اشتدت الرياح فى الخارج .. وهرع كلٌ إلى خيمته يحاول التملق لأخشاب عفنة رطبة لعلها تشتعل .. البرد قارص والرياح لا ترحم أحداً .. كان اقتلاع الرياح لخيمة أحدهم تعنى وفاته وأسرته فى غضون دقائق .. قضت تلك العاصفة على الأخضر واليابس .. وكسرت الجسور بين القرية وباقى القرى المجاورة فى هذه المنطقة الجبلية.
فى غضون ساعات تحولت القرية إلى سجن كبير .. لا زرع فيه ولا تربة صالحة للزراعة .. اللهم إلا بعض الخزين الذى يكفى كل أسرة ما لا يزيد عن أيام معدودة. كان هناك شاب صغير حديث الزواج يذهب كل يوم إلى بيت حكيم القرية، يقص عليه جوعه الشديد .. بينما كان حكيم القرية دائماً ينصحه بأن يتمسك بحرصه على ما خزنه وزوجته من الطعام. أخذت الأيام تمضى والشاب الصغير يذهب كل يوم إلى حكيم القرية ويقص عليه جوعه .. وحكيم القرية يتلو عليه النصيحة تلو الأخرى كى يتحمل بها آلام الجوع ويصبر زوجته على الظروف الصعبة .. حتى أتى اليوم الذى انتهى فيه نصف ما خزن الشاب الصغير من الطعام .. هلع الشاب وخاف خوفاً شديداً .. وقرر الذهاب إلى حكيم القرية ليسأله ماذا يصنع. نادى الشاب من خارج الخيمة فلم يرد أحد .. فدخل ببطء ليجد الحكيم مستلقياً فى سريره تعلو ملامحه برودة الموت .. وقد تراخت يده وبها تلك الورقة التى بدت بالكاد ممزقة. أخذ الشاب الصغير الورقة من الحكيم وقرأها بصوت منخفض:
"عندما هبت العاصفة كان لدى من الطعام مخزوناً يفوق أضعاف ما خزنت أنت .. وكنت تأتى إلىّ كل يوم فأنصحك أن تصبر على مصيبتك وتتحمل آلام الجوع .. بينما نسيت نفسى ولم أتحمل .. حاولت مراراً أن أنفذ ما أنصحك به لكنى كنت دائماً أفشل .. ربما تعاقبت الأقدار بهذا الشكل لأننى لا أستحق أن أكون حكيماً بلسانى فقط .. أنصح الناس ولا أعمل بنصائحى .. أيها الشاب اليافع .. أنت الحكيم لا أنا"