كعادة أى طفل صغير، كنت أخاف العفاريت .. بل أظننى كنت متمادياً فى هذا الأمر كثيراً .. فلم أكُ أنفك أبداً أتخيل القصص - المخيفة بالطبع - وأعود لأكمل رواياتى معهم فى كوابيسى .. ورغم أن هذا الأمر يثير رعب الكثيرين - وكنت أولهم - إلا أننى لم أستطع يوماً وحدى التغلب على هذا الأمر .. حتى قال لى والدى - رحمه الله - مثلاً مصرياً قمة فى الحكمة:
"اللى يخاف من العفريت يطلعله"
فى الواقع لا أذكر أبداً على مدار السنتين فوق العشرين أننى قد سمعت مثلاً أو جملة مأثورة تحمل من الحكمة ما تحمل تلك الجملة، استثناءًا للكتب السماوية وأحاديث الأنبياء بالطبع. فى واقع الأمر لم تستوقفنى تلك الجملة كثيراً وقتها، فقط دفعت بخوفى أميالاً إلى الوراء وأفهمتنى أن خوفى هو ما يصنع المزيد منهم، وبالتالى اكتشفت وحدى بذكائى المفرط أن السبيل الوحيد للتخلص من هؤلاء العفاريت الذين يحيلون حياتى جحيماً هى ألا أخاف منهم .. وكعادة الطفل الساذج عبرت عن عدم خوفى منهم بطرق مضحكة للغاية أجبرتنى بعد فترة أن أعبر عن ذلك عندما أكون وحدى فى المنزل فقط.
لم أنو كتابة هذا المقال حتى أنصحك بألا تخاف من العفاريت .. الخوف ظاهرة صحية أحياناً، إلا أن السبب الرئيسى الذى دفعنى إلى ذلك هو أننى اكتشفت - مرة أخرى بذكائى المفرط - من قصص تدور حولى لأناس أعيش بينهم أن أغلب من يخسر هو أكثر من يخشى الخسارة !!! وأن أكثر من يحب الحياة ويحرص عليها هو أكثر من يموت ذليلاً مهموماً .. على الجانب الآخر أجد أن أغلب من يفوز هو - لا ليس من لا يلقى للفوز بالاً ولكن - من يأخذ بالأسباب ويستخير الله ويبدأ بالتصرف فوراً كما يهديه قلبه
كم من فرصة ضاعت منك فقط لأنك خشيت أن تلحق بها فتخسر؟ كم خسرت حينها عندما خشيت أن تخسر؟ كم من فرصة إنعطفت بحياتك منعطفاً إيجابياً تاريخياً فقط لأنك قررت أن تأخذ بالأسباب وتتوكل على الله رغم مخاوفك؟
كلما فكرت فى هذا المبدأ ترائت إلى ذهنى نفس الصورة .. لاعب السيرك الماهر الذى يسير على الحبل .. وفى ذات الوقت يحمل فى يديه ثلاث كرات يتقاذفهم فى الهواء بحيث تكون هناك دائماً كرة واحدة على الأقل فى الهواء وكرتين فى يديه .. للحظة يقذف بأحد الكرات أعلى قليلاً فيخشى وقوعها وتجذب انتباهه فيمسك بها فقط ثم يجد نفسه فى المشفى يتعرض لكسور تحتاج إلى ستة أشهر بلا حركة
"عندما تشعر بأنك تريد كل شيء .. تأكد بأنك سوف تحصل على لا شيء"
هذه المقولة من تأليفى .. ليست رديئة جداً كما تصورت، ينقصها ربما بعض الأمل
"إذا أردت كل شيء .. فارض ببعض الشيء .. أو لن تحصل على شيء"
أضفنا بعض الأمل ومعه قليل من الملل
حسناً لندع تلك المقولة السخيفة جانباً ولنكمل حديثنا، ألاحظ كثيراً أننا نمر بمواقف يجب علينا أن نختار بين إختيارين فقط لا ثالث لهما .. هذا النوع من مفترقات الطرق لا يكون جميلاً على الإطلاق .. خاصة وأن هناك دائماً قناعة داخلية داخل عقولنا جميعاً تتحرك بالفطرة وتقول طوال الوقت نفس الكلمة:
"هناك طريق واحد صحيح"
وكأن الطريق الآخر يذهب بك إلى جهنم .. ومن ثم تجد الحرص أشد الحرص على اختيار الطريق الصحيح إما هذا وإما ذاك .. بعض الأحيان يمر الوقت دون أن نستطيع اتخاذ القرار ونفاجأ بأنفسنا أمام أمر واقع شديد الغلظة .. والبعض الآخر نفر من الحيرة إلى أحد الإختيارين بدون تفكير وحينها ولو كان الإختيار الأنسب أؤكد لك أنك لن تسعد بهذا القرار .. ستظل دائماً متأكداً أن الإختيار الآخر ربما كان الأفضل.. أما أحياناً فيأتى بعضنا ويعجز عن اتخاذ القرار ويعلن ذلك لجميع المعنيون بهذا القرار .. ولا داعى لذكر مساوئ ذلك الأخير
لو كنت قد تعلمت شيئاً واحداً من أحد أصدقائى - سلامى عليك - فهو أن الصواب والخطأ فيما لا يخص الحلال والحرام أمر نسبى، وأن الاعتقاد بأن هناك طريق واحد صحيح والآخر مهلك هو خطأ شائع نقع به جميعاً دون أن ندرك الصورة بشكل أكبر .. لتسأل مؤلف قصة أو لتسأل نفسك لو كنت قد ألفت قصة يوماً ما .. كيف تختار مسار القصة؟ لنقل أن لدينا "محسن" الذى لا يدرى هل يقبل بتلك الوظيفة بهذا المرتب القليل ويمضى العقد حالاً لمدة سنتين أم يصبر قليلاً ليرى ما إذا كانت تلك الشركة الكبيرة الأخرى سوف تراسله بعد أن بعث لها بطلبه للعمل هناك .. مفترق طرق بالطبع .. إن كنت أريد أن أجعلها قصة سعيدة لن أكترث تماماً أى اختيار سأجعل "محسن" يختار .. من وجهة نظر موضوعية كلا الإختيارين قد يكونا الأسوأ على الإطلاق وكلاهما قد يكونا الأفضل على الإطلاق .. ربما يعمل بالشركة الصغيرة وخلال أقل من عدة شهور تحقق الشركة مكاسباً ضخمة ويتضاعف مرتبه أضعافاً مضاعفة وتزداد حدة الطلبات الواجب توافرها فى المتقدمين بها فيحسد نفسه على وجوده بها منذ أن كانت صغيرة .. وربما يظل فى نفس المكان بنفس المرتب الضئيل لمدة عامين ويضيع عليه فرصة الشركة الأخرى الكبيرة التى تراسله بالفعل وتدفعه تلك الخسارة للانتحار أو الإنهيار .. ونفس الإتجاهين قد يحدثا مع الشركة الكبيرة أيضاً .. فقد يقبلوه ويحدث خلاف مفتعل بينه وبين أحد العاملين فيصنع به صنيعاً خبيثاً يتسبب فى طرده من الشركة .. وقد يقبلوه ولا يحدث شيء على الإطلاق سوى أنه يرتفع فى المكانة ويزداد مرتبه
كل طريق قد يكون الأفضل وكل طريق قد يكون الأسوأ .. كل كلامى فى هذا المقال باعتبار أن كلا الطريقين حلال شرعاً ولا يشوب أى منهما أية شائبة ، لذلك فأنا أرى - بذكائى المحدود وفطنتى المتناهية الصغر وتفكيرى البدائى - أن الطريق الصحيح هو دائماً الطريق الذى أشعر براحة نفسية تجاهه بعد أن أستخير الله عز وجل .. عن نفسى أؤمن تمام الإيمان أنه لولا صلاة الاستخارة لضل الناس جميعاً فى كل اختياراتهم
لا أعارض على الإطلاق أن أفكر فى كل اختياراتى تفكيراً موضوعياً .. فقط أعارض أن يتحول هذا التفكير إلى وسواساً قهرياً يفسد كل متع الحياة
حاذر من عفاريت الفكر