غريبة هى تلك الصفحة البيضاء، تستفز قلمك المكسور وكأنها أنثى فاتنة تستفز خجلك المضطرب .. تنثر رماد سيجارها المحترق فوق حذائك .. تستدير وتمشى فى أناقة بعد أن نشرت عطرها الأخاذ فى الهواء كله !! تسير بعد أن تركت فيك أثراً لن تمحوه وجبة دسمة أو ساعة من المشى بجوار أسوار الحديقة من الخارج .. تسير بعد أن أسرت روحك بين أسطرها ، وقلمك داخل عالمها الكائن خلف بياضها الناصع..
صفحات التاريخ مفتوحة دائماً للقارئ .. أدر تلك الصفحة لتجد ذلك الصبى يعبث تحت سريره ويجتهد ليخرج شيئاً ما .. تابعه قليلاً لتجده يخرج شيئاً يشبه البانيو لكنه من البلاستيك الرخيص .. ممتلئ بألعاب مكسورة كانت لأخته التى تكبره بأعوام، وقلم أبيه الأزرق الذى كان به حبراً يوماً ، وهذه الحيوانات البلاستيكية الصغيرة .. ذلك الجمل المكسور ذيله ، والفهد المتأهب دائماً .. ثم الغزال الذى يقف فى كبرياء وكأنه لا يخشى مخالب الفهد .. بجانبهم كانت تلك السيارة ذات جهاز التحكم السلكى .. جهاز تحكمه به زرين فقط ، واحد للأمام وآخر للخلف ، غير أن زر الأمام لا يعمل .. السيارة فقط تعود إلى الخلف !!
أدر صفحة البانيو لبنى اللون ، لتجد ذات الصبى فى مدرسته ، يحمل حقيبته بنية اللون ، وعلى كتفه تعلقت الزمزمية المثقوبة ، وثيابه غرقت فى مياه الزمزمية دون أن يشعر .. راقب زملاؤه وهم يمزقونه ويصنعون منه ألعاباً لهم .. ومن أحزانه نكاتاً تضحكهم .. راقب الظلام وهو يحتل قلبه شيئاً فشيئاً ، الشيطان وهو يحتضنه كما تحتضن الأم رضيعها ، قلبه الصغير وهو يتوهج .. راقب الشيطان وهو يحترق !!
الأطفال لا تزداد عقلاً ولا حكمة مع مرور العمر .. فقط يزدادون صلابة .. يستطيعون تحمل المزيد ، يستطيعون المضى قدماً .. يشتد عودهم لكنهم يظلون أطفالاً !! ذلك الطفل الذى تعود أن يحصل على ما يريد بغض النظر عن الوسيلة ، ثلاثون عاماً من الآن سيصير طفلاً تعود أن يحصل على ما يريد ، مغطى بطبقة تكونت عندما أفصح عن ذلك مرة بصراحة ونهره أهله .. وطبقة أخرى تكونت عندما ضربته معلمته بعد أن أكل فى الحصة رغم أنها نبهته مرتين قبلها !! وطبقة أخرى تكونت حين كسر القدر قلبه عندما تزوجت حبيبته من رجل آخر .. طبقة تلو الطبقة تعلم بها كيف يخفى رغبته فى الحصول على ما يريده حتى يحصل على ما يريده .. طبقة تلو الطبقة تعلم بها أن الوسائل تهون ما دام يحصل على ما يريد آخراً !! نفس الطفل ، ولكنه أقوى قليلاً
أنت ذاتك لا تختلف كثيراً عن ذلك الطفل الذى تراه فى صورك القديمة .. جمجمتك أعيد تشكيلها ، لون جلدك تغير ، شعرك إختلف ، صوتك ربما تغير جذرياً .. لكن نظرة الطفل التى تعتلى وجهك عندما تسمع أغنية أطفال كنت تعشقها وأنت صغير .. أو تلك القفزة التى تقفزها فرحاً عند نجاحك .. ولو كانت فى داخلك دون أن تعبر إلى جسدك الخارجى !! تلك القشعريرة التى تشعر بها من أخمص قدمك إلى منبت رأسك عندما تدرك أن شخصاً قريباً إلى قلبك قد فارق الحياة .. لا لم تتغير .. أنت ذلك الطفل الذى كان قبل قليل يأكل بيديه ويعبث بالطعام ، ثم يسرع إلى أى شخص يتأهب لمغادرة المنزل ويتمرغ فيه حباً لعله يأخذه فى نزهة قصيرة أو يشترى له الحلوى ..
طبقات من الزيف تكونت فوق بشرة ذلك الطفل فتشققت عبر الزمن .. قليلاً ما تأتى تلك اللحظات التى تسرع فيها إلى غرفتك ، تقشر كل الطبقات التى تكونت فوقك عبر السنين ، وتجلس وحدك فى ركن الغرفة تحاسب نفسك وتقيمها ، أو تتمدد على الأريكة وتنظر إلى السقف وشريط طفولتك يمر أمام عينيك .. حتى ترتسم ابتسامة هادئة على وجهك وقد عاد صبياً .. وتهدأ أعصابك تحت بشرتك التى عادت ناعمة
صفحات التاريخ علمتنا أن العالم ليس مكاناً مناسباً للأطفال ، بل هو على النقيض ، مكانٌ قذر لا ينفك يغطينا بطبقات من قذارته .. من حنينه الحانق وبكائه المشعوذ وكلماته المختلطة بترانيم عبدة الشيطان .. صفحات العالم لا تحمل إلا شراً .. طرقاته لا تصنع منك إلا آلة تخدم الأقوى وتسحق الضعيف ! أضوائه لا ترشدك إلا إلى هلاكك .. إبتعد عن الضوء ، وإجلس بغرفتك .. أغمض عينيك وتذكر من أنت .. تذكر أحلامك البريئة ، تذكر حقيقتك النقية ، وحاسب نفسك قبل أن يعميك النور

