يحكى أنه فى قديم الزمان ، فى سالف العصر والأوان .. كان هناك ذلك الرجل .. يجوب القرية صباح كل يوم .. يبحث عن ضحيته الجديدة .. فيسخر منها قدر ما يسخر .. ويضحك منها قدر ما يضحك ، فتارة يسرق أشياءاً ويضعها فى بيت صاحبها .. فيبحث عنها حتى تنقطع أنفاسه .. ثم يعد إلى بيته خائباً حزيناً .. ليجد بضاعته فى بيته .. فيقتل ذلك صاحبنا ضحكاً
وتارة يقف بين أصحابه .. ويسخر من أحدهم بطريقته المضحكة .. فيخجل هذا الأخير .. وتنطلق من بعده الضحكات
حتى إذا جاء ذلك اليوم .. يذهب صاحبنا إلى السوق .. باحثاً عن ضحيته الجديدة .. وجد هذه البائعة العجوز .. تبيع الفاكهة .. على عربة خشبية متهالكة .. يجرها ذلك الحمار الأبيض ، ذهب نحوها وأراها حفنة من الدنانير .. وسألها أن تعطيه من الفاكهة ما هو كثير .. فتبسمت العجوز لما رأت من حفنة الدنانير الذهبية .. وإلتفتت ورائها لتخرج المكيال من قطعة القماش القرمزية .. وعندما عادت تنظر أمامها وجدت صاحبنا ممسك بالسوط .. والحمار يجرى بأقصى سرعة لديه .. والعربة تتكسر والفاكهة تتناثر
وما هى إلا لحظات حتى إنطلقت ضحكات الرجل تدوى فى المكان .. ضحك كثيراً حتى بدأ الأطفال يضحكون من ضحكه .. أخذ يهتف ويشير إليها أن تلحق بالعربة .. والناس من حولهم يتهامسون .. وفيما بينهم يضحكون .. نظرت العجوز إلى الحمار المذعور .. ومدت يدها فى قطعة القماش القرمزية .. وأخرجت تلك العصا الخشبية ، وجهتها إليه فى تحدٍ وهمهمت بكلمات غير ملموسة .. فضحك الرجل وظن أنها ممسوسة .. ولكن الرجل فوجئ بضحكاته العالية .. تستحيل دموعاً باكية
فتوقف لوهلة .. وعاد يضحك من جديد .. ليجد نفسه يبكى لا يضحك .. التقطت العجوز هذه الثمرة العفنة الملقاة على أرض الطريق .. وألقتها على وجه ذلك الرجل . توقف الأطفال عن الضحك .. ونظر إليه الجميع .. نظر الرجل حوله .. فوجد الحال قد انقلب .. الآن الكل ينظر إليه هو .. والناس قد عادوا من حوله يتهامسون .. ومنه فيما بينهم يضحكون .. حاول أن يتحرك فشعر كأنما هو مقيد .. فأدمعت عيناه فى حسرة .. ولكن ما أثار دهشته .. أنه كان يضحك .. وبينما كان الجميع يحاول أن يفهم لماذا يضحك ذلك الغبى .. تسلل أحد الأطفال .. وإلتقط حفنة من التراب .. وألقاها على وجه الرجل .. فحزن الرجل بشده .. وعاد يحاول البكاء .. ليجد نفسه يضحك ويضحك .. داخله الآهات تختنق .. وخارجه الضحكات تنطلق .. حتى إختلط ضحكه بضحك من حوله .. وتسلل حينها الطفل تلو الآخر يقذفون عليه التراب ويضحكون .. فيزيد ذلك من ضحكه - بكائه - فيزيد ذلك من ضحك الجميع
لقد كانت تلك البائعة العجوز ساحرة .. ولقد سحرت ضحكاته ودموعه .. وأبدلت إحداهما بالأخرى .. وقيدته مكانه بأصفاد من لا شئ .. حتى يشعر بنفسه شعور من يعذبهم بسخريته اللاذعة ، توسل إليها الرجل بنظراته .. أن عنه تعفو وتسامح .. فنظرت العجوز لحاله الضاحك الباكى .. وللأطفال وهم يرمونه بالتراب .. وللناس وهم يرمونه بنظرات كالسهام .. تخترق رداء الكرامة البالى .. فجذبته من يده بين ضحكات الناس وهتاف الأطفال .. وأدخلته بيتها وأعتدت له متكئاً .. أما صاحبنا فقد احمرت عيناه تحاول أن تخرج ما احتبس بها من دموع خفية .. ومعدته قد بدأت تقرص على بطنه .. لا تحتمل كل ذلك الضحك الهستيرى ، حتى إنتهت العجوز من إعداد ذلك المشروب الأزرق .. الذى تتصاعد منه أدخنة زرقاء كثيفة .. حاولت أن تسقيه ولكنه كان قد سقط أرضاً يقاوم الضحك .. فجاهدت العجوز حتى استطاعت أن تسقيه ما استطاعت أن تسقيه .. فشرب صاحبنا المشروب السحرى وسقط مغشياً عليه
ما هى إلا لحظات حتى دمعت عيناه وكأنه موسم الفيضان قد بدأ لتوه .. استدعت العجوز حمارها المسحور بعصاها المسحورة .. ثم حملت العجوز صاحبنا ووضعته على حمارها .. وكتبت بضع كلمات فى وريقة ثم وضعتها بجيبه .. وأمرت الحمار أن يذهب إلى بيت ذلك الرجل .. فقادته خطاه السحرية إلى ذلك البيت .. لتستقبله زوجته فى قلق ظاهر
أنزلته وحملته إلى داخل البيت .. وبدأت تحاول أن تجعله يفيق .. حتى أفاق الرجل ولكن الدمع لم يغادر مقلتيه الحمراوتين ..وضع يده فى جيبه ليبحث عن منديله القماشى .. فوجد تلك الورقة المطوية .. فأفردها وبدأ يقرأ ....
----------------------------------
من أصعب ما قد يشعر به المرء أن يشعر بأن لا أحد يشعر بما يشعر به فى أشد أوقات شعوره بالإحتياج .. لمن يشعر بما يشعر
أن يجد المرء نفسه غير قادر على الكلام فى أشد الأوقات التى يحتاج فيها أن يقول كلمة واحدة ... كفى
بماذا شعرت عندما لم يرى دموعك أحد ؟ بل بماذا شعرت عندما زادتهم دموعك ضحكاً ؟
هل تعلم لماذا حررتك من أسر الضحكة المسحورة ؟
لأننى لست مثلك .. لم أجد فى دموعك لذة ترتجى
لأننى أحسست بما قد أشعر به .. لو كنت مكانك
قبل أن تفعل بأحدهم فعلة .. ضع نفسك مكانه فى خيالك
قبل أن يضعك القدر
---------------------------------
طوى صاحبنا الوريقة وتنهد .. فسألته امرأته عما حدث .. نظر إليها طويلاً ثم أجاب فى إبتسامة .. "لا شئ .. فقط ذهبت إلى السوق"
ثم أردف فى سره .. "فقد كنت فى حاجة إلى ثمرة عفنة .. وحفنة من التراب"