طواحين الهواء



"المركب براسين تغرق" .. هكذا قالها أسلافنا المصريون بلغتهم العامية البسيطة. لسنا آلات متماثلة حتى تتوقع أن نفكر جميعاً فى نفس الفكرة ونتحرك كلنا فى نفس الإتجاه ردة فعل لنفس الحدث .. وهذا ليس بجديد على الديمقراطية فى العالم .. ولا أظن على الإطلاق أن اختلافى فى الرأى مع شخص ما قد يكون مدمراً لمصلحة البلاد مهما كان الوضع حرجاً ومهما كان رأيه غير مبرر على الإطلاق فى رأيى .. فلم يوحى إلى الله ولا أضرب على الحجر ، أنا فقط نتاج فكر بنيته على أسس تربيت عليها ومواقف تعرضت لها .. لست نبياً مرسلاً ولا أحمل دليلاً قاطعاً أن رأيى هو الصواب مهما كانت درجة الثقة.

مرت هذه البلاد بمواقف ومحطات كثيرة منذ الثورة الطاهرة حتى هذه اللحظة التى أكتب فيها هذه الكلمات الآسفة. فى كل هذه المحطات كان هناك دائماً من يقع فى الفخ ومن يفطن له، من يدعو للقرار ومن يدعو للهزار، من هو واثق ومن هو متردد. العامل المشترك الوحيد بين كل هذه المحطات أنه دائماً تكون الحرب بين الثورة واللا ثورة واضحة كالشمس للبعض، وحروباً أخرى كثيرة وهمية تظهر واضحة للبعض الآخر، ورغم أن الكثير يشهر سيوفه البلاستيكية ويحارب طواحين الهواء وقد يؤذون أنفسهم أو يؤذون مناضلين وهميين مثلهم أو حتى مناضلين حقيقين فى المعركة الوحيدة الحقيقية .. ورغم أن كون نسبة الجهل فى البلاد تعدت الـ 60% شكل عائقاً كبيراً تجاه الثورة التى بدأها شباب متعلم ومثقف .. ورغم الحرب القذرة النفسية والمسلحة على أطهر من أنجبتهم أمهات المصريين، إلا أن الله يريد دائماً لهذه الثورة لحكمة لا أدركها الخلاص من قيود الذل.

سوف يبقى النظام البائد يحارب حتى النفس الأخير .. وسوف يبقى العبيد يشتاقون إلى سوط العذاب حتى ترتقى بهم الحرية أو يصنع ربى بهم أمراً .. وسوف تبقى المعوقات من كل شكل ولون تحارب هذا الجيل المتمرد على الذل .. وسوف يبقى هذا الجيل الطاهر ومن عاونه من آبائنا يحارب فى الميدان حتى نموت فيه أو نحتفل فيه بالنصر .. وسوف يظل الأبطال الوهميون يحاربون طواحين الهواء فى معاركهم الوهمية !! فيكسبون تارة ويفرحوا، ويهزمون تارة ويحزنوا .. ويتركون أخوانهم حينما يحمى الوطيس وتشتد الحاجة إلى البطولات الحقيقية