حلالة المشاكل

عندما يذهب أحدهم إلى المقهى المجاور ، فإنه بالتأكيد ينتظر شخص ما وهو فى الغالب من الجنس الآخر ! إلا أننى كنت الفتاة الوحيدة هناك .. أقصد بـ (وحيدة) أننى كنت الوحيدة الوحيدة لا الوحيدة . أعلم أن هذا يبدو غامضاً للوهلة الأولى إلا أن إعادة قراءة الجملة كاف حتى تفهمها ، سأشرحها على أى حال .. قد كنت الفتاة الوحيدة التى تجلس وحدها لا مع شاب وسيم أو مع سيدة مسنة حتى . رحت أتأمل الوجوه قليلاً .. هذه الفتاة ذات الطرحة البنية وذلك الشاب الذى يبدو للوهلة الأولى شخصية رزينة للغاية ، يبدوان فى حالة عصبية بسيطة يحاولان إخفائها لأنهما فى مكان عام .. وتلك الفتاة قمحية اللون سمراء الشعر تنظر فى ساعتها ثم تنظر أمامها لتجد حفنة من الورود يقدمها لها ذلك الفتى الصغير وهو يقول لها شيئاً ثم يشير إلى خارج المقهى ، تبتسم الفتاة كثيراً وتخرج جرياً إلى الخارج .. ترى .. هل دفعت الحساب ؟
ضحكت قليلاً لتلك الأسئلة الحمقاء التى تتبادر إلى ذهنى كلما رأيت شيئاً كهذا ، فأوجه تفكيرى نحو تلك الأسئلة حتى ..... حسناً .. لا يهم !سرعان ما فتحت حاسوبى النقال وبدأت البحث عن أثر لشبكة الإنترنت ، لأكتشف سريعاً أن ذلك المقهى يحوى شبكة لا سلكية .. كان ذلك عظيماً . فتحت صندوق الوارد فى البريد الإلكترونى لأجد ثلاثة رسائل .. بعد أن كنت أجد رسالة واحدة كل عدة أيام الآن أصبحت أجد ثلاثة ، يبدو أننى أشتهر ، تلك الجريدة المغمورة فى ذلك الزقاق المخيف .. حسناً إنه القدر ! فتحت الرسالة الأولى فى اهتمام وقرأت :
"حبيبتى (جهاد) كيف حالك اليوم ؟ أرجو أن تكونى بخير ! لن أطيل عليكى فأنا لا أقوى على الكتابة ، أنا (م.ر.ك) من القاهرة . تخرجت منذ شهور ثلاثة تقدم فيها لخطبتى ما لا يقل عن سبعة إلا أننى رفضتهم جميعاً فى إنتظار (ك.ص.أ) أن يتقدم لخطبتى كما وعد ! إلا أن والده توفى ، فقررنا تأجيل الخطبة ، كل ذلك وأهلى لا يعلمون ! فقط أصطاد العيوب فى هذا وذاك حتى قالوا عنى أننى لن أرى نعيماً فى حياتى إن لم أتعقل فى إختياراتى . بعد مدة كبيرة أقنعته أن يتقدم لخطبتى مرة أخرى فرفض نظراً لظروف ما فى عمله يواجهها وهو لا يجد وقتاً كافياً ليتنفس هذه الأيام ، إنتظرته حتى تنتهى هذه الظروف ثم طلبت منه أن يتقدم مجدداً إلا أنه رفض !! وتحجج بمرض أمه التى أصبحت مسنة بشكل كبير وتحتاج إلى من يرعاها ! شعرت بأنه يتهرب فأخبرته أننى فى بيت أهلى وأنه يعرف جيداً عنوان البيت وتركته وقطعت الإتصال به .. أما هو .. فلم يتصل مجدداً !!!على الصعيد الآخر كان هناك (ر.م.ف) جارى وصديق الطفولة يريد التقدم لخطبتى وأنا أقنعه بأننا أخوة فقط وهو لا يقتنع ! متمسك بى بشكل لا يعقل ، الغريب أنه لم يصارحنى قط قبل الآن .. لماذا إنتظر كل هذه السنين ؟ حتى أننى أخبرته ذات مرة فى وجهه بشئ من الغلظة أننى لا أريده وأننى أحب شخصاً آخر وأنتظره ليتقدم لخطبتى ! لم يعلو صوته أو يخبر أحداً .. فقط كأننى تحدثت إلى نفسى ! ثم سرعان ما عادت بعدها أمه لتحدث أمى ! لا أقوى على التفكير يا (جهاد) !! لا أعلم كيف أفكردلينى .. أين الطريق ؟"
ابتسمت فى هدوء ثم نظرت إلى تلك الفتاة ذات الطرحة البنية وهى تكتب فى وريقة صغيرة كلمات لم أتبينها ثم تعطيها له ببطء شديد فيكتب كلمات أخرى ثم يعطيها لها ناظراً إلى عينيها .. يبدو أنهما يلعبان (إكس أو) .. ضحكت مرة أخرى لإستنتاجاتى الحمقاء ثم ضغطت على "Reply" وبدأت أصدر صوت أزرار الحاسوب الذى أحب :
" حبيبتى (م.ر.ك) ، شكراً لسؤالك عن حالى ، أما عن (ك.ص.أ) فقد كان بادياً من البداية أنه يتهرب من من أحبته ، وهذا ليس بغريب .. فقد كان يهوى أيام الجامعة والمكالمات الهاتفية وكلمة "كل عام وأنت بخير" فى عيد الحب ، لم يهواكِ . ولو كانت أى فتاة أعطته ما أعطيتيه لكان أحبها أو بمعنى أكثر دقة (كان عاش معها نفس القصة بنفس التفاصيل) ، أما جارك هذا .. فهو على الأرجح هدية من الله ليعوضكِ بها عن هذا الـ ...يكفى أنه لم يخبر أحداً بما قلتى له ثم عاد بعد ذلك ليخبر أمه أن تفاتح أمك مجدداً .. أهذا شخص يُرفض ؟ إن الرجال الذين يحبون بهذه الطريقة قليلون هذه الأيام .. صدقينى !أختك (جهاد) من جريدة (****)"
ضغطت زر الإرسال فى سعادة ثم فتحت الرسالة الثانية وأنا أكثر تشوقاً للقراءة ، قبل أن أقرأها نظرت حولى لأجد الفتاة والشاب قد تركا المكان فى سعادة ويداهما تتشابك فى رياض الحب .. دققت الملاحظة قليلاً لأجدها تمسك بأناملها الصغيرة دبلته فى يده اليسرى ثم تعود فتشابك أناملها أنامله .. ضحكت مرة ثالثة وابتسمت كثيراً ثم عدت إلى القراءة :
"بسم الله الرحمن الرحيم .. دكتورة (جهاد) أنا أحترم حضرتك جداً وآراء حضرتك ألاحظ إنها تتميز دائماً بالواقعية لا المثالية ، وهذا ما أبغِ فى مشكلتى هذه ، أنا (م.م.ع) من أحد القرى بمحافظة (****) ، سافرت إلى القاهرة حتى أدرس بكلية الحاسبات والمعلومات بجامعة القاهرة وتخرجت منها بتقدير عام (إمتياز) وقد كنت فى طريقى للتعيين كمعيد فى الكلية ، لولا أن أحد الدكاترة كان لى بالمرصاد نظراً لأسباب لن تهم الآن .. المهم أننى فعلت كل ذلك من أجلها .. نعم من أجلها .. ذاكرت من أجلها وسهرت من أجلها واعتزلت مداخل الشيطان من أجل أن يوفقنى ربى إليها .. حتى أننى تركت السجائر وعدة أشياء أخرى لن أستطيع قولها من أجل أن أجد نفسى لائقاً بها ! من شدة حبى لها وإصرارى على تركها نقية تماماً كما هى .. لم أعلمها بحبى .. بل أعددت العدة فى صمت حتى أصبحت الآن أعمل فى شركة (مايكروسوفت) بمرتب فوق الخيال .. فقط .. من أجلهابعد أن تسلمت العمل وأصبحت جاهزاً لأتقدم ذهبت إلى صديقى الذى كان قد تزوج صديقتها وأخبرته بما يعتمل فى صدرى .. إلا أن وجهه قد ابتئس وقال لى فى لهجة حزينة "إن عرسها اليوم"
بالله عليكى .. ماذا أفعل ؟"
تجهمت قليلاً .. حتى سمعت صوت نقطة من الماء تسقط على أزرار الحاسوب فتنبهت لعينى التى أدمعت ! فكرت قليلاً فى أمره .. حقاً إنه لشعور صعب !أغضمت عينى وشددت على أعصابها حتى تخرج ما بها من عبرات قليلة ثم أخرجت منديلاً ومسحت عينى وعدت بعد ذلك أضغط زر "Reply" وأنا لا أدرى ماذا سأكتب :
"الوضع يستحق إعادة التفكير .. من البداية أنت راهنت على شئ غير مضمون ، راهنت عليه حتى أنه صار كل أهدافك فى الحياة ، جميل أنك فى النهاية لم تخرج خاسراً تماما .. فأنت الآن موظف بـ .."
مسحت ما كتبت فقد شعرته سخيفاً إلى أقصى الدرجات .. ثم عدت أكتب من جديد :
"قمة القوة أن تخفى حباً لسنين طويلة من أجل من جعلتها هدفك فى الحياة ، هل لى أن أسألك لماذا أخذها منك القدر بعد أن أعطاك كل ما أعطاك ؟ ألم يكن بوسعه أن يعطيك إياها حتى تكتمل فرحتك ؟ بلى كان من الممكن .. إلا أن شيئاً ما جعل أنه من الأفضل ألا يحدث هذا ! شيئاً يفوق إدراكك البشرى .. شيئاً جعل من أراد لك كل هذا النجاح يحرمك من أقوى ما تمنيت فى حياتك .. لقد وصلت إلى ما وصلت لأنك تستحقه لا من أجل أنك أحببتها .. لقد جعلك القدر تسير فى طريق النجاح لأنه من المقدر لك أن تصير ناجحاً .. دعك من الأسباب الدنيوية فهى زائلة
قد قلت فى بداية خطابك أن ردودى تغلبها الواقعية لا المثالية وأن ذلك ما تنشده أنت فى ذلك الموقف .. ربما الآن الوضع مختلف .. فالواقيعة أحياناً تقودك إلى القاع . كما يحدث معك الآن
نصيحتى لك
عد إلى من خلقك وإسأله أن يبدلك خير منها ! فأنت بشر .. وإدراكك لمصلحتك ضئيل جداً مقارنة بمن خلق السماوات والأرض فى ستة أيام"
ضغطت زر الإرسال فى ألم ودعوت الله أن يبدله خيراً منها ، نظرت إلى الرسالة الثالثة كثيراً قبل أن أفتحها .. ألتقط أنفاسى !إلا اننى فى النهاية فتحتها :
"اشتهرتِ يا (جهاد) .. مبارك لكِ أنكِ قد وجدتِ شيئاً تشغلين به وقتك غير إزعاجى ، من فضلك .. دعى نفسك للنسيان ، فكثرة تفكيرك لن تعيدنى .. لقد كانت سنين الجامعة جميلة حقاً .. ولقد أدى كل منا دوره ببراعة فى مسرحية الأقدار ، ولقد تقاضيتى راتباً جيداً عن ذلك الحب الذى أعطيتنى إياه .. تذكرى أننى من أقنعت رئيس تحرير جريدتك بأن يعين عاطلة مثلك لديه .. تذكرى ... أنكى أقل من أن أعود إليكى .
حبيبك المخلص للأبد"

المخلص للأبد .. ؟ارتسمت على وجههى ابتسامة وترقرقت فى الوقت ذاته عبرة حارة ثم ضغطت على زر "Reply" وكتبت جملة واحدة :
"شكراً حبيبى المخلص للأبد"