ليس الآن

نظرت إليه بتلك النظرة البلهاء خاصتى وقلت له "ليس الآن" ..
كنت فى ذلك اليوم أرتدى زياً مدرسياً رمادى اللون وأحمل على كتفى حقيبة ظهر سوداء محاطة برسومات عجيبة لم أفهمها يوماً ولم أكُ أكترث لذلك كثيراً ، لونها ظريف وسعتها كبيرة وتسع كل الكشاكيل والكتب التى .. لا أحضرها أبداً ؛ لذا فهى الأفضل .. بغض النظر عما سوى ذلك .فى مثل هذا اليوم كنت أحمل - إضافة إلى الحقيبة السمراء - تلك الحقيبة الحمراء الصغيرة .. ذات اليدين القماشيتين والرسومات البارزة التى تحمل شكل حزمة من الورود بين يدى فتاة حسناء مرسومة بدقة .. تشبهها كثيراً .. ها قد أتت ، حقاً إنها تشبهها !نظَرَتا عينيها الرقيقتين بحدة إلى صديقاى اللذين أبيا إلا أن يصطحبانى إلى مدرستها .. اصطنعت الغباء وأشرتُ إلى تلك الحسناء هناك وقلت فى فخر أحمق : "هذه هى .." فابتسم أحدهما فى بلاهة أكثر حماقة وقال "ليست بفارهة الجمال للدرجة" وتابع الإبتسام فى بلاهة غريبة لم أر مثلها قبلاً ، فنظرتُ إليه تلك النظرة الحادة التى لم يلحظها ؛ لأن الآخر كان قد جذبه من يده بخفة وتواريا داخل أحد الأزقة .. بينما كانت الملكة تتقدم فى بطءٍ مهيب .. تمشى الهوينى كما يمشى الوَجِى الوَحِلُ ."كل عام وأنتِ حبيبتى" قلتها وثغرى يتسع ابتساماً ثم أظهرت الحقيبة الحمراء من خلفى وأهديتها إياها ، احمرت بشرتها خجلاً ثم مدت يدها فى زمن طويل نسبياً - حوالى نصف دقيقة - فقط لتتناول الحقيبة وتنظر بداخلها .. ! انتشت ابتسامتها ثم مدت يدها فى بطء مماثل وأخرجت يدها حاملة ذلك الـ (دبدوب) الأحمر المكسو بشئ يشبه الفراء إلا أنه أكثر نعومة .. رغم أنها كانت تعشق مثل هذه الأشياء إلا أنها - هذه الأشياء - كانت ولا زالت تبعث فى جسدى قشعريرة بلهاء عندما ألامسها ! فطلبت من البائع أن يضعها لى فى هذه الحقيبة ثم أمسكت الحقيبة من أعلاها وجئت بها إليها .. لم أخبرها بكل تلك القصة بالطبع ، فقط اكتفيت بـ "كل عام وأنتِ حبيبتى" التى قد اقتبستها من (كاظم الساهر) وبالـ (دبدوب) ذى الفراء الأحمر ..تبادلنا الحديث لفترة بسيطة لم تتجاوز الساعة على ما أظن ، إلا أن هادم اللذات الأبله هذا - هاتفى - قد بدأ حينها بالرنين .. أخرجته - وكلى ثقة فى سوء حظى - ونظرت إلى المتصل لأجده هادم اللذات الآخر - صديقى الأبله - يرن لى ، رفعت بصرى لأجده فى آخر ذلك الزقاق يشير لى بأن أذهب فوراً فنظرت له بتلك النظرة البلهاء خاصتى وقلت له "ليس الآن" ، لم يسمعنِ بالتأكيد إلا أنه بالتأكيد كان قد فهم الإشارة ..بدا بعدها بلحظات أنه لم يفهم الإشارة ؛ فها قد عاد الهاتف إلى الرنين وعاد معه هادم اللذات - صديقى الأبله - يشير إلىّ من جديد .. نظرت له نظرة حانقة - فلم يلحظها أيضاً نظراً للمسافة - ثم أغلقت الهاتف تماماً ورحت أكمل الحديث القصير الذى دار بيننا .. كان قصيراً فعلاً ، إلا أن يداً عابثة أبت إلا أن تفسد اللحظة وتعكر صفو اللقاء ، يداً عابثة قررت أن تقطع الحديث بسيل من السباب والعواء ، يداً عابثة جعلت بصرى يهتز كما تهتز زجاجة الدواء ، يداً عابثة ارتفعت فى الهواء ثم استقرت على ... على ... لنعتبرها رأسى وكفى !أدرت بصرى المهتز إلى صاحبة اليد الرقيقة - مجاملاً - فرأيتها .. لا لم تكن رقيقة على الإطلاق ، ارتفعت اليد مجدداً فارتعشت أصابع قدمى .. ثم هوت - اليد - بسرعة مخيفة على كتف الملكة .. خلال لحظة ونصف اللحظة وما أن ارتفعت اليد عن كتفى ، كنت أبعد عن مكان الحادث أكثر من 50 متراً .. وقدماى تتسابقان فى خفة ورشاقة !!