى ثم أخرجها حاملة مفتاحاً حديدياً يبدو عليه القِدم ، وضع العجوز المفتاح وأداره ثم ترك الباب والمفتاح يذهبان سوياً مصدرين ذلك الصرير المزعج الذى لم يزعج صاحبنا .. بل على العكس أشعره بعبق الزمن يمضى بين نفحات التراب الخارجة من الغرفة ..

أخذ العجوز يقلب الذكريات يميناً ويساراً و ... ما لبث بصره أن وقع على هذه الذكرى فى ذلك الركن البعيد الملئ بالذكريات الحزينة .. الغريب أن هذه الذكرى لم تكُ حزينة .. هذه الذكرى كانت كمثل شمعة مضيئة أنارت حياته فى هذه الحقبة القصيرة من الزمن ..

ابتسم العجوز ثم قهقه .. ثم كاد أن يوقعه الضحك أرضاً لولا أن يداً أمسكت به فأسندته .. استدار العجوز مبتسماً وناظراً إلى صاحب اليد وكأنه يعرفها .. "أنتِ مرة أخرى ؟" .. استحالت أرض الغرفة جنة من جنان العشق والسقف سماءاً صفية من صفاء الحب .. "وسأظل أنا .. أنا وحدى" .. "ألا اكتفيتِ بهذيانى .. طوال شيبى وريعانى ؟" .. "بلى لكنك الآن فى قلبى .. فى عالمى .. وفى عالمى أنت أضعف من أن تقاوم" .. "صدقتِ" قالها وابتسم .. ابتسم بشفتيه الشابتين ، وارتاحت ملامح وجهه النضرة .. وامسكت بيدها يده القوية وقبلتها وقلبتها وقبلتها مجدداً .. ثم نظر الشاب لعينيها وقال "رحم الله روحك الندية ، وجمعنا سوياً فى جنة الخلد" .. تنهدت الأميرة الشابة وقالت فى حياء حور العين "آمين" ... أغمض العجوز عينيه وفتحهما .. ليجد نفسه لا زال جالساً على مقعده المريح .. تحسس بيده المرتعشة جيب جلبابه الرمادى فإذا بذلك المفتاح الحديدى .. ابتسم العجوز للحظات ، ثم عاد إلى تأمل السماء .

أصدق العشاق



مالت الظلمة إلى الرحيل ، وودعت قطرات الندى قمراً مكتملاً آل إلى الخفاء .. بين شعاعات شمس منيرة صفراء .. تلمع على موج بحر باهر الأضواء .. ونسمات من هواء الفجر تتخلل ذا الصفاء .. وقطرة ندى هاربة تشع جمالاً .. داخل وردتى الحمراء ..

وبين ذاك السلام النفسى ، ترى طفلتين صغيرتين تتقاذفان الرمال .. ثم تتسابقان إلى البحر ، ويقذفا بجسديهما الصغيرين بين أمواجه الصغيرة .. على مقربة من ذلك الشاطئ الناعم .. الذى صار يلمع كسطح مرآة ملكية

هدأت إحداهما واستقرت على مقربة من أهلها .. تحفر فى الرمل رسماً لم أتبينه ، ثم أسرعت ونادت قرينتها لتريها ماذا رسمت .. غارت قرينتها وذهبت .. ثم عادت ومعها نسخة بلاستيكية مصغرة من أدوات الحفر .. وبدأت تبنى قصراً من الرمال

تميزت الفتاة من الغيظ وصارت تسكب المياة على قصرها كلما ارتفع قليلاً ، فتغتاظ الأخرى وتجرى ورائها كثيراً .. حتى ان تتعب وتعود لتبدأ من جديد
ولكن الفتاة تعود من جديد مع دلو آخر من الماء ..

مرت الساعات وأنا أراقب هاتين الطفلتين ممسكاً بوردتى الحمراء أداعبها بين أناملى وأنفجر ضحكاً كلما جريا سوياً ، أو كلما رأيت تلك الصغيرة تبنى بصبر قصر الرمال التى قررت منذ البداية إنهاؤه اليوم .. قبل العودة

إزداد الزحام بعد ساعات حتى ما صار الجو نقياً ، أو الرمال ذهبية .. إلا أن صوت البحر صار يدغدغ أذنى ويجبرها على النوم على شاطئ البحر الأزرق
لم يكُ النوم سهلاً بين ذلك الزحام وأصوات البشر والباعة الجائلين .. وكذا لم يكُ الإبتعاد عن البحر سهلاً فى يوم مثل هذا ..

مالت الشمس إلى الغروب ، ومال البدر إلى إستعادة مجده الذى قد سلبته الشمس منذ ساعات .. وكذا انتشرت الظلمة رويداً رويداً ، وكأنها تأبى إلا الموت البطئ لنهار سلبها ملكها .. وكأنها سيدة الكون بلا منازع

بدأ البشر بالرحيل ، وبدأ الشاطئ يعود إلى الصفاء .. واتسع الأفق من جديد لأتابع قرص الشمس يأخذ نفساً عميقاً .. قبل أن يغطس فى مياه البحر
وأخيراً اختفى قرص الشمس .. ولكن ضوء الشفق الأحمر لا زال يلمع فى الأفق .. قمت من مكانى وذهبت أسير فوق الرمال .. تلك التى كانت مليئة بقمامة رماها هؤلاء وحفرة حفرها أولئك ألطفال ، وبعض القصور الرملية المتهدمة التى عكرت صفو وجمال المنظر

توقف إتصالى بالواقع وصرت أرى خيالات من الطبيعة ، رأيت الشاطئ يبكى .. يبكى ويبكى إلى أن تتحرق رماله .. والبحر يبتئس ويقول فى أسى :
"لا عليك أيها الحبيب .. سأساوى رمالك وأنظفها .. وأداوى جراحك وألطفها"

ثم أشعر بأمواج البحر تقترب رويداً رويداً .. وتأخذ برقة كل ما يؤذى العيون .. ثم تعود .. فتخفى بداخلها كل ذاك .. ثم تقترب رويداً .. وتسوى تلك الرمال التى علت وانخفضت .. وتعود فإذا بمرآة ملكية عادت من جديد ..

همس الشاطئ فى خجل :
"الحب كل الحب أجده فى مياهك العطوف .. أنّى لى أن أرد لك المعروف ؟"

يهدأ البحر قليلاً كأنما يفكر .. ثم يعود فيلقى بوردة حمراء

ثم تأتى موجة أخرى .. يعقبها صوت البحر يقول :
"لا تشكرنى يا أصدق العشاق ، يا من تحملنى فوق رمالك منذ قدم الدهر"

فأرى رمالاً تتطاير طرباً .. ممسكة بتلك الوردة ، وأسمع هديل رياح تداعب تلك الرمال
ثم وكأن الرمال تنطق من جديد وتقول :
"وماذا يكون صنيعى ، بجانب صنيعك يا شافى جروحى ؟"


ولا زالا أصدق عشاق الكون يتغازلان حتى .. أدركهما نور الصباح .. فسكتا عن الكلام المباح
ومرة أخرى .. عادت قطرات الندى .. تهرب من نسيمات فجر جديد
.
.
.

كان ذلك .. من وحى الشاطئ

النوم مع الذئاب

لم يدر ماذا عليه أن يفعل .. لذا اكتفى بأن صافحه بحرارة وتمني له التوفيق ، حين أغلق العميل باب المكتب خلفه حاول الرجل تناسى هلعه وراح يحدق فى سماء الغرفة .. ثم وضع يده داخل جيب المعطف وأخرج الهاتف ، خارج المبنى كان أحدهم يغلق الهاتف وينظر إلى السائق .. تنهد قليلاً ثم نظر إلى باب المبنى حيث كان العميل خارجاً يحمل قصاصة من الورق يقلبها بأصابع يمينه ، ويساره تحمل حقيبة سوداء طُبع عليها اسم الشركة .. ثم أشار إلى سيارة الأجرة ، تهادت سيارة ورائهم .. ثم ما لبثت أن أسرعت ..


تفتت الأظافر بين أسنان الرجل .. وارتفع رنين الهاتف حتى هرعت السكرتيرة الجديدة إلى المكتب ، لتجد مديرها قد غاب عن العالم . "أستاذ طارق .. أستاذ طارق أرجوك .. أجبني" ، إلا أن أستاذ طارق كان يهذى فى عوالم أخرى سحبت عيناه إلى أرض المعركة . تعالى صوت الرنين مرة أخرى بعد أن صمت ، وأخذ يعلو حتى التقطته الفتاة بين الأصابع المرتجفة . لم تتفوه بكلمة حتى بدأ الطرف الآخر بالحديث ..

"طارق بيك ؟" .. "نعم .. أنا سكيرتيرته .."

تلعثمت قليلاً ثم استجمعت "الأستاذ طارق فى اجتماع .. هـ .. هل تود ترك رسالة له ؟" .. "لا شكراً ، فقط أدخلى له الهاتف فوراً .. الأمر لا يحتمل الأنتظار"

لم تجد السكرتيرة كلمات ترد بها على المتصل .. فقد كانت نظرة الرعب التى ينظر بها استاذ طارق إليها كفيلة بأن تجمد الدماء الزرقاء داخل شرايين الموقف .. أعطت السكرتيرة السماعة لأستاذ طارق فى هدوء وحذر وكلها أمل ألا يكون ما حذروها منه حقيقى ..

تسلم أستاذ طارق السماعة منها وأحكم عليها قبضته بأصابعه المرتجفة ووضع السماعة على أذنيه قائلاً بذات الصوت المتحشرج "نـ .. نعم .. أنا الأستاذ طـ .. ا ر ق"
فرد عليه الصوت:
"حضرتك احنا دار نشر لبنانية بتنشر كتب ثقافية وسياسية واجتماعية مش هناخد من وقت حضرتك كتير تحب تاخد فكرة؟"

(عذراً يا جماعة .. ضغط الشغل بيعمل أكتر من كده)
:)

ورقة شجر (خاطرة غزلية)

إلى عالم مرسوم رحلت ، على أرض إختفت تحت أوراق الكافور جلست .. وفوق الأوراق المتساقطة فى خريف مرمرى وضعت ألوانى وفرشاتى .. وبين ورود اكتست ثياب الندى ثبتُّ لوحاتى ومنضدتى .. ثم على ريح عنبرى استيقظت حواسى ولفتاتى .. ثم على صوت عطر شجىّ - يمشى مختالاً بين نسمة وأخرى مفتوناً بهيام الأزهار به – ارتقت روحى إلى عالم آخر .. أكثر نقاءاً وصدقاً ..هناك حيث شجيرة الكافور .. جالت رفيقة الدرب فى خاطرى .. فاشتعلت الفرشاة حباً وصالت فى لوحة بيضاء فرسمت وردة ندية ، لديها من الأشواك ما لديها .. ولديها من رائحة العطر الأحمر ما يكفى العالم ليتحرر من الشقاء .. رائحة وُلِدت بين الألوان

ثم حار فكرى .. ما هذه حبيبتى .. الوردة تشوك ممسكها ، وتفتح أحضاناً لكل النحلات .. فما من وردة قد أحبت فأخلصت .. ولكن وردتى أطهر من ذلك وأصدق ..

خجلت الفرشاة منى .. واحمرت اللوحة اعتذاراً ثم سقطت الألوان عنها .. وسرعان ما دارت فرشتى ترسم أشياءاً .. ما هذا الأزرق الكثيف ؟ ليس كثيفاً جداً .. ما هذا الجزء الذى ترك باللون الأبيض ؟ هل تلك صَدَفة ؟ إنها مفتوحة .. لؤلؤة ؟ هل ترين حبيبتى لؤلؤة ؟ يا للروعة .. إنها لؤلؤةٌ مزجاة .. تراها تنير من بين الألوان .. ذلك اللون الرمادى بجانبها لا أراه الآن .. إنها تنير حقاً .. ولكن لا يا فرشاتى .. إن اللؤلؤة قد لا يشعر أحد بوجودها .. وقد تمضى حياتها دون أن يكتشفها أحد .. ولكن الحبيبة ما أن طأت أقدامها مكاناً .. شعر الجميع بالسعادة .. إنها السعادة التى لا تعرف كنهها ما لم تشعر بها .. إنها السعادة التى لا يستطيع وصفها حتى من عايشها .. لأنه ببساطة لن يجد الكلمات .. إن حبيبتى إن لم تلفت الأنظار فإنها وببراعة .. ترسم تلك الإبتسامة على شفاه الجميع .. يكفى أن تبتسم فى حياء .

احمرت الفرشاة مرة أخرى وشعرت بذنبها .. ثم هامت اللوحة حباً فى حبيبتى وخارت قوى الألوان فيها .. وسقطت تتلوى أسفاً .. عفواً فرشاتى .. إن حبيبتى أجمل من ذلك وأصدق ..

التفتت الفرشاة حولها كمن يبحث عن شاه أضلت الطريق .. ثم اهتزت فى سعادة وبدأت تخط خطوطاً خضراء ، وأخرى بنية اللون .. ثم رسمت ورقة خضراء .. تتلمسها قطرات من ندى العشىّ .. لامعٍ فى ضوء الشروق الخافت .. ثم توقفت فرشاتى تتلمس ابتساماتى .. فرحت كثيراً وخطفت اللوحة .. ثم رحت أتقافز فرحاً بين الأزهار .. هذه هى حبيبتى .. ماذا من الممكن أن يكون أكثر صدقاً من ورقة خضراء ؟ بل ماذا من الممكن أن يكون أطهر من قطرات الندى ؟ قطرات البركة الإلٰهية التى تغمر الكون عندما يؤذن من يؤذن "الله أكبر الله أكبر" .. الله أعظم الله أبدع .. كون جميل أهدانى أجمل ما فيه .. يا لكرم أكرم الأكرمين .. أيكفينى عمرى وعمران فوق عمرى لأشكر تلك النعمة فقط ؟

أفقت من شرودى فرأيت رفيقة الدرب .. لا والله ليست ورقة خضراء ندية .. بل هى أطهر من ذلك و .... أصدق

هل كنت تتحدث ؟ عذراً .. لا أهتم

يعتقد الكثير فى علم الفلسفة ، ينظرون إليه كأنه خلاصة ما توصل إليه العقل البشرى ، ويتناسون تماماً أن ذلك العلم إنما هو نتاج فلسفة آخرين .. فلسفة الآخرين لا تنطبق على الجميع حتماً ، بل على النقيض .. كثيراً ما تتباين فلسفة البشر من شخص إلى آخر .. حيث أن فلسفتك إنما هى نابعة من إدراكك ومعتقداتك الذاتية وقيمك العليا ..
لذلك تعودت دائماً ألا أقول (فلسفة) ولكن أقول (فى فلسفتى الخاصة) ، لإيمانى الشديد أنه ليس كل ما يتوافق مع فلسفتى يتوافق مع فلسفة الغير .. كفانى هراءاً .. لأدخل فى صلب الموضوع ..هنا سأعرض جزءاً من فلسفتى الخاصة ، التى من الممكن أن يقبلها البعض وينفيها كثيرون .. ليست مشكلة أبداً
لننظر إلى شخصين .. شخصين عاديين تماماً ، بلا أية علامات مميزة .. مجرد شخصان يتحادثان ، ستلاحظ وبسهولة أن أحدهما يتحدث كثيراً ، والآخر يستمع أغلب الوقت ، ثم ما يلبث ذلك الصامت أن يتحدث حتى يقاطعه الآخر - وأحياناً يقاطعه تأييداً لما يقول - ويكمل على كلامه فيصمت الصامت مرة أخرى ليعود المتحدث الرسمى ليبث نشرة أخبار التاسعة ..لا يفكر أحد أبداً بماذا يشعر ذلك الصامت .. عذراً سيدى فمهما كان كلامك ممتعاً .. أظن كلامى كذلك ، هذا هو أقل ما يدور فى الذهن حينها ..يعود الصامت إلى الصمت ، ويحاول من حين لآخر أن يتحدث ، فيجبره الآخر على السكوت .. والتزام مقعد الصمت خاصته .. إما بمقاطعته من حين لآخر ، أو بالسكوت التام .. يقاطعه بالسكوت ؟ أى نعم .. عندما يتحدث الصامت للمرة الأولى فإنه يجد صعوبة فى ترتيب أفكاره .. فيحتاج إلى من هو يقظ معه .. يفقد الصامت كلمة فيقولها له فيستجمع الصامت قواه ويكمل ما كان يقول .. أما إن صمت المتحدث فإن الكلمات تهرب من ذلك الصامت .. ويعود مجدداً إلى صمته ، بل إنه أحياناً ما يتوقف فى منتصف الحكاية .. ويكون واضحاً أنه لم يكمل حديثه بعد .. فما يكون من المتحدث إلا أن يتابع ما كان يقول قبل ذلك ، أو يتذكر موقفاً آخراً ، أو يعلق على موقف وليد اللحظة .. وكأن كلباً لم يكُ ينبح منذ لحظات .. فيعود الصامت إلى جعبته ، ويغلق عليه مزيداً من الأبواب
هل هذا هو حال جميع من يتحدثون ؟ لا بالطبع .. قلت فى البداية شخصين عاديين بلا أية علامات مميزة ، يتميز فى ذلك من وصلوا إلى المنتهى .. ومن وصل إليه ؟ مجرد قلة ، ولا زال غالبية البشر كذلك ..أنت يا من تقرأ .. أنظر إلى نفسك وأصدقائك .. مَن مِمَن تجالسهم وحدك أحياناً لا يعانى منك أو لا تعانى منه هذه المشكلة ؟ إن كانت الإجابة هى (لا أحد) فلسوف أكسرن القلم .. وصل القليل إلى ذلك المنتهى ، وحول ذلك المنتهى يطوف الكثيرون ..
أتعلمون إين العطب ؟ إنه فى دائرة الحديث .. دائرة الحديث للأسف الشديد لا تسع إلا متحدثاً واحداً ، لذلك هى من نصيب المتحدث الأوفر ذكاءاً والأحضر أفكاراً والأكثر لباقة بين الحاضرين .. زد العدد .. لنأخذ مجموعة من الأشخاص .. أصدقاء مثلاً .. تجد أيضاً شخصاً واحداً يحتكر الحديث .. هناك ذلك الشخص الذى يتجه إليه الجميع بأعينهم وأفئدتهم وهم يتحدثون .. هذا الشخص الذى أتجه إليه فى الحديث عندما أحب أن أحكى قصة ما على الحضور .. قطعاً سيستمع إلىّ الجميع إن أثرت إنتباه ذلك الشخص .. يقترح أحدهم فكرة .. فلا سمعه الكثير ، ويسمعه البعض .. الذين يخشون أن يخرجوا عن حلقة الضوء .. فيتركونه وما قال وراء الحائط ، ثم يعود المقترح إلى شد انتباه ذلك الشخص .. فينتبه .. فيردد المقترح فكرته .. أعجبت الشخص فرددها .. فسمعها الجميع لأول مرة ، بل ويهنئونه على تلك الفكرة الرائعة .. يا للمفاجأة .. أين كانت كل تلك التعبيرات عندما كان ذلك المقترح يتحدث ؟ هل هو داء الصمم الذى آذى البشر ؟ أم هو الخوف من الخروج عن حلقة الضوء ؟ أم هو ذكاء المتحدث الرسمى للمجموعة ؟ أم هو قلة احترافية المقترح ؟ فى فلسفتى الخاصة .. أظنها الخوف من الخروج من حلقة الضوء
يسعى الجميع دائماً إلى التواجد حيث يوجد النور .. حيث يوجد الظهور .. حيث تُسرَق الأنظار ، وتشد الإنتباهات .. هذا هو المنتهى .. حلقة النور حيث يسمعك الآخرون حين تتحدث ، حين يضحك الجميع على طرفتك الأخيرة رغم أنها ليست مضحكة للدرجة ، تلك الحلقة التى تصنع أبطالاً زائفين ، وتهدم القيم ، وتبنى الجدر ، وتزرع الخجل فى أراض خصبة ..

المتسول الصغير

جلس الصبى يفرك أصابع قدميه الحافيتين بيديه المثلجتين ، قميصه المرقع وعيناه الرفيعتان والهواء القارص اتخذوا جميعاً ذات الزرقة لوناً موحداً .. أصدرت لفحة من الهواء البارد فحيحها بين أشجار الزيتون ، تلك الأشجار الدافئة التى قد صبغتها الزرقة أيضاً .. جلس الصبى مستنداً إلى تلك السيارة فى طريقه الفارغ ..ترقرقت دمعته الأولى .. تثلجت .. فتبعتها أخرى .. تثلجت قبل أن تتجاوزها .. ثم ترقرقت الثالثة فى عينيه .. إلا انها أشفقت على نفسها من البرد بالخارج .. فآثرت البقاء .. ظلت فى عينيه مترقرقة لامعة بضوء السماء الخافت ..لاح ذلك العجوز فى أفق الأمل .. طريقه الفارغ .. تقدم العجوز من الصبى متأملاً .. ترقرقت الثالثة أخيراً فهطلت على شفاه جافة متشققة و .... زرقاء ، فاعتدل الصبى أدباً ناظراً إلى العجوز .. حانياً تقدم العجوز .. وأخرج محفظة أوراقه ، قام الصبى متلمساً أجزاء السيارة إلى أن وقف .. نظر العجوز بحسرة إلى محفظته الخاوية وباعتذار إلى الصبى .. فما كان من الرابعة إلا أن ترقرقت .. ومن العجوز إلا أن تحسر ، التفت العجوز ومضى غريباً كما أتى ..لم يمضِ بعيداً .. اقترب من تلك الماكينة فى الشارع المقابل .. أخرج تلك البطاقة من جيبه ووضعها فى آلة الصرافة .. أصدرت الآلة تكتكتها التى بدت متزامنة مع صوت أسنان العجوز الباقية .. تخيل العجوز تلك الفرحة التى سيشعر بها الصبى .. ثم ابتسم ونظر إلى ذلك المطعم .. قاوم العجوز ابتسامته ونظر إلى الورقة فئة المائة جنيه فأخذها ووضعها بجيبه الخلفى ثم أمسك بطاقته واخرجها .. وضع بطاقته فى محفظته ثم ابتسم كثيراً ..نظر العجوز خلفه فوجد الصبى يهرول مبتعداً .. فاستحضر العجوز أن من هم بحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة .. ثم هم بالمضى ..

أما هناك على الجانب الآخر من الطريق .. وعلى مقربة من نهايته .. كان هناك ذلك الصبى .. يحمل تلك الورقة فئة المائة .. ويطير بها فرحاً ..
ثم
خانته اللفحات
و
طارت الورقة
..

الضبع الأسود

فى زمن افتقر إلى الرجولة ، وبعد أن هدمت الحروب النووية العالمية عالم الصفاء الذى كان أجدادنا يحيونه .. غادرت التكنولوجيا .. غادر الضيف الثقيل إلى غير رجعة .. قضت الإشعاعات الدائمة التى ملأت الأرض وشوهت البشر - من عاشوا منهم - على كل مظاهر التكنولوجيا على الأرض .. "كل ما يسرى فيه تياراً كهربياً" كما قال أحدهم منذ سنوات .. قتل العالم نفسه ورقدت التكنولوجيا فى قبرها النووى تلفظ أنفاسها الأخيرة .. حتى رجعت إلى بارئها .. لعل الله يغفر لها ما فعلته بالبشر !تفقعت الوجوه وتشوهت الأجساد .. تهدم العمران وخارت الأسلحة .. تفجرت مخازن الوقود واحترق كل ما هو قابل للإحتراق .. وعاد الإنسان الأسود - إنسان ما بعد الحريق النووى - إلى الأسلحة القديمة ، رماح وسيوف وسهام ومجانيق .. تكتل العالم من جديد من دون قوى عظمى .. لا فضل اليوم لعربى على عبرى ولا لعبرى على عربى إلا بالرمح والسيف .. يحاربوننا من وراء جُدُرٍ فنذيقهم من الوبال ما أذاقونا من قبل بل وأكثر .. حينما تهدمت القيم وخارت حقوق الـ (فيتو) وصارت الأمم المتحدة ذكرى مضحكة تزيد التشقق فى شفاه تشوهت من أثر الحريق .. حينها فقط لم يعلُ إلا صوت الإسلام منادياً أن يا أيها الذين آمنوا .. أن اعتصموا بحبل الله جميعاً .. ولنعد لهم ما استطعنا من قوة ومن رباط الخيل .. ففعلنا واجتمعنا .. وقادنا هذا .. هذا الضبع الأسود !حمل الراية وتقدم .. شمر عن ساعديه وكشر عن أنيابه كما كانوا يلقبونه دائماً .. الضبع الأسود .. بشرته السمراء ونظراته القاحلة وروحه المقفرة ورمحه الأسود ، عقله اللابشرى وإصراره الحديدى .. لم يكلّ أو ترتخِ عزيمته .. بل حارب وقتل ونزف وعالج نفسه ثم ذهب وأفتك ثم عاد وقاد ثم ذهب ودمر ثم عاد وقاد ثم ذهب وأراهم من هم نحن .. من هم المسلمون .. عادت أمة الإسلام .. عاد المقاتل المسلم .. "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود" .. هذا الهتاف الذى كان أجدادنا يرددونه أملاً منهم فى عودة جيش محمد (صلى الله عليه وسلم) .. وها هو قد عاد ..لا أعلم إن كانت الساعة قد اقتربت بهذه الحرب - حرب المسلمين لليهود - أم أنه لا زال فى عمر الأرض بقية ، ولا أعلم إن كانت ستقوم لنا قائمة بعد أن قُتِلَ الضبع الأسود أم لا ! إلا أننى على يقين لا يخالطه الظن .. أن الله وضع فينا ألف ضبعاً أسوداً .. يقوده أحد الضباع فما أن قُتِلَ جيئ بآخر .. ضبع آخر .. ليقود المسيرةقيل ولم اخترتم الضباع ؟ فرد الضبع الأسود :"لأن الضباع لا تهاجم إلا فى جماعات .. الضبع وحده أضعف من أن يقتل بعوضة .. إلا أنهم مجتمعين قادرين على أن يطفئوا الشمس ، أو يشعلوا النيران فى ماء المحيط"

ليس الآن

نظرت إليه بتلك النظرة البلهاء خاصتى وقلت له "ليس الآن" ..
كنت فى ذلك اليوم أرتدى زياً مدرسياً رمادى اللون وأحمل على كتفى حقيبة ظهر سوداء محاطة برسومات عجيبة لم أفهمها يوماً ولم أكُ أكترث لذلك كثيراً ، لونها ظريف وسعتها كبيرة وتسع كل الكشاكيل والكتب التى .. لا أحضرها أبداً ؛ لذا فهى الأفضل .. بغض النظر عما سوى ذلك .فى مثل هذا اليوم كنت أحمل - إضافة إلى الحقيبة السمراء - تلك الحقيبة الحمراء الصغيرة .. ذات اليدين القماشيتين والرسومات البارزة التى تحمل شكل حزمة من الورود بين يدى فتاة حسناء مرسومة بدقة .. تشبهها كثيراً .. ها قد أتت ، حقاً إنها تشبهها !نظَرَتا عينيها الرقيقتين بحدة إلى صديقاى اللذين أبيا إلا أن يصطحبانى إلى مدرستها .. اصطنعت الغباء وأشرتُ إلى تلك الحسناء هناك وقلت فى فخر أحمق : "هذه هى .." فابتسم أحدهما فى بلاهة أكثر حماقة وقال "ليست بفارهة الجمال للدرجة" وتابع الإبتسام فى بلاهة غريبة لم أر مثلها قبلاً ، فنظرتُ إليه تلك النظرة الحادة التى لم يلحظها ؛ لأن الآخر كان قد جذبه من يده بخفة وتواريا داخل أحد الأزقة .. بينما كانت الملكة تتقدم فى بطءٍ مهيب .. تمشى الهوينى كما يمشى الوَجِى الوَحِلُ ."كل عام وأنتِ حبيبتى" قلتها وثغرى يتسع ابتساماً ثم أظهرت الحقيبة الحمراء من خلفى وأهديتها إياها ، احمرت بشرتها خجلاً ثم مدت يدها فى زمن طويل نسبياً - حوالى نصف دقيقة - فقط لتتناول الحقيبة وتنظر بداخلها .. ! انتشت ابتسامتها ثم مدت يدها فى بطء مماثل وأخرجت يدها حاملة ذلك الـ (دبدوب) الأحمر المكسو بشئ يشبه الفراء إلا أنه أكثر نعومة .. رغم أنها كانت تعشق مثل هذه الأشياء إلا أنها - هذه الأشياء - كانت ولا زالت تبعث فى جسدى قشعريرة بلهاء عندما ألامسها ! فطلبت من البائع أن يضعها لى فى هذه الحقيبة ثم أمسكت الحقيبة من أعلاها وجئت بها إليها .. لم أخبرها بكل تلك القصة بالطبع ، فقط اكتفيت بـ "كل عام وأنتِ حبيبتى" التى قد اقتبستها من (كاظم الساهر) وبالـ (دبدوب) ذى الفراء الأحمر ..تبادلنا الحديث لفترة بسيطة لم تتجاوز الساعة على ما أظن ، إلا أن هادم اللذات الأبله هذا - هاتفى - قد بدأ حينها بالرنين .. أخرجته - وكلى ثقة فى سوء حظى - ونظرت إلى المتصل لأجده هادم اللذات الآخر - صديقى الأبله - يرن لى ، رفعت بصرى لأجده فى آخر ذلك الزقاق يشير لى بأن أذهب فوراً فنظرت له بتلك النظرة البلهاء خاصتى وقلت له "ليس الآن" ، لم يسمعنِ بالتأكيد إلا أنه بالتأكيد كان قد فهم الإشارة ..بدا بعدها بلحظات أنه لم يفهم الإشارة ؛ فها قد عاد الهاتف إلى الرنين وعاد معه هادم اللذات - صديقى الأبله - يشير إلىّ من جديد .. نظرت له نظرة حانقة - فلم يلحظها أيضاً نظراً للمسافة - ثم أغلقت الهاتف تماماً ورحت أكمل الحديث القصير الذى دار بيننا .. كان قصيراً فعلاً ، إلا أن يداً عابثة أبت إلا أن تفسد اللحظة وتعكر صفو اللقاء ، يداً عابثة قررت أن تقطع الحديث بسيل من السباب والعواء ، يداً عابثة جعلت بصرى يهتز كما تهتز زجاجة الدواء ، يداً عابثة ارتفعت فى الهواء ثم استقرت على ... على ... لنعتبرها رأسى وكفى !أدرت بصرى المهتز إلى صاحبة اليد الرقيقة - مجاملاً - فرأيتها .. لا لم تكن رقيقة على الإطلاق ، ارتفعت اليد مجدداً فارتعشت أصابع قدمى .. ثم هوت - اليد - بسرعة مخيفة على كتف الملكة .. خلال لحظة ونصف اللحظة وما أن ارتفعت اليد عن كتفى ، كنت أبعد عن مكان الحادث أكثر من 50 متراً .. وقدماى تتسابقان فى خفة ورشاقة !!

آخر ورقة

"عذراً حبيبتى ، سأذهب بعيداً .. لن ترينى مرة أخرى ولن أحدثك بعد ذلك مهما بلغ الأمر منى الجهد ، سأذهب لأخرى .. أجمل منكِ .. وأعقل منكِ .. سأحدثها حينما تغلق الدنيا أبوابها ، وأحدثها بأعذب الكلمات وتحادثنى بأرق الكلمات ، ستستمع إلىّ .. وتشاركنى التفكير .. لن تستمع فقط كما تفعلين .."
للمرة الأولى أتحير هكذا قبل أن أسطر هذه السطور .. أنظر بحب إلى فنجان القهوة وأبتسم ، ثم إلى الورقة البيضاء والقلم فى يدى وأحاول الكتابة وكأننى أكتب مذكراتى للمرة الأولى ، فأتوقف وأرشف مزيداً من القهوة الساخنة لتصيب لسانى بلسعة حارة أتأوه منها .. إلا أن الإبتسامة قد أقسمت ألا تفارقنى ! يا للعجب ..ها قد أتت مشتتة أفكارى مرة أخرى ، تنظر إلى عيناى بعينيها الحانيتين وتصدر ذلك الصوت .. تلك الدندنة الرقيقة التى تقلد بها (أوبريت) "بحيرة البجع" ، صحيح أن بحيرة البجع تختلف تماماً عما تقوم به مشتتة أفكارى ، إلا أنها بالتأكيد أعذب وأنقى مما عزفت به أعظم الفرق الموسيقية فى العالم .. توقفت عن الكتابة حتى ذهبت الحسناء ثم رحت أعبث بقلمى الأسود ليخط تلك الخطوط المنسقة كى تكون أشكالاً يراها الآخرون فيدركون فيما كنت أفكر بينما كنت أسطر هذه الخطوط .. غريبة هى فلسفة الكتابة ! مذكرتى الغالية .. ليس هذا ما جئتكِ كى أخبركِ إياه .. إننى فقط أستقطع مزيداً من الوقت ، مذكرتى .. لقد تزوجت منها أخيراً !
أنظر بحنين إلى ذلك الصف الكبير من الـ(أجندات) ، خمسة عشر (أجندة) تحكى قصة خمسة عشر عاماً من حياتى منذ أن كنت فى العاشرة من العمر حتى هذه اللحظة ، تلك المدة الطويلة التى عانيت فيها من العزلة الشديدة .. رأيت خلالها الحياة ترسم من حولى قضباناً نفسية من همس السكون .. اتجهت إليكِ - مذكرتى - كى تعينينى على الصمود .. استمعتِ لأفكارى وهو ما كنت أحتاجه حقاً ، لم تقاطعيننى أبداً ولم تسخري منى .. لم تشعريننى يوماً بأننى أثقل كاهلك إذ كنت أجدكِ دوماً وقتما احتجت إليكِ ، كنتِ لى العون حتى تخطيت العديد من العقبات .. طالما حكيت لكِ عن حبى لها ولم أشعر يوماً بغيرتك منها .. ربما لم تعلمى قبلاً أنها ستطلب منى أن أعتزلكِ إلى الأبد .. ولشد ما كان هذا صعباً علىّ ، فعارضتها مراراً وحكيت لها عن تاريخى معكِ وحياتنا الخاصة التى لم يقتحمها أحد قبل ذلك .. إلا أنها شعرت بغيرة منكِ .. وطلبت أن أختار ! عذراً رفيقة دربى .. لقد اخترتها !
أعدكِ ألا أنقطع عنكِ .. ففيكِ سأدون عن حبيبتى أشعاراً ، وبين طياتكِ سنمرح وحبيبتى نتذكر الماضى وأحكيه لها .. وفوق صفوفكِ سأضع صورة زفافى ومشتتة أفكارى !صحيح أننى لن أحتاج لدفتر مذكرات بعد الآن .. إلا أننى مدين لكِ بالشكر .. لأنكِ أعنتنى حين لم يكُ يستمع إلىّ سواكِ .. والحال قد تغير الآن ! عذراً .. لن أفتقدكِ ما دامت حبيبتى حية ترزق . أتمنى لكِ التوفيق .. فتمنيه لى أيضاً .
"عذراً حبيبتى ، سأذهب بعيداً .. لن ترينى مرة أخرى ولن أحدثك بعد ذلك مهما بلغ الأمر منى الجهد ، سأذهب لأخرى .. أجمل منكِ .. وأعقل منكِ .. سأحدثها حينما تغلق الدنيا أبوابها ، وأحدثها بأعذب الكلمات وتحادثنى بأرق الكلمات ، ستستمع إلىّ .. وتشاركنى التفكير .. لن تستمع فقط كما كنتِ تفعلين .."

يبكى ويضحك .. فى الثالثة من العمر

تقدم أبى فى احترام وقال "هل من الممكن أن تكون المياه دافئة ؟ فمعدتى تعانى حساسية من المياه الباردة" فابتسم الرجل فى وقار وأظهر بوجهه تعبيراً يفيد بأنه سيفعل ثم ولى ليتحدث مع الطبيب ، التفت أبى وجلس ينتظر زجاجة المياة البلاستيكية ، بينما أنا فقد كنت أراقب شيئاً آخراً .. ذلك الطفل الصغير الذى بلل أنامله وراح يعبث بالمجلات الغريبة التى نجدها دائماً لدى عيادات الأطباء . أمه سيدة يبدو عليها ملامح (بنت البلد) ، جلباب أزرق ملئ بنقوش - زرقاء أيضاً ولكن بدرجة مختلفة تلمع كلما سقط عليها الضوء - يعلوه غطاء رأس أزرق أيضاً ويحمل نفس النقوش ، الطفل - كعادة الأطفال - يتحرك فى كل مكان فى لا وقت بطريقة عشوائية أشعرت أمه بالإحراج فأخذته وأجلسته بجانبها فى شئ من العنف البسيط . شعر الولد بما فعل فظل صامتاً لفترة .. ثم غلبه حسه الطفولى وراح يبلل أنامله مرة أخرى ويعبث فى تلك المجلات .
سرعان ما أتى الرجل وقدم لأبى زجاجة المياة "دافئة كما طلبت سيدى" فأردف والدى "شكراً جزيلاً لك" ثم نظر لى وتحدث فى صوت منخفض "هل يكفى جنيهين ؟" فأومأت برأسى وابتسمت ، فلم يفعل الرجل شيئاً سوى عمله ، ولكن شخص مثل أبى لا يفكر بمثل هذه الطريقة التى أفكر بها .. فهو شخص مهذب وأكثر احتراماً . بدأ أبى يشرب الماء الدافئ على جرعات صغيرة متتالية ويتأهب نفسياً لإجراء الأشعة المقطعية بينما رحت أنا أتابع ذلك الولد جميل المحيى ، إلا أن صوت الممرض شرع ينادى "عبد الرحمن أحمد" .. "عبد الرحمن أحمد" .. فحملت الأم ابنها وأنزلته على الأرض وسحبته بهدوء إلى غرفة الأشعة ، بينما رحت أتخيل زوجتى - المستقبلية - تنجب لى طفلاً فى مثل هذا الجمال فلا أكف عن مداعبته حتى تكرهنى أمه ! ويا حبذا لو سمى "عبد الرحمن" .. فأنا أعشق ذلك الإسم ، فإسم "الرحمن" من أجمل أسماء الله الحسنى فى عينى وأقربها إلى قلبى .
بعد دقائق عاد الولد والدموع تملأ مقلتيه وأمه تسير خلفه تدفعه بيدها بخفة حتى يسير إلى غرفة الإستراحة أينما كنا ننتظر - أنا وأبى وعدد من المرضى - وراحت تفتح ذلك الـ (كيس) الأبيض الكبير وتخرج منه أشياءاً استنتجت بعد ذلك أنها تؤكل ، ثم بدأت تطعمه وتطعم نفسها حتى انتشت ابتسامته وبدأ يصدر أصواتاً استنتجت بعد كثير أنه كان يعبر بها عن فرحته ، غريب أمر هذا الطفل .. يبدو على الأقل بالغ من العمر ثلاث سنوات .. ولا يقل حتى "شكراً" ؟ تذكرت بعدها أن ذلك ليس من شأنى فأخرجت هاتفى وقمت بالرد على ذلك الإتصال الذى قطع تفكيرى .. "وعليكم السلام .. لا لم يحن دورنا بعد .. نعم لقد مرت ساعة .. حسناً .. سأتذكر بإذن الله .. سأخبره .. حسناً .. مع السلامة" توجهت إلى والدى وأخبرته بهذه الأشياء العائلية ثم رحت بعد ذلك أنصت لحوار دار بين الأم ذات الرداء الأزرق وسيدة تجلس بجوارها يبدو عليها أثر المرض .
بعد أن انتهى الحوار علمت أن ذلك الطفل لديه غشاء على المخ - ولا أدرى ما هذا - إلا أن ذلك يجعله غير قادر على استعمال أحباله الصوتية .. فقط .. يبكى ويضحك .لا أعلم لماذا تذكرت حينها تلك الأنشودة :
--------------------------------------------------------------------
يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً
كعاشقّ خطّ سطراً في الهوى ومحا
--------------------------------------------------------------------
لا أعلم من ألفها ولا أجد نفسى مهتماً بذلك .. فقط هى بدايتها ما دار بخلدى عندما جالت بفكرى فكرة أن يبكى ويضحك لا حزناً ولا فرحاً ، شعرت بتلك القشعريرة وذلك الإحساس الذى يغمر الجسد من أخمص القدمين إلى منبت الرأس وأوشكت عيناى أن تدمع ، إلا أننى تماسكت وأجبرت نفسى على الإبتسام .. رحت بعدها أتأمل ذلك الطفل بعين مختلفة ، أمه تعطيه (كيس) من الـ (شيبسى) وهو يحاول جاهداً أن يفتحه بيديه الرقيقتين .. تناولته أمه بشئ من الغلظة وفتحته ثم أعطته للولد ثم راحت هى تطالع إحدى المجلات الموضوعة أمامها فى لا ترتيب تسبب فيه إبنها المصون . نظر الولد فى شئ من الإستغراب للـ (كيس) الذى يحمل فى يده ، وقد كان بادياً أنها المرة الأولى التى يتحمل فيها مسئولية كبيرة كأن يطعم نفسه بيديه من (كيس) فى يده . وضع يده فى خوف فانقلب منه الـ (كيس) ووقع كل ما به على الكرسى .. إلا أن أمه لم تلاحظ ، فارتبك الولد .. وراح يناديها بيده التى صارت أبلغ من لسانه ، فالتفتت ورأت ما فعل .. فلطمته على وجهه عدة مرات فى كل مرة كدت أن أقوم فيها فأضربها بأضعاف القسوة التى ضربت بها إبنها ، لكننى كنت أتراجع وأقول لنفسى "ليس هذا من شأنك .. ليس هذا من شأنك .. " لكن هذا لم يمنع انفعالات وجههى أن تظهر !
راحت الأم تلملم ما استطاعت أن تلملم ووضعته فى الـ (كيس) ثم أغلقته قدر ما استطاعت ووضعته فى الـ (كيس) الأبيض الكبير ثم التفتت فى هدوء إلى المجلة التى كانت تطالعها وكأن كلباً لم ينبح . أخذ الولد يبكى لا يضحك ، والمؤثر فى الأمر .. أنه كان يبكى دون صراخ .. لا أحبال صوتية .. فقط بكاء . لم تلفت أمه فى بداية الأمر ، ربما لأنها لم تسمع صراخ أعماقه أو لأنها من الأصل ليست مهتمة كما يجب ، حتى قرر الولد أن يناديها بيده فنظرت له .. فإذا به يمط شفتيه إلى الخارج فى وضع دائرى .. فاقتربت الأم منه ودنت بوجنتها من فمه حتى قبلها .. ثم عادت بعدها تصافح تلك المجلة فى برود ، إلا أن الطفل شعر بتحسن غير عادى .. لم يملك حتى يصالح أمه إلا أن يقبلها .. هو عاجز حتى عن مصالحتها ؟ .. لكنه فى النهاية صالح أمه .. فابتسم كثيراً وراح يبلل أنامله من جديد ويعبث بباقى المجلات وابتسامة الرضا تكسو محياه المنير !!

عقرب

"إنها تلك الحشرة المقززة القاتلة ، إقتلوها .."
"ماذا فعلت لكم أيها الحمقى ؟ ما أنا بقاتل .. إنما أنتم من تقتلون ، لم أر فى حياتى عقرباً يقتل من تلقاء نفسه ، إنما أنتم من تخشون ما لا تعرفون ..ذلك اليوم التفت حولى النيران من لا مكان لتترك لا مجالاً للهرب ، لتترك كل ما يصادفها رماداً .. أو أقل تعقيداً من الرماد . سيطرت علىّ مشاعر الخوف ، إلا أننى ذهبت إلى حيث كانت تأتينى الرياح .. ثم رحت أبحث عن المخرج المزعوم ."من حيث تأتى الرياح .. يأتى قارب النجاة" .. إلا أن الرياح تأتى بما لا تشتهى السفن ! توقفت الرياح ، ثم عادت بعدها من الإتجاه المعاكس ، لا يعقل أن يكون المخرج قد تغير مكانه ، ذلك المخرج المفترض تتصاعد منه ألسنة من اللهب أمام ناظرى ..تذكرت بعض الذكريات من الماضى الجميل ، ذلك الماضى الذى اعتدت أن أجد نفسى فيه قائداً للجموع .. فصيلة العقارب تحتشد وراء تلك الصخرة فى انتظارى .. فى انتظار الأوامر من القائد .. إنه أنا هناك ، أصرخ فى العقارب فتملأهم الحماسة .. أشير بأحد أرجلى الثمانية إلى الجيش الآخر ، فتتقدم جموع العقارب فى شكل نصف دائرة ، تحيط بالجيش الآخر وتفتك بجموعهم فتكاً .. لا مفر اليوم من قائد جبار !اليوم .. القائد محاط بالنيران ، شريط الذكريات يمر أمام عينى التى لم تعد تر إلا ألسنة اللهب .. لقد رأيته .. نعم إنه هو .. إنه الموت يرسل أشباحه ..نظرت حولى نظرة أخيرة معذبة .. حسناً .. لا مفر .. لدغت جسدى ، ها أنا أشعر بالسم يتدفق داخل جسدى الصغير .. ها هى الألسنة الملتهبة تتراقص .. ها هو الظلام يقتل النيران .. أو ربما .. يقتلنى .. وداعاً أيها العالم القاسى !"
ثم هطلت الأمطار ..

حلالة المشاكل

عندما يذهب أحدهم إلى المقهى المجاور ، فإنه بالتأكيد ينتظر شخص ما وهو فى الغالب من الجنس الآخر ! إلا أننى كنت الفتاة الوحيدة هناك .. أقصد بـ (وحيدة) أننى كنت الوحيدة الوحيدة لا الوحيدة . أعلم أن هذا يبدو غامضاً للوهلة الأولى إلا أن إعادة قراءة الجملة كاف حتى تفهمها ، سأشرحها على أى حال .. قد كنت الفتاة الوحيدة التى تجلس وحدها لا مع شاب وسيم أو مع سيدة مسنة حتى . رحت أتأمل الوجوه قليلاً .. هذه الفتاة ذات الطرحة البنية وذلك الشاب الذى يبدو للوهلة الأولى شخصية رزينة للغاية ، يبدوان فى حالة عصبية بسيطة يحاولان إخفائها لأنهما فى مكان عام .. وتلك الفتاة قمحية اللون سمراء الشعر تنظر فى ساعتها ثم تنظر أمامها لتجد حفنة من الورود يقدمها لها ذلك الفتى الصغير وهو يقول لها شيئاً ثم يشير إلى خارج المقهى ، تبتسم الفتاة كثيراً وتخرج جرياً إلى الخارج .. ترى .. هل دفعت الحساب ؟
ضحكت قليلاً لتلك الأسئلة الحمقاء التى تتبادر إلى ذهنى كلما رأيت شيئاً كهذا ، فأوجه تفكيرى نحو تلك الأسئلة حتى ..... حسناً .. لا يهم !سرعان ما فتحت حاسوبى النقال وبدأت البحث عن أثر لشبكة الإنترنت ، لأكتشف سريعاً أن ذلك المقهى يحوى شبكة لا سلكية .. كان ذلك عظيماً . فتحت صندوق الوارد فى البريد الإلكترونى لأجد ثلاثة رسائل .. بعد أن كنت أجد رسالة واحدة كل عدة أيام الآن أصبحت أجد ثلاثة ، يبدو أننى أشتهر ، تلك الجريدة المغمورة فى ذلك الزقاق المخيف .. حسناً إنه القدر ! فتحت الرسالة الأولى فى اهتمام وقرأت :
"حبيبتى (جهاد) كيف حالك اليوم ؟ أرجو أن تكونى بخير ! لن أطيل عليكى فأنا لا أقوى على الكتابة ، أنا (م.ر.ك) من القاهرة . تخرجت منذ شهور ثلاثة تقدم فيها لخطبتى ما لا يقل عن سبعة إلا أننى رفضتهم جميعاً فى إنتظار (ك.ص.أ) أن يتقدم لخطبتى كما وعد ! إلا أن والده توفى ، فقررنا تأجيل الخطبة ، كل ذلك وأهلى لا يعلمون ! فقط أصطاد العيوب فى هذا وذاك حتى قالوا عنى أننى لن أرى نعيماً فى حياتى إن لم أتعقل فى إختياراتى . بعد مدة كبيرة أقنعته أن يتقدم لخطبتى مرة أخرى فرفض نظراً لظروف ما فى عمله يواجهها وهو لا يجد وقتاً كافياً ليتنفس هذه الأيام ، إنتظرته حتى تنتهى هذه الظروف ثم طلبت منه أن يتقدم مجدداً إلا أنه رفض !! وتحجج بمرض أمه التى أصبحت مسنة بشكل كبير وتحتاج إلى من يرعاها ! شعرت بأنه يتهرب فأخبرته أننى فى بيت أهلى وأنه يعرف جيداً عنوان البيت وتركته وقطعت الإتصال به .. أما هو .. فلم يتصل مجدداً !!!على الصعيد الآخر كان هناك (ر.م.ف) جارى وصديق الطفولة يريد التقدم لخطبتى وأنا أقنعه بأننا أخوة فقط وهو لا يقتنع ! متمسك بى بشكل لا يعقل ، الغريب أنه لم يصارحنى قط قبل الآن .. لماذا إنتظر كل هذه السنين ؟ حتى أننى أخبرته ذات مرة فى وجهه بشئ من الغلظة أننى لا أريده وأننى أحب شخصاً آخر وأنتظره ليتقدم لخطبتى ! لم يعلو صوته أو يخبر أحداً .. فقط كأننى تحدثت إلى نفسى ! ثم سرعان ما عادت بعدها أمه لتحدث أمى ! لا أقوى على التفكير يا (جهاد) !! لا أعلم كيف أفكردلينى .. أين الطريق ؟"
ابتسمت فى هدوء ثم نظرت إلى تلك الفتاة ذات الطرحة البنية وهى تكتب فى وريقة صغيرة كلمات لم أتبينها ثم تعطيها له ببطء شديد فيكتب كلمات أخرى ثم يعطيها لها ناظراً إلى عينيها .. يبدو أنهما يلعبان (إكس أو) .. ضحكت مرة أخرى لإستنتاجاتى الحمقاء ثم ضغطت على "Reply" وبدأت أصدر صوت أزرار الحاسوب الذى أحب :
" حبيبتى (م.ر.ك) ، شكراً لسؤالك عن حالى ، أما عن (ك.ص.أ) فقد كان بادياً من البداية أنه يتهرب من من أحبته ، وهذا ليس بغريب .. فقد كان يهوى أيام الجامعة والمكالمات الهاتفية وكلمة "كل عام وأنت بخير" فى عيد الحب ، لم يهواكِ . ولو كانت أى فتاة أعطته ما أعطيتيه لكان أحبها أو بمعنى أكثر دقة (كان عاش معها نفس القصة بنفس التفاصيل) ، أما جارك هذا .. فهو على الأرجح هدية من الله ليعوضكِ بها عن هذا الـ ...يكفى أنه لم يخبر أحداً بما قلتى له ثم عاد بعد ذلك ليخبر أمه أن تفاتح أمك مجدداً .. أهذا شخص يُرفض ؟ إن الرجال الذين يحبون بهذه الطريقة قليلون هذه الأيام .. صدقينى !أختك (جهاد) من جريدة (****)"
ضغطت زر الإرسال فى سعادة ثم فتحت الرسالة الثانية وأنا أكثر تشوقاً للقراءة ، قبل أن أقرأها نظرت حولى لأجد الفتاة والشاب قد تركا المكان فى سعادة ويداهما تتشابك فى رياض الحب .. دققت الملاحظة قليلاً لأجدها تمسك بأناملها الصغيرة دبلته فى يده اليسرى ثم تعود فتشابك أناملها أنامله .. ضحكت مرة ثالثة وابتسمت كثيراً ثم عدت إلى القراءة :
"بسم الله الرحمن الرحيم .. دكتورة (جهاد) أنا أحترم حضرتك جداً وآراء حضرتك ألاحظ إنها تتميز دائماً بالواقعية لا المثالية ، وهذا ما أبغِ فى مشكلتى هذه ، أنا (م.م.ع) من أحد القرى بمحافظة (****) ، سافرت إلى القاهرة حتى أدرس بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة القاهرة وتخرجت منها بتقدير عام (إمتياز) وقد كنت فى طريقى للتعيين كمعيد فى الكلية ، لولا أن أحد الدكاترة كان لى بالمرصاد نظراً لأسباب لن تهم الآن .. المهم أننى فعلت كل ذلك من أجلها .. نعم من أجلها .. ذاكرت من أجلها وسهرت من أجلها واعتزلت مداخل الشيطان من أجل أن يوفقنى ربى إليها .. حتى أننى تركت السجائر وعدة أشياء أخرى لن أستطيع قولها من أجل أن أجد نفسى لائقاً بها ! من شدة حبى لها وإصرارى على تركها نقية تماماً كما هى .. لم أعلمها بحبى .. بل أعددت العدة فى صمت حتى أصبحت الآن أعمل فى شركة (مايكروسوفت) بمرتب فوق الخيال .. فقط .. من أجلهابعد أن تسلمت العمل وأصبحت جاهزاً لأتقدم ذهبت إلى صديقى الذى كان قد تزوج صديقتها وأخبرته بما يعتمل فى صدرى .. إلا أن وجهه قد ابتئس وقال لى فى لهجة حزينة "إن عرسها اليوم"
بالله عليكى .. ماذا أفعل ؟"
تجهمت قليلاً .. حتى سمعت صوت نقطة من الماء تسقط على أزرار الحاسوب فتنبهت لعينى التى أدمعت ! فكرت قليلاً فى أمره .. حقاً إنه لشعور صعب !أغضمت عينى وشددت على أعصابها حتى تخرج ما بها من عبرات قليلة ثم أخرجت منديلاً ومسحت عينى وعدت بعد ذلك أضغط زر "Reply" وأنا لا أدرى ماذا سأكتب :
"الوضع يستحق إعادة التفكير .. من البداية أنت راهنت على شئ غير مضمون ، راهنت عليه حتى أنه صار كل أهدافك فى الحياة ، جميل أنك فى النهاية لم تخرج خاسراً تماما .. فأنت الآن موظف بـ .."
مسحت ما كتبت فقد شعرته سخيفاً إلى أقصى الدرجات .. ثم عدت أكتب من جديد :
"قمة القوة أن تخفى حباً لسنين طويلة من أجل من جعلتها هدفك فى الحياة ، هل لى أن أسألك لماذا أخذها منك القدر بعد أن أعطاك كل ما أعطاك ؟ ألم يكن بوسعه أن يعطيك إياها حتى تكتمل فرحتك ؟ بلى كان من الممكن .. إلا أن شيئاً ما جعل أنه من الأفضل ألا يحدث هذا ! شيئاً يفوق إدراكك البشرى .. شيئاً جعل من أراد لك كل هذا النجاح يحرمك من أقوى ما تمنيت فى حياتك .. لقد وصلت إلى ما وصلت لأنك تستحقه لا من أجل أنك أحببتها .. لقد جعلك القدر تسير فى طريق النجاح لأنه من المقدر لك أن تصير ناجحاً .. دعك من الأسباب الدنيوية فهى زائلة
قد قلت فى بداية خطابك أن ردودى تغلبها الواقعية لا المثالية وأن ذلك ما تنشده أنت فى ذلك الموقف .. ربما الآن الوضع مختلف .. فالواقيعة أحياناً تقودك إلى القاع . كما يحدث معك الآن
نصيحتى لك
عد إلى من خلقك وإسأله أن يبدلك خير منها ! فأنت بشر .. وإدراكك لمصلحتك ضئيل جداً مقارنة بمن خلق السماوات والأرض فى ستة أيام"
ضغطت زر الإرسال فى ألم ودعوت الله أن يبدله خيراً منها ، نظرت إلى الرسالة الثالثة كثيراً قبل أن أفتحها .. ألتقط أنفاسى !إلا اننى فى النهاية فتحتها :
"اشتهرتِ يا (جهاد) .. مبارك لكِ أنكِ قد وجدتِ شيئاً تشغلين به وقتك غير إزعاجى ، من فضلك .. دعى نفسك للنسيان ، فكثرة تفكيرك لن تعيدنى .. لقد كانت سنين الجامعة جميلة حقاً .. ولقد أدى كل منا دوره ببراعة فى مسرحية الأقدار ، ولقد تقاضيتى راتباً جيداً عن ذلك الحب الذى أعطيتنى إياه .. تذكرى أننى من أقنعت رئيس تحرير جريدتك بأن يعين عاطلة مثلك لديه .. تذكرى ... أنكى أقل من أن أعود إليكى .
حبيبك المخلص للأبد"

المخلص للأبد .. ؟ارتسمت على وجههى ابتسامة وترقرقت فى الوقت ذاته عبرة حارة ثم ضغطت على زر "Reply" وكتبت جملة واحدة :
"شكراً حبيبى المخلص للأبد"

وما الحياة إلا إحدى حصص الإملاء "نقطة ومن أول السطر"

لا أعلم حقاً إن كان تشبيه الحياة - بحصة من حصص الإملاء طويلة المدة - قد وصل بالمعنى الذى أريد أم لا ..
هو تشبيه مضحك - أعلم هذا - فثغرى ها هو يبتسم بينما أسطر ذلك السطر
إلا أننى بحثت كثيراً عن مشبهاً به آخراً .. ولم أجد .. لا يهم .. نقطة .. ومن أول السطر .
لا زلت أذكر أستاذ اللغة العربية أ/ أشرف .. كنت أبتسم كثيراً عندما يقول "نقطة يابنى ومن أول السطر .."
حينها كان عقلى من الصغر بألا يفكر فيما يكمن وراء .. هذه الجملة .. التى تكمن براءة الأطفال فى عينيها
إلا أننى كنت أبتسم .. أعلم أنا أن وراءها سر خطير .. نقطة ومن أول السطر .
لماذا نضع تلك النقطة الحمقاء ؟ بل وماذا تعنى أساساً ؟
ولماذا عودنا الأساتذة أن نضع نقطة فى نهاية الجملة .. وتتجه أصابعنا تلقائياً إلى بداية سطر جديد ؟
نال هذا السؤال من تفكيرى سنوناً طويلة
هذا إلى أن كفت وزارة التربية والتعليم عن تكليف الأساتذة بهذه الحصة العجيبة
هه .. "أكتب ما يملى عليك" .. جميل جداً أن أكتب ما يملى علىّ
لا لن أكتب ما يملى علىّ .. بل سأكتب ما يمليه علىّ قلمى
لطالما أردت أن أقولها له جهراً .. كنت أقولها أحياناً فى سرى وأضحك ضحكة هذا الطفل الشقى
يعلم أنه قد قال شيئاً سيعاقبه عليه الكبار .. إن سمعه أحد منهم
لم أكن حينها قد علمت أين تكمن قيمة هذه النقطة .. أو أين تكمن الراحة فى قوله "أكتب ما يملى عليك"
فحين يتحرر قلمك .. وتصير قادراً أن تسطر نثراً أو تنظم شعراً .. تتغير نظرة الناس إلى ما تكتب
الكل حينها ينقد ويعترض .. يمدح ويذم .. تمتعض الشفاه وتنبسط .. تنسجم الأرواح من كلماتك أو .. تنعقد
الكل يبدى رأيه فى تصرفاتك وأفعالك ، آرائك وإهتماماتك ، إختياراتك وقراراتك ، حياتك مستقبلك وماضيك
حينها أنت فى بوتقة الإختبار .. شخصية جديدة أتت إلى العالم
الكل ينتظر أن يفهمها .. الكل مترقب .. ومتوجس خيفة
أما حين كنت تكتب ما يملى عليك .. فقد أراحك أستاذك .. لم يضعك فى بوتقة الإختبار
بينما أنت تتذمر - كما هى عادة الإنسان - وتطالب بأن يتحرر قلمك
بل الأدهى أنك تصرخ كالأطفال قائلاً : ليعطينى أحدكم فرصتى
........
أما عن "نقطة ومن أول السطر" - وهى ما دفعنى فى البداية لأسطر هذه الكلمات - فقد قادتنى الحياة لأن أكتشف معناها رغماً عن أنفى
كنت قد تناسيتها تماماً فلم أجد لها إجابة .. حتى أننى قد بدأت أشعر بتفاهة سؤالى هذا
إلا أن العالم أبى إلا أن يعلمنى .. درساً .. من دروس الحياة
النقطة فى الأصل تحمل معنى التوقف .. و"من أول السطر" ترمز فى الغالب إلى بداية جديدة
فأحياناً حين يغرقنا التفكير فى الحيرة .. نحتاج حينها إلى الوقفة .. وإعادة التفكير فى كل ما سبق
نقف وننظر ورائنا لوهلة ثم نتسائل .. تتحير ألبابنا وتنعقد أصفادها
ربما حينها نجد أنفسنا فى حاجة إلى مراجعة كشاكيل الإملاء خاصتنا
ونتذكر .. قول أ/ أشرف .. "حط نقطة يابنى .. وإكتب من أول السطر"
أحياناً تأتى النقطة فى صورة خبر سعيد .. مظهر من مظاهر رحمة الله ببنى البشر
كما تأتينا فى أشخاص آخرين .. عظات وعبر .. لعل من يعتبر
كلمة صادقة .. نصيحة .. فكرة تحتل العقل لفترة .. حسناً .. الآن .. نقطة ومن أول السطر .
كثيراً ما يستمع بعض الذين قد صُمَّت آذانهم لأحاديث الشيوخ
قرآناً كان أو أحاديثاً نبوية شريفة .. أو ربما رواية عن أحد الصحابة .. أحد الصالحين
تدفعهم هذه الأشياء إلى الحافة قليلاً .. تقربهم هذه الأشياء عقولهم أكثر إلى حقيقتهم البشعة
إلا أن "نقطة ومن أول السطر" لا تأتى .. ولا يعلم أحدهم السبب
يكتفى بأن يمصمص شفتيه نادباً حاله قائلاً "أسمع كلاماً مقنعاً .. فأقتنع .. فأعود لأقابل فلاناً وأصدقائه .. أعود .. كأن شيئاً لم يحدث"
"نقطة ومن أول السطر" نعم هى ما يحتاجه .. يحتاج صدمة .. يحتاج صفعة .. شئ يذبحه
يذبح نزعة الكبر التى قد ولدها الشيطان فى نفسه
يذبح قلبه الذى قد إمتلأ بالمعاصى .. ويزرع مكانه قلباً طاهراً نقياً
فالرجل حين يُذبح .. يشعر بأنه تائه
تائه فى بلاد الزيف .. هذه التى يولد فيها الطفل .. يحمل من الكآبة بقلبه ما يجعله لا يقوى حتى على الصراخ
صفعة قوية و ..... نقطة
ومن أول السطر
تحياتى إلى أستاذى .. الذى لن يقرأ هذه الكلمات
ولن يدرك يوماً كم كان هو محقاً
عندما قالها ....
عذراً .. فقد أطلت
إذن فقد آن الأوان أن أضع النقطة .. نقطة ومن أول السطر .

واحة الأقلام .. فى سطور

واحة الأقلام

ذات يوم .. كنت أجلس فى خيمتى .. أسخن قدر من اللبن على نار هادئة .. محتمياً بها من برودة الشتاء
حتى جائنى ذاك الأعرابى فأكرمته وأدخلته وقدمت له بعضاً من اللبن .. فشكرنى وشرع يقص علىّ قصته :
" غريب عن بلادكم
جئتكم من بلاد الزيف .. زاحفاً أحاول أن أسير ، ألعن يوم ولدت فيها تارة .. وأستغفر عن لعناتى تارة ، أنظر حولى .. فأرى صحراء صفراء لا أثر فيها إلا لشقاء .. ولا صوت فيها إلا لفضاء
فأطرق رأسى لأتابع خطواتى .. أقدامى تتعثر فى رمال .. ورمال تعبث فى جلبابى المرقع .. الذى يظهر عليه أثر السفر
جئتكم من بلاد الزيف .. بلاد ليست ببعيدة .. هى ها هناك عند ذلك السهل .. هناك حيث يولد الرضيع .. يحمل من الكآبة ما لا يجعله يقوى حتى على الصراخ
قالوا لى عن واحة الأقلام .. قالوا أنها واحة لا يُظلم من دخلها .. ويأمن قاطنها من شر الطريق
قيل أنها صنعت أدباءاً .. ومفكرين .. وفلاسفة .. ورغم أن أحداً لم يسمع عنهم .. إلا أن أثرهم لا زال باقياً إلى أن يفنى الدهر
فقصدتها عساها تفرج همى .. وعسانى أجد بها بدلاً عما سلبته منى .. بلاد الزيف
سلبتنى روحى سلبتنى عقلى سلبتنى إرادتى سلبتنى أصدقاءاً سلبتنى محبة .. سلبتنى نفسى
فهل أجد فى واحتكم الموقرة .. ما يعيد لى كل هذا ؟ "
إبتسمت قليلاً ثم أجبته :
" سيدى الفاضل .. فى واحة الأقلام .. نحن أخوة فى الله
إجتمعنا فى الله وتوحدنا فى الله
لا يحمل أى منا إلى الآخر ضغينة
ولا ينطق أحدنا بلفظة إلا وهو لها عاقل ولأثرها واع
فى البداية كانت واحتنا قطعة من بلاد الزيف
ولكن شمساً للإسلام أشرقت
وأبت إلا أن تنأى بالأدب عن مستنقعات الوحل
فجاهدت وتابعت عملها فى إصرار وجد
حتى بلغت الواحة منها الجهد
ولكنها أبداً لم تستسلم .. حتى ظهر الرجل الميت
رجل قال عن نفسه أنه ميت
ولكن قلباً ميتاً لا يحب هذا الحب
وروحاً ميتة لا تعانق بهذا الدفء
فكذب بأفعاله أقواله
وعلم الواحة بأسرها .. أن رجلاً ميتاً
سيحمل الشعلة .. ليتقدم بها نحو الهدف .. الهدف الذى
أشرقت عليه شمس الإسلام .. ولكنها دائماً كانت تظن أنها لم تحققه بعد
حمل الميت شعلة النصر .. وخطا بها نحو المجد .. فترة قصيرة حمل فيها الراية
ولكنها .. إلى الآن باقية آثارها
خطوات من السحر الأزرق .. جلبها معه من عالم الأموات أو من أين .. لا أحد يدرى
ولا أحد يكترث كثيراً
فقط يكفى أنه فعل الكثير فى هذا الوقت القصير
حينها ظهر ثعبان كبير .. بدا من إسمه (أناكوندا) أنه مكير .. خافوا على الواحة .. ظنوه خطير
حمل الشعلة .. وسلمها الرجل الميت إليه آسفاً .. وهو يظن أيضاً أن الواحة قد آلت للإنهيار
ولكن ما أدركته الواحة فى النهاية .. هو أن ذاك الثعبان .. لم يكن إلا عاشق آخر للقلم
جاء يظن أنه قادر على حمل الشعلة .. تقدم بلا أدنى خوف .. وطلبها
ولم يطلبها غيره .. فذهبت إليه
فحاول قدر ما حاول .. أن يثبت لواحة الأقلام .. أن نظرتهم لهذا الأناكوندا فى البداية
كانت على قدر من الخطأ ليس بيسير
حاول جاهداً .. أن يعيد الأمن إلى الواحة .. وهنا إختلف المؤرخون
بعضهم قال أنه نجح فى ذلك بالفعل وحقق ما كان يصبو إليه
والبعض قال أن آخراً تسلم منه الشعلة وتابع تحقيق الحلم
الحلم الذى أشرقت عليه شمس .. وسحره رجل ميت .. وحمل لوائه الكثير من بعدهم
ولكن .. إلى الآن .. لم ينقطع وحى الواحة .. ولم تنفك ترسم مسارح الأحداث بريشة من إبداع
وتصف خلجات النفس كما لم يصفها كبار الأدباء
وتبحر فى بحور الأدب .. فى قارب صغير .. ورقة بيضاء .. وقلم"
كان هذا .. من وحى القلم

الضحكة المسحورة

يحكى أنه فى قديم الزمان ، فى سالف العصر والأوان .. كان هناك ذلك الرجل .. يجوب القرية صباح كل يوم .. يبحث عن ضحيته الجديدة .. فيسخر منها قدر ما يسخر .. ويضحك منها قدر ما يضحك ، فتارة يسرق أشياءاً ويضعها فى بيت صاحبها .. فيبحث عنها حتى تنقطع أنفاسه .. ثم يعد إلى بيته خائباً حزيناً .. ليجد بضاعته فى بيته .. فيقتل ذلك صاحبنا ضحكاً

وتارة يقف بين أصحابه .. ويسخر من أحدهم بطريقته المضحكة .. فيخجل هذا الأخير .. وتنطلق من بعده الضحكات

حتى إذا جاء ذلك اليوم .. يذهب صاحبنا إلى السوق .. باحثاً عن ضحيته الجديدة .. وجد هذه البائعة العجوز .. تبيع الفاكهة .. على عربة خشبية متهالكة .. يجرها ذلك الحمار الأبيض ، ذهب نحوها وأراها حفنة من الدنانير .. وسألها أن تعطيه من الفاكهة ما هو كثير .. فتبسمت العجوز لما رأت من حفنة الدنانير الذهبية .. وإلتفتت ورائها لتخرج المكيال من قطعة القماش القرمزية .. وعندما عادت تنظر أمامها وجدت صاحبنا ممسك بالسوط .. والحمار يجرى بأقصى سرعة لديه .. والعربة تتكسر والفاكهة تتناثر

وما هى إلا لحظات حتى إنطلقت ضحكات الرجل تدوى فى المكان .. ضحك كثيراً حتى بدأ الأطفال يضحكون من ضحكه .. أخذ يهتف ويشير إليها أن تلحق بالعربة .. والناس من حولهم يتهامسون .. وفيما بينهم يضحكون .. نظرت العجوز إلى الحمار المذعور .. ومدت يدها فى قطعة القماش القرمزية .. وأخرجت تلك العصا الخشبية ، وجهتها إليه فى تحدٍ وهمهمت بكلمات غير ملموسة .. فضحك الرجل وظن أنها ممسوسة .. ولكن الرجل فوجئ بضحكاته العالية .. تستحيل دموعاً باكية

فتوقف لوهلة .. وعاد يضحك من جديد .. ليجد نفسه يبكى لا يضحك .. التقطت العجوز هذه الثمرة العفنة الملقاة على أرض الطريق .. وألقتها على وجه ذلك الرجل . توقف الأطفال عن الضحك .. ونظر إليه الجميع .. نظر الرجل حوله .. فوجد الحال قد انقلب .. الآن الكل ينظر إليه هو .. والناس قد عادوا من حوله يتهامسون .. ومنه فيما بينهم يضحكون .. حاول أن يتحرك فشعر كأنما هو مقيد .. فأدمعت عيناه فى حسرة .. ولكن ما أثار دهشته .. أنه كان يضحك .. وبينما كان الجميع يحاول أن يفهم لماذا يضحك ذلك الغبى .. تسلل أحد الأطفال .. وإلتقط حفنة من التراب .. وألقاها على وجه الرجل .. فحزن الرجل بشده .. وعاد يحاول البكاء .. ليجد نفسه يضحك ويضحك .. داخله الآهات تختنق .. وخارجه الضحكات تنطلق .. حتى إختلط ضحكه بضحك من حوله .. وتسلل حينها الطفل تلو الآخر يقذفون عليه التراب ويضحكون .. فيزيد ذلك من ضحكه - بكائه - فيزيد ذلك من ضحك الجميع

لقد كانت تلك البائعة العجوز ساحرة .. ولقد سحرت ضحكاته ودموعه .. وأبدلت إحداهما بالأخرى .. وقيدته مكانه بأصفاد من لا شئ .. حتى يشعر بنفسه شعور من يعذبهم بسخريته اللاذعة ، توسل إليها الرجل بنظراته .. أن عنه تعفو وتسامح .. فنظرت العجوز لحاله الضاحك الباكى .. وللأطفال وهم يرمونه بالتراب .. وللناس وهم يرمونه بنظرات كالسهام .. تخترق رداء الكرامة البالى .. فجذبته من يده بين ضحكات الناس وهتاف الأطفال .. وأدخلته بيتها وأعتدت له متكئاً .. أما صاحبنا فقد احمرت عيناه تحاول أن تخرج ما احتبس بها من دموع خفية .. ومعدته قد بدأت تقرص على بطنه .. لا تحتمل كل ذلك الضحك الهستيرى ، حتى إنتهت العجوز من إعداد ذلك المشروب الأزرق .. الذى تتصاعد منه أدخنة زرقاء كثيفة .. حاولت أن تسقيه ولكنه كان قد سقط أرضاً يقاوم الضحك .. فجاهدت العجوز حتى استطاعت أن تسقيه ما استطاعت أن تسقيه .. فشرب صاحبنا المشروب السحرى وسقط مغشياً عليه

ما هى إلا لحظات حتى دمعت عيناه وكأنه موسم الفيضان قد بدأ لتوه .. استدعت العجوز حمارها المسحور بعصاها المسحورة .. ثم حملت العجوز صاحبنا ووضعته على حمارها .. وكتبت بضع كلمات فى وريقة ثم وضعتها بجيبه .. وأمرت الحمار أن يذهب إلى بيت ذلك الرجل .. فقادته خطاه السحرية إلى ذلك البيت .. لتستقبله زوجته فى قلق ظاهر

أنزلته وحملته إلى داخل البيت .. وبدأت تحاول أن تجعله يفيق .. حتى أفاق الرجل ولكن الدمع لم يغادر مقلتيه الحمراوتين ..وضع يده فى جيبه ليبحث عن منديله القماشى .. فوجد تلك الورقة المطوية .. فأفردها وبدأ يقرأ ....


----------------------------------

من أصعب ما قد يشعر به المرء أن يشعر بأن لا أحد يشعر بما يشعر به فى أشد أوقات شعوره بالإحتياج .. لمن يشعر بما يشعر

أن يجد المرء نفسه غير قادر على الكلام فى أشد الأوقات التى يحتاج فيها أن يقول كلمة واحدة ... كفى

بماذا شعرت عندما لم يرى دموعك أحد ؟ بل بماذا شعرت عندما زادتهم دموعك ضحكاً ؟

هل تعلم لماذا حررتك من أسر الضحكة المسحورة ؟

لأننى لست مثلك .. لم أجد فى دموعك لذة ترتجى

لأننى أحسست بما قد أشعر به .. لو كنت مكانك

قبل أن تفعل بأحدهم فعلة .. ضع نفسك مكانه فى خيالك

قبل أن يضعك القدر

---------------------------------


طوى صاحبنا الوريقة وتنهد .. فسألته امرأته عما حدث .. نظر إليها طويلاً ثم أجاب فى إبتسامة .. "لا شئ .. فقط ذهبت إلى السوق"

ثم أردف فى سره .. "فقد كنت فى حاجة إلى ثمرة عفنة .. وحفنة من التراب"

شجيرة الكافور

فى عالم مرسوم بريشة فنان ، على أرض إختفت تحت أوراق الخريف ، بين ورود اكتست ثياب الندى ، تحت شجيرة صغيرة إعتدت أن أجلس تحتها وأنا أسطر مذكراتى
حيث تفوح رائحة الياسمين من مكان لا أدرى مكانه ، وتداعب أذنى زقزقة العصافير وهديل الحمام .. حيث تولد السعادة ويفنى الشقاء ، ويأتى الفرح ممتطياً حصانه الأبيض ينير دروب اليأس بنوره السحرى ، وتشرق الشمس على قلب لم يجد إلا الظلام خليلاً .. هنا فقط .. تحت شجيرة الكافور
فأشتعل نشاطاً وحيوية .. وأخرج أوراقى .. فأرسم بها ما أرى بقلم يتراقص فرحاً بين أصابعى .. حتى أننى أفقد السيطرة عليه أحياناً
فأتوقف عن الكتابة وأبتسم قائلاً : لتهدأ قليلاً أيها القلم .......... فيبتسم القلم ، ثم يرجع للتراقص مجدداً
للحظة سرحت بمخيلتى بعيداً عن الواقع .. فتذكرت ذكريات أليمة .. ظلال وأشباح وألم وصراخ وجرح ودماء .. أنفض رأسى لأتناسى كوابيس اليقظة
فإذا بها لا تنقشع عن أفق الذكريات .. أغمض عينى وأفتحها مجدداً .. لأجدنى لا زلت فى المسرح الكبير .. الكل ينظر بلهفة إلى ذاك المهرج
تلفتُّ حولى وقرصت فخذى لعلى أفيق من ذاك الكابوس البشع .. إلا أننى اكتشفت وبسهولة .. أننى قد أفقت لتوى من أحلام اليقظة
فعندما تتحول كل الألوان إلى اللون الأسود ، وتسمع بوضوح أنين القيثارة .. حينها فقط .. تسدل الكآبة ستائرها على مسرح الأحداث
وحينها .. يطغى الألم على حدة التصفيق .. وبعدما كنت ترجو أن تفيق ، أصبحت الآن ترجو العودة إلى عالم الأحلام .. إلى .. شجيرة الكافور

أنا وقلمى

هل شعرت يوماً أنك بحاجة إلى الصراخ ! تشعر بأن أقمشة الحرير تقيدك بثوب ليس لك ؟
هل شعرت يوماً بأنك فى المكان الخطأ ؟ هلا أحسست قبلاً أن روحك ترفض واقعك الذى تعيش ؟
هل أوجعتك قراراتك أو عاقبتك إختياراتك ؟ هل صار ما يحسدك عليه البعض يوماً وخزة فى كبريائك !
هل شعرت يوماً بأنك تستحق أفضل من كل ذلك ! ؟ من الذى فعل كل هذا !! هل إختار لنا أحد مصائرنا
أم أننا مخيرون فى كل شئ !! هل إمتلأ ما أكتب الآن بالأخطاء والعثرات ؟ مالى لا أهتم وأنا الغيور على اللغة !
مالى أسأل ولا أجيب ؟ مال أحد لا يجيبنى ؟ أظن السبب أن أحداً لم يقرأها بعد
وحتى إن قرأها أحد .. لن يحبها أحد .. فهى ممتلئة عن آخرها بأخطاء ولا أجد نفسى أريد العودة لتصحيحها
خاصة أن تصحيحها لن يكن شيئاً غاية فى الصعوبة .. ولكن .. شيئاً ما بقلمى يريدها أن تظل كما هى
ربما عطب بقلمى أو ما شابه .. ها قد عدت لأفعل الشئ ذاته .. أبحث عن شماعة ألقى عليها أسباب فشلى
مالى لا أعترف بأن العطب بى أنا .. مالى أرى كومة الملازم بجانبى ولا ألتفت لها وأنا أكثر أهل الأرض علماً بضيق وقتى ؟
هل صرت غبياً ؟ أم صرت لا أشعر .. فإن صرت لا أشعر .. فمالى أرتجف الآن !!
إلى الهاوية مصيرى .. إلى الهاوية
وداعاً كبريائى .. وداعاً مستقبلى
هه .. إستسلمت بهذه السرعة ؟ يالك من وغد ضعيف !
قم أيها الرجل .. قم وأكمل ما بدأت .. قم فإن كنت لا تستحق النجاح
فهناك من يستحق أن يفرح .. بنجاحك
قم !!
حسناً .. أنا عائد لأكمل ما بدأت .. أشكرك أيها القلم .. حمداً لله أنك كنت بجانبى بأحلك أوقاتى ظلاماً
حقاً .. أنت أوفى الأصدقاء

أشعر بالسعادة عندما أشعر بالألم

أشعر بالسعادة عندما أشعر بالألم
لأن الألم يعنى لى الشعور
والشعور يعنى أننى لازلت حياً
حىٌّ لم يقتلنى التحدى
أشعر بالسعادة لأن إستمرار شعورى بالألم
يعنى أنه لم يهزم الأمل بعد .. وأن أملى يصارع حتى النهاية
حتى آخر قطرة من دماء الشرف
......................
أكاد لا أرى .. ولكن
لا زلت أستطيع أن أميز الرؤية من السمع
غبار الطريق لم يهزم بصيرتى بعد
....
أذنى لا تسمع شيئاً سوى طنيناً
طنين غطى على كل الأصوات
أشعر بالنهاية تقترب
ولكن
لا
بل أستطيع أن أميز صوت الطنين
هذا يعنى أننى لم أفقد تركيزى بعد
......
أشعر حقاً بدوخة رهيبة
قدماى تبحث عن أرض تستند إليهما
ولكن
لا زلت أستطيع التفكير
يكفى أن مساً من الجنون لم يصيبنى بعد
........
آه
.........
أشعر بطعنة فى ظهرى
.....
الحمد لله
.......
الطعنة لم تكن فى صدرى
سيمر المارة على جثتى
والدماء تنزف من جرح فى الظهر
ليعلموا أن فارس مثلى
لم يقتله الغدر إلا غدراً
...........

"تلتهمنى الدنيا"

تلتهمنى الدنيا ولن تبقى من الإنسان بداخلى فتات كلمات
تلتهم السعادة من شرايينى فتحولها إلى مقابر الأحباب
تلتهم الحب من روحى فتجعلها سحابة سوداء
تلتهم النبض من قلبى فتتركه جيفة تأكلها الطيور
تزرع بين خلايا العقل فكرها الأسود
وتنشر ملذات الرجيم بين عين وأخرى
تحرق صور الطهارة والنقاء
وتضع مكانها لوحات سوداء تبعث الرهبة
تلتهمنى الدنيا ولا ترضى بأن ترحمنى
ولم أجد من رجائى لها رداً
فعدت وتمالكت أعصابى
لملمت ضميرى وفتات أفكارى
ورحت أبحث عن حل .. أمنع به تلك المؤامرة
فوجدت الحل نصب عينى ، ينادى بإسمى
فتخيلت رب الكعبة .. ينادى بالليل .. ليغفر لمسئ النهار
وينادى بالنهار .. ليغفر لمسئ الليل
فدمعت عيناى .. وهممت بالقيام
رحت أتقدم بخطى ثابتة نحو سور سلم مدرج (ب)
وقلت لصاحبى :
أتخيل من بعيد أن هذا السور .. قريب المنال
ولكننى كلما إقتربت منه
رأيت كم هو بعيد
فرد صاحبى والإبتسامة لا تفارق وجنتيه :
إن أردت أن تبلغها فستفعل .. أو على الأقل ..
ستصل إلى أكثر مما تظن نفسك قادر عليه
إستعن بالله فهو حسبك
فأدمعت عيناى وقلت له .. أنّى لى أن أستعن بمن أعصى ؟
لم أقل هذا له علناً .. بل قالتها تنهيدتى سراً .. ثم فضحتها دموعى
إنفعلت تنهيدتى حينها وصارت تصارع أنفاسى .. كأنها طائر مسجون
ربت صاحبى على كتفى
وقال لى : إهدأ
إن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا أن يشرك به
فكفانى ما قال .. وإنهمرت دموعى
ذهبت إلى مسجد الكلية
فغسلت وجهى بالماء
ثم عدت أعيد تنظيم أفكارى
حينها أظلمت السماء .. وخفتت الأنوار
إيذاناً بصلاة المغرب
وأذن المؤذن :
الله أكبر الله أكبر
الله أكبر الله أكبر

ولم يقل حبها داخلى بل زاد

ذات يوم كنت أسير بين المدرجات .. ثم ما لبثت أن أصبحت أسيراً بين قضبان حبها
سحرتنى تلك النظرة الهادئة .. وهذا الشعاع الدافئ
سألت نفسى " هل أحببتها ؟" .. فأجابتنى نفسى بكل بساطة
"وإن أحببتها .. سيقتل حبك حبٌ آخر غداً"
فى اليوم التالى لم أرها .. فظننت ذلك من حسن حظى
حتى تنسى عيناى تلك الأميرة .. حتى أفيق من تلك الأزمة الكبيرة
ولكن ..
لم يقل حبها داخلى .. بل زاد
رحت أبحث عنها هنا وهناك .. بلا فائدة
قلت سيقتل حبك لها إختلاطك بأصدقائك
ولكن ذلك لم يعصم عينيك من تتبع خطواتها الرقيقة .. بين مدرجات الجامعة
فلم يقل حبها داخلى .. بل زاد
حاولت التقرب منها .. حتى نجحت
ألقيت عليها السلام فردت عليك
شعرت أنك تملك العالم .. وأن طيور الغرام رهن إشارتك
حاولت التقرب أكثر من ذلك
فصد حياؤها إندفاعك
هل قتل ذلك حبك ؟
لا لم يقل حبها داخلى .. بل زاد
صمدت ولم تنتحر .. صمتَّ ولم تنكسر
رغم ما جال بخاطرك من رغبة بالموت .. صمدت ورويت الأمل بداخلك
ظللت صامتاً حتى تخرجت من كليتك
وظلت صامتة هى الأخرى
إحترمتها فإحترمتك
تقدمت لخطبتها فرفضتك
هل قتل ذلك حبك ؟
بل كان حبك أقوى من ذلك
سألت عن أخبارها .. فعلمت أنها تعمل بإحدى الشركات
ذهبت ورائها .. وتقدمت للعمل بنفس الشركة
ولسوء حظك تم رفضك أيضاً
ظننت ذلك سيقتل أملك
ولكن ..
لم يقل حبها بداخلى .. بل زاد
إنتظرتها حتى إنتهت من عملها
وطلبت منها دقيقتين
فرفضت مجدداً .. أنت إنسان تعس
ولكن ..
لم يقل حبها داخلى .. بل زاد
ذهبت لأتابع حياتى .. رميت ورائها ظنونى
وقررت أن أحبها .. ذلك الحب الأفلاطونى
تقدمت بعدها لأحدى الشركات الكبيرة .. فقبلونى ووظفونى بخدمة العملاء
وفى اليوم التالى سمعت صوت الأميرة .. ينادى بصوت رقيق أن هل أنا "علاء" ؟
رفعت رأسى لأجدها أمامى .. تنظر إلىّ فى رقة واستحياء
إبتسمتَ أخيراً أيها التعس .. أخيراً إعتلت فرحتك السماء
نظرت إلى إصبعها .. فوجدته لا زال منيراً
لا تزينه الدبلة ، إذا لتزينه دبلة أخرى
تحدثت معها قليلاً .. حتى تكسر حاجز الصمت
ثم طلبت منها التقدم لخطبتها
إبتسمت وإحمرت وجنتيها
ثم
وافقت
غريبة هذه الدنيا
تركض فيها ركض الوحوش فى البرية
وفى النهاية
لا ينالك منها إلا ما قسم الله لك
وحتى إن غلّقت أمامك أبواب الفرج
فما شئ بمانع للقدر
"ضاقت فلما إستحمكت حلقاتها فرجت .. وكنت أظنها لا تفرجُ"

إنَّمَا المَرأةُ زَهرَةٌ

إنما الحياة أرض مليئة بالأشواك .. بين هذه الأشواك زهور مخفية .. وبين هذه وتلك طرقات .. يمر بها باعة جائلون .. يبيعون وروداً صناعية مرشوشة بأجمل العطور .. فيأتى أناس يقضون حياتهم بحثاً بين الأشواك عن زهرة يشمون رحيقها السحرى فتختفى كل آلامهم ولا يجدون .. ويأتى أناس يجدون زهرة قدرهم فيعرضون عنها ظانين أن هناك أجمل .. ويتركونها ويطوفوا بين الأشواك فلا يجدوا بين الأشواك إلا الأشواك .. ولا يحصدون جراء ذلك سوى الآلام ..فيحاولون التراجع .. والعودة الى زهرة القدر .. فإذا بآخرون قد علموا حق قدرها فأخذوها فيندموا إلى نهاية العمر .. ويأتى أناس .. وقد وجدوا زهرتهم .. ولكن تتعلق أنوفهم بعطور الباعة الجائلين .. فيهرعوا إليهم ويتركوا الزهور السحرية .. فيندموا أشد الندم عندما تزول العطور وتظهر كل زهرة على حقيقتها المزيفة .. ثم يعودون .. ليجدوا الزهور الحقيقية قد قطفت .. ويأتى أناس ينظرون إلى الشوك وإلى دموع من سبقوهم .. فيذهبوا دون تفكير إلى الباعة الجائلين .. ويعيشوا إلى الأبد فى تعاسة ..
إنما الأناس الرجال ، إنما الزهور السحرية النساء الغاليات ، وإنما الباعة الجائلين هم الشياطين ، وإنما ما يحملونه من بضاعة معطرة مزيفة فهن نساء رخصن أنفسهن .. فرجاء عزيزى القارئ .. إن وجدت زهرتك السحرية .. ألا تترك رحيق المعصية يبعدك عن رحيق الجنة .. ولا تدع الباعة الجائلين .. يغرونك ببضاعتهم الزائفة .. ولا تدع الملل من البحث .. يفقدك الأمل فى الوصول ..
ورجاء عزيزتى القارئة .. أنتن قليلات والرخيصات كثيرات .. عندما يبحث الرجل عن اللهو يبحث عن الباعة .. وعندما يبحث عن الإرتباط يندس بين الأشواك حتى يعثر عليك .. نعم أنت .. أنت لأنك لم تقبلى أن تكونى مثلهن .. بضاعة سهلة المنال .. وكل ما هو سهل المنال سهل الزوال .. لذلك نتحمل الشقاء والعذاب والآلام والجروح حتى نصل إلى زهرة نعرف أنها غالية .. فكونى غالية ..

فى حيرة أنا .. فى عالم منعزل عن البشرية

فى حيرة أنا .. فى عالم منعزل عن البشرية ، ملئ بعواطف متلاطمة حلت محل أمواج عالمنا الواقعى .. عالم ملئ بالشجن ملئ بالقلق .. فى حيرة أنا .
إلى أين أنا ذاهب فى هذا الدرب اليائس ؟؟ إلى أين سيؤول مصير زهرة إرتمت فى أحضان الهواء فأخذتها عاصفة رمت بها فى مجاهل الشك ...
إذهب .. إذهب بعيداً أيها القلق .. إتركنى أعيش فى سلام داخلى ، إتركنى أخرج من عالم اليأس والإحباط وألتقط أنفاسى فى عالم الواقع الذى إن كان مريراً فهو على الأقل لا يخدع زهور الياسمين بأحضان شائكة .. على الأقل أنا أعلم فيه متى أضع قدمى فى الماء ومتى تطأ قدمى اليابسة .
كثيراً ما أمسكت قلمى وأطلقت العنان لقلبى وسرحت بمخيلتى المتواضعة فى جنات الخيال .. ولكن فى كل مرة ينكسر لى جناحاً لأجد نفسى أسقط فى جحيم الأسر .. أسر منع رئتاى من إستنشاق الهواء الطيب .. أسر القلوب .
فى ما مضى كان قلمى قادر على الإمساك بروحى والتحليق بها فى جنات السعادة - مهما كانت من كآبة تحيط بروحى - فلماذا الآن فقد قلمى تلك المقدرة ؟؟ لماذا لا يزيدنى إلا إيلاماً وتجريحاً ؟!!
إقتربت ساعة الصفر .. إقتربت النهاية أخيراً ، لاحت اليابسة على مرمى البصر .. ولكنها يابسة جرداء خالية من جميع أنواع الحياة .. لعلها تكون أفضل من الإبحار فى ظلمات بحار المجهول ....

الألم والأمل .. ما هو الفرق ؟

ألم وأمل ..
ما هو الفرق بين الآلام والآمال ؟ ...
الألم هو الإنفعال الطبيعى الذى يصاحب الإنسان منذ ولادته طفلاً إلى وفاته كهلاً .. الألم هو الشعور بالذنب على ما فات أو الحسرة على ما هو آت .. أو التوجع من الواقع المرير ..
حتى الطفل أول ما يقول وأول ما ينطق به هو صراخ (آآآه) من الألم الذى يكابده فى محاولات بائسة لفهم هذا العالم الجديد الذى لم نفهمه نحن حتى الآن ..
الأمل ؟؟ ما هو الأمل ؟؟
يختلف الكثير حول مفهوم الأمل ، حيث يراه البعض وقود أو (إكسير) الحياة على حد وصفهم .. بينما يراه آخرون على أنه الوهم الذى نوارى به بشاعة الواقع .. بينما أراه أنا أقرب إلى هذا الوصف الأخير .. فاكاد أرى الأمل مخدراً نحقن به انفسنا حتى نستطيع تحمل المزيد من .. الآلام .