يبكى ويضحك .. فى الثالثة من العمر

تقدم أبى فى احترام وقال "هل من الممكن أن تكون المياه دافئة ؟ فمعدتى تعانى حساسية من المياه الباردة" فابتسم الرجل فى وقار وأظهر بوجهه تعبيراً يفيد بأنه سيفعل ثم ولى ليتحدث مع الطبيب ، التفت أبى وجلس ينتظر زجاجة المياة البلاستيكية ، بينما أنا فقد كنت أراقب شيئاً آخراً .. ذلك الطفل الصغير الذى بلل أنامله وراح يعبث بالمجلات الغريبة التى نجدها دائماً لدى عيادات الأطباء . أمه سيدة يبدو عليها ملامح (بنت البلد) ، جلباب أزرق ملئ بنقوش - زرقاء أيضاً ولكن بدرجة مختلفة تلمع كلما سقط عليها الضوء - يعلوه غطاء رأس أزرق أيضاً ويحمل نفس النقوش ، الطفل - كعادة الأطفال - يتحرك فى كل مكان فى لا وقت بطريقة عشوائية أشعرت أمه بالإحراج فأخذته وأجلسته بجانبها فى شئ من العنف البسيط . شعر الولد بما فعل فظل صامتاً لفترة .. ثم غلبه حسه الطفولى وراح يبلل أنامله مرة أخرى ويعبث فى تلك المجلات .
سرعان ما أتى الرجل وقدم لأبى زجاجة المياة "دافئة كما طلبت سيدى" فأردف والدى "شكراً جزيلاً لك" ثم نظر لى وتحدث فى صوت منخفض "هل يكفى جنيهين ؟" فأومأت برأسى وابتسمت ، فلم يفعل الرجل شيئاً سوى عمله ، ولكن شخص مثل أبى لا يفكر بمثل هذه الطريقة التى أفكر بها .. فهو شخص مهذب وأكثر احتراماً . بدأ أبى يشرب الماء الدافئ على جرعات صغيرة متتالية ويتأهب نفسياً لإجراء الأشعة المقطعية بينما رحت أنا أتابع ذلك الولد جميل المحيى ، إلا أن صوت الممرض شرع ينادى "عبد الرحمن أحمد" .. "عبد الرحمن أحمد" .. فحملت الأم ابنها وأنزلته على الأرض وسحبته بهدوء إلى غرفة الأشعة ، بينما رحت أتخيل زوجتى - المستقبلية - تنجب لى طفلاً فى مثل هذا الجمال فلا أكف عن مداعبته حتى تكرهنى أمه ! ويا حبذا لو سمى "عبد الرحمن" .. فأنا أعشق ذلك الإسم ، فإسم "الرحمن" من أجمل أسماء الله الحسنى فى عينى وأقربها إلى قلبى .
بعد دقائق عاد الولد والدموع تملأ مقلتيه وأمه تسير خلفه تدفعه بيدها بخفة حتى يسير إلى غرفة الإستراحة أينما كنا ننتظر - أنا وأبى وعدد من المرضى - وراحت تفتح ذلك الـ (كيس) الأبيض الكبير وتخرج منه أشياءاً استنتجت بعد ذلك أنها تؤكل ، ثم بدأت تطعمه وتطعم نفسها حتى انتشت ابتسامته وبدأ يصدر أصواتاً استنتجت بعد كثير أنه كان يعبر بها عن فرحته ، غريب أمر هذا الطفل .. يبدو على الأقل بالغ من العمر ثلاث سنوات .. ولا يقل حتى "شكراً" ؟ تذكرت بعدها أن ذلك ليس من شأنى فأخرجت هاتفى وقمت بالرد على ذلك الإتصال الذى قطع تفكيرى .. "وعليكم السلام .. لا لم يحن دورنا بعد .. نعم لقد مرت ساعة .. حسناً .. سأتذكر بإذن الله .. سأخبره .. حسناً .. مع السلامة" توجهت إلى والدى وأخبرته بهذه الأشياء العائلية ثم رحت بعد ذلك أنصت لحوار دار بين الأم ذات الرداء الأزرق وسيدة تجلس بجوارها يبدو عليها أثر المرض .
بعد أن انتهى الحوار علمت أن ذلك الطفل لديه غشاء على المخ - ولا أدرى ما هذا - إلا أن ذلك يجعله غير قادر على استعمال أحباله الصوتية .. فقط .. يبكى ويضحك .لا أعلم لماذا تذكرت حينها تلك الأنشودة :
--------------------------------------------------------------------
يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً
كعاشقّ خطّ سطراً في الهوى ومحا
--------------------------------------------------------------------
لا أعلم من ألفها ولا أجد نفسى مهتماً بذلك .. فقط هى بدايتها ما دار بخلدى عندما جالت بفكرى فكرة أن يبكى ويضحك لا حزناً ولا فرحاً ، شعرت بتلك القشعريرة وذلك الإحساس الذى يغمر الجسد من أخمص القدمين إلى منبت الرأس وأوشكت عيناى أن تدمع ، إلا أننى تماسكت وأجبرت نفسى على الإبتسام .. رحت بعدها أتأمل ذلك الطفل بعين مختلفة ، أمه تعطيه (كيس) من الـ (شيبسى) وهو يحاول جاهداً أن يفتحه بيديه الرقيقتين .. تناولته أمه بشئ من الغلظة وفتحته ثم أعطته للولد ثم راحت هى تطالع إحدى المجلات الموضوعة أمامها فى لا ترتيب تسبب فيه إبنها المصون . نظر الولد فى شئ من الإستغراب للـ (كيس) الذى يحمل فى يده ، وقد كان بادياً أنها المرة الأولى التى يتحمل فيها مسئولية كبيرة كأن يطعم نفسه بيديه من (كيس) فى يده . وضع يده فى خوف فانقلب منه الـ (كيس) ووقع كل ما به على الكرسى .. إلا أن أمه لم تلاحظ ، فارتبك الولد .. وراح يناديها بيده التى صارت أبلغ من لسانه ، فالتفتت ورأت ما فعل .. فلطمته على وجهه عدة مرات فى كل مرة كدت أن أقوم فيها فأضربها بأضعاف القسوة التى ضربت بها إبنها ، لكننى كنت أتراجع وأقول لنفسى "ليس هذا من شأنك .. ليس هذا من شأنك .. " لكن هذا لم يمنع انفعالات وجههى أن تظهر !
راحت الأم تلملم ما استطاعت أن تلملم ووضعته فى الـ (كيس) ثم أغلقته قدر ما استطاعت ووضعته فى الـ (كيس) الأبيض الكبير ثم التفتت فى هدوء إلى المجلة التى كانت تطالعها وكأن كلباً لم ينبح . أخذ الولد يبكى لا يضحك ، والمؤثر فى الأمر .. أنه كان يبكى دون صراخ .. لا أحبال صوتية .. فقط بكاء . لم تلفت أمه فى بداية الأمر ، ربما لأنها لم تسمع صراخ أعماقه أو لأنها من الأصل ليست مهتمة كما يجب ، حتى قرر الولد أن يناديها بيده فنظرت له .. فإذا به يمط شفتيه إلى الخارج فى وضع دائرى .. فاقتربت الأم منه ودنت بوجنتها من فمه حتى قبلها .. ثم عادت بعدها تصافح تلك المجلة فى برود ، إلا أن الطفل شعر بتحسن غير عادى .. لم يملك حتى يصالح أمه إلا أن يقبلها .. هو عاجز حتى عن مصالحتها ؟ .. لكنه فى النهاية صالح أمه .. فابتسم كثيراً وراح يبلل أنامله من جديد ويعبث بباقى المجلات وابتسامة الرضا تكسو محياه المنير !!