وما الحياة إلا إحدى حصص الإملاء "نقطة ومن أول السطر"

لا أعلم حقاً إن كان تشبيه الحياة - بحصة من حصص الإملاء طويلة المدة - قد وصل بالمعنى الذى أريد أم لا ..
هو تشبيه مضحك - أعلم هذا - فثغرى ها هو يبتسم بينما أسطر ذلك السطر
إلا أننى بحثت كثيراً عن مشبهاً به آخراً .. ولم أجد .. لا يهم .. نقطة .. ومن أول السطر .
لا زلت أذكر أستاذ اللغة العربية أ/ أشرف .. كنت أبتسم كثيراً عندما يقول "نقطة يابنى ومن أول السطر .."
حينها كان عقلى من الصغر بألا يفكر فيما يكمن وراء .. هذه الجملة .. التى تكمن براءة الأطفال فى عينيها
إلا أننى كنت أبتسم .. أعلم أنا أن وراءها سر خطير .. نقطة ومن أول السطر .
لماذا نضع تلك النقطة الحمقاء ؟ بل وماذا تعنى أساساً ؟
ولماذا عودنا الأساتذة أن نضع نقطة فى نهاية الجملة .. وتتجه أصابعنا تلقائياً إلى بداية سطر جديد ؟
نال هذا السؤال من تفكيرى سنوناً طويلة
هذا إلى أن كفت وزارة التربية والتعليم عن تكليف الأساتذة بهذه الحصة العجيبة
هه .. "أكتب ما يملى عليك" .. جميل جداً أن أكتب ما يملى علىّ
لا لن أكتب ما يملى علىّ .. بل سأكتب ما يمليه علىّ قلمى
لطالما أردت أن أقولها له جهراً .. كنت أقولها أحياناً فى سرى وأضحك ضحكة هذا الطفل الشقى
يعلم أنه قد قال شيئاً سيعاقبه عليه الكبار .. إن سمعه أحد منهم
لم أكن حينها قد علمت أين تكمن قيمة هذه النقطة .. أو أين تكمن الراحة فى قوله "أكتب ما يملى عليك"
فحين يتحرر قلمك .. وتصير قادراً أن تسطر نثراً أو تنظم شعراً .. تتغير نظرة الناس إلى ما تكتب
الكل حينها ينقد ويعترض .. يمدح ويذم .. تمتعض الشفاه وتنبسط .. تنسجم الأرواح من كلماتك أو .. تنعقد
الكل يبدى رأيه فى تصرفاتك وأفعالك ، آرائك وإهتماماتك ، إختياراتك وقراراتك ، حياتك مستقبلك وماضيك
حينها أنت فى بوتقة الإختبار .. شخصية جديدة أتت إلى العالم
الكل ينتظر أن يفهمها .. الكل مترقب .. ومتوجس خيفة
أما حين كنت تكتب ما يملى عليك .. فقد أراحك أستاذك .. لم يضعك فى بوتقة الإختبار
بينما أنت تتذمر - كما هى عادة الإنسان - وتطالب بأن يتحرر قلمك
بل الأدهى أنك تصرخ كالأطفال قائلاً : ليعطينى أحدكم فرصتى
........
أما عن "نقطة ومن أول السطر" - وهى ما دفعنى فى البداية لأسطر هذه الكلمات - فقد قادتنى الحياة لأن أكتشف معناها رغماً عن أنفى
كنت قد تناسيتها تماماً فلم أجد لها إجابة .. حتى أننى قد بدأت أشعر بتفاهة سؤالى هذا
إلا أن العالم أبى إلا أن يعلمنى .. درساً .. من دروس الحياة
النقطة فى الأصل تحمل معنى التوقف .. و"من أول السطر" ترمز فى الغالب إلى بداية جديدة
فأحياناً حين يغرقنا التفكير فى الحيرة .. نحتاج حينها إلى الوقفة .. وإعادة التفكير فى كل ما سبق
نقف وننظر ورائنا لوهلة ثم نتسائل .. تتحير ألبابنا وتنعقد أصفادها
ربما حينها نجد أنفسنا فى حاجة إلى مراجعة كشاكيل الإملاء خاصتنا
ونتذكر .. قول أ/ أشرف .. "حط نقطة يابنى .. وإكتب من أول السطر"
أحياناً تأتى النقطة فى صورة خبر سعيد .. مظهر من مظاهر رحمة الله ببنى البشر
كما تأتينا فى أشخاص آخرين .. عظات وعبر .. لعل من يعتبر
كلمة صادقة .. نصيحة .. فكرة تحتل العقل لفترة .. حسناً .. الآن .. نقطة ومن أول السطر .
كثيراً ما يستمع بعض الذين قد صُمَّت آذانهم لأحاديث الشيوخ
قرآناً كان أو أحاديثاً نبوية شريفة .. أو ربما رواية عن أحد الصحابة .. أحد الصالحين
تدفعهم هذه الأشياء إلى الحافة قليلاً .. تقربهم هذه الأشياء عقولهم أكثر إلى حقيقتهم البشعة
إلا أن "نقطة ومن أول السطر" لا تأتى .. ولا يعلم أحدهم السبب
يكتفى بأن يمصمص شفتيه نادباً حاله قائلاً "أسمع كلاماً مقنعاً .. فأقتنع .. فأعود لأقابل فلاناً وأصدقائه .. أعود .. كأن شيئاً لم يحدث"
"نقطة ومن أول السطر" نعم هى ما يحتاجه .. يحتاج صدمة .. يحتاج صفعة .. شئ يذبحه
يذبح نزعة الكبر التى قد ولدها الشيطان فى نفسه
يذبح قلبه الذى قد إمتلأ بالمعاصى .. ويزرع مكانه قلباً طاهراً نقياً
فالرجل حين يُذبح .. يشعر بأنه تائه
تائه فى بلاد الزيف .. هذه التى يولد فيها الطفل .. يحمل من الكآبة بقلبه ما يجعله لا يقوى حتى على الصراخ
صفعة قوية و ..... نقطة
ومن أول السطر
تحياتى إلى أستاذى .. الذى لن يقرأ هذه الكلمات
ولن يدرك يوماً كم كان هو محقاً
عندما قالها ....
عذراً .. فقد أطلت
إذن فقد آن الأوان أن أضع النقطة .. نقطة ومن أول السطر .