قلم ابن الرافعى
عندما تصمت الألسنة .. تتحرر الأقلام
واحة الأقلام .. فى سطور
واحة الأقلام
ذات يوم .. كنت أجلس فى خيمتى .. أسخن قدر من اللبن على نار هادئة .. محتمياً بها من برودة الشتاء
حتى جائنى ذاك الأعرابى فأكرمته وأدخلته وقدمت له بعضاً من اللبن .. فشكرنى وشرع يقص علىّ قصته :
" غريب عن بلادكم
جئتكم من بلاد الزيف .. زاحفاً أحاول أن أسير ، ألعن يوم ولدت فيها تارة .. وأستغفر عن لعناتى تارة ، أنظر حولى .. فأرى صحراء صفراء لا أثر فيها إلا لشقاء .. ولا صوت فيها إلا لفضاء
فأطرق رأسى لأتابع خطواتى .. أقدامى تتعثر فى رمال .. ورمال تعبث فى جلبابى المرقع .. الذى يظهر عليه أثر السفر
جئتكم من بلاد الزيف .. بلاد ليست ببعيدة .. هى ها هناك عند ذلك السهل .. هناك حيث يولد الرضيع .. يحمل من الكآبة ما لا يجعله يقوى حتى على الصراخ
قالوا لى عن واحة الأقلام .. قالوا أنها واحة لا يُظلم من دخلها .. ويأمن قاطنها من شر الطريق
قيل أنها صنعت أدباءاً .. ومفكرين .. وفلاسفة .. ورغم أن أحداً لم يسمع عنهم .. إلا أن أثرهم لا زال باقياً إلى أن يفنى الدهر
فقصدتها عساها تفرج همى .. وعسانى أجد بها بدلاً عما سلبته منى .. بلاد الزيف
سلبتنى روحى سلبتنى عقلى سلبتنى إرادتى سلبتنى أصدقاءاً سلبتنى محبة .. سلبتنى نفسى
فهل أجد فى واحتكم الموقرة .. ما يعيد لى كل هذا ؟ "
إبتسمت قليلاً ثم أجبته :
" سيدى الفاضل .. فى واحة الأقلام .. نحن أخوة فى الله
إجتمعنا فى الله وتوحدنا فى الله
لا يحمل أى منا إلى الآخر ضغينة
ولا ينطق أحدنا بلفظة إلا وهو لها عاقل ولأثرها واع
فى البداية كانت واحتنا قطعة من بلاد الزيف
ولكن شمساً للإسلام أشرقت
وأبت إلا أن تنأى بالأدب عن مستنقعات الوحل
فجاهدت وتابعت عملها فى إصرار وجد
حتى بلغت الواحة منها الجهد
ولكنها أبداً لم تستسلم .. حتى ظهر الرجل الميت
رجل قال عن نفسه أنه ميت
ولكن قلباً ميتاً لا يحب هذا الحب
وروحاً ميتة لا تعانق بهذا الدفء
فكذب بأفعاله أقواله
وعلم الواحة بأسرها .. أن رجلاً ميتاً
سيحمل الشعلة .. ليتقدم بها نحو الهدف .. الهدف الذى
أشرقت عليه شمس الإسلام .. ولكنها دائماً كانت تظن أنها لم تحققه بعد
حمل الميت شعلة النصر .. وخطا بها نحو المجد .. فترة قصيرة حمل فيها الراية
ولكنها .. إلى الآن باقية آثارها
خطوات من السحر الأزرق .. جلبها معه من عالم الأموات أو من أين .. لا أحد يدرى
ولا أحد يكترث كثيراً
فقط يكفى أنه فعل الكثير فى هذا الوقت القصير
حينها ظهر ثعبان كبير .. بدا من إسمه (أناكوندا) أنه مكير .. خافوا على الواحة .. ظنوه خطير
حمل الشعلة .. وسلمها الرجل الميت إليه آسفاً .. وهو يظن أيضاً أن الواحة قد آلت للإنهيار
ولكن ما أدركته الواحة فى النهاية .. هو أن ذاك الثعبان .. لم يكن إلا عاشق آخر للقلم
جاء يظن أنه قادر على حمل الشعلة .. تقدم بلا أدنى خوف .. وطلبها
ولم يطلبها غيره .. فذهبت إليه
فحاول قدر ما حاول .. أن يثبت لواحة الأقلام .. أن نظرتهم لهذا الأناكوندا فى البداية
كانت على قدر من الخطأ ليس بيسير
حاول جاهداً .. أن يعيد الأمن إلى الواحة .. وهنا إختلف المؤرخون
بعضهم قال أنه نجح فى ذلك بالفعل وحقق ما كان يصبو إليه
والبعض قال أن آخراً تسلم منه الشعلة وتابع تحقيق الحلم
الحلم الذى أشرقت عليه شمس .. وسحره رجل ميت .. وحمل لوائه الكثير من بعدهم
ولكن .. إلى الآن .. لم ينقطع وحى الواحة .. ولم تنفك ترسم مسارح الأحداث بريشة من إبداع
وتصف خلجات النفس كما لم يصفها كبار الأدباء
وتبحر فى بحور الأدب .. فى قارب صغير .. ورقة بيضاء .. وقلم"
كان هذا .. من وحى القلم
رسالة أحدث
رسالة أقدم
الصفحة الرئيسية