هل كنت تتحدث ؟ عذراً .. لا أهتم

يعتقد الكثير فى علم الفلسفة ، ينظرون إليه كأنه خلاصة ما توصل إليه العقل البشرى ، ويتناسون تماماً أن ذلك العلم إنما هو نتاج فلسفة آخرين .. فلسفة الآخرين لا تنطبق على الجميع حتماً ، بل على النقيض .. كثيراً ما تتباين فلسفة البشر من شخص إلى آخر .. حيث أن فلسفتك إنما هى نابعة من إدراكك ومعتقداتك الذاتية وقيمك العليا ..
لذلك تعودت دائماً ألا أقول (فلسفة) ولكن أقول (فى فلسفتى الخاصة) ، لإيمانى الشديد أنه ليس كل ما يتوافق مع فلسفتى يتوافق مع فلسفة الغير .. كفانى هراءاً .. لأدخل فى صلب الموضوع ..هنا سأعرض جزءاً من فلسفتى الخاصة ، التى من الممكن أن يقبلها البعض وينفيها كثيرون .. ليست مشكلة أبداً
لننظر إلى شخصين .. شخصين عاديين تماماً ، بلا أية علامات مميزة .. مجرد شخصان يتحادثان ، ستلاحظ وبسهولة أن أحدهما يتحدث كثيراً ، والآخر يستمع أغلب الوقت ، ثم ما يلبث ذلك الصامت أن يتحدث حتى يقاطعه الآخر - وأحياناً يقاطعه تأييداً لما يقول - ويكمل على كلامه فيصمت الصامت مرة أخرى ليعود المتحدث الرسمى ليبث نشرة أخبار التاسعة ..لا يفكر أحد أبداً بماذا يشعر ذلك الصامت .. عذراً سيدى فمهما كان كلامك ممتعاً .. أظن كلامى كذلك ، هذا هو أقل ما يدور فى الذهن حينها ..يعود الصامت إلى الصمت ، ويحاول من حين لآخر أن يتحدث ، فيجبره الآخر على السكوت .. والتزام مقعد الصمت خاصته .. إما بمقاطعته من حين لآخر ، أو بالسكوت التام .. يقاطعه بالسكوت ؟ أى نعم .. عندما يتحدث الصامت للمرة الأولى فإنه يجد صعوبة فى ترتيب أفكاره .. فيحتاج إلى من هو يقظ معه .. يفقد الصامت كلمة فيقولها له فيستجمع الصامت قواه ويكمل ما كان يقول .. أما إن صمت المتحدث فإن الكلمات تهرب من ذلك الصامت .. ويعود مجدداً إلى صمته ، بل إنه أحياناً ما يتوقف فى منتصف الحكاية .. ويكون واضحاً أنه لم يكمل حديثه بعد .. فما يكون من المتحدث إلا أن يتابع ما كان يقول قبل ذلك ، أو يتذكر موقفاً آخراً ، أو يعلق على موقف وليد اللحظة .. وكأن كلباً لم يكُ ينبح منذ لحظات .. فيعود الصامت إلى جعبته ، ويغلق عليه مزيداً من الأبواب
هل هذا هو حال جميع من يتحدثون ؟ لا بالطبع .. قلت فى البداية شخصين عاديين بلا أية علامات مميزة ، يتميز فى ذلك من وصلوا إلى المنتهى .. ومن وصل إليه ؟ مجرد قلة ، ولا زال غالبية البشر كذلك ..أنت يا من تقرأ .. أنظر إلى نفسك وأصدقائك .. مَن مِمَن تجالسهم وحدك أحياناً لا يعانى منك أو لا تعانى منه هذه المشكلة ؟ إن كانت الإجابة هى (لا أحد) فلسوف أكسرن القلم .. وصل القليل إلى ذلك المنتهى ، وحول ذلك المنتهى يطوف الكثيرون ..
أتعلمون إين العطب ؟ إنه فى دائرة الحديث .. دائرة الحديث للأسف الشديد لا تسع إلا متحدثاً واحداً ، لذلك هى من نصيب المتحدث الأوفر ذكاءاً والأحضر أفكاراً والأكثر لباقة بين الحاضرين .. زد العدد .. لنأخذ مجموعة من الأشخاص .. أصدقاء مثلاً .. تجد أيضاً شخصاً واحداً يحتكر الحديث .. هناك ذلك الشخص الذى يتجه إليه الجميع بأعينهم وأفئدتهم وهم يتحدثون .. هذا الشخص الذى أتجه إليه فى الحديث عندما أحب أن أحكى قصة ما على الحضور .. قطعاً سيستمع إلىّ الجميع إن أثرت إنتباه ذلك الشخص .. يقترح أحدهم فكرة .. فلا سمعه الكثير ، ويسمعه البعض .. الذين يخشون أن يخرجوا عن حلقة الضوء .. فيتركونه وما قال وراء الحائط ، ثم يعود المقترح إلى شد انتباه ذلك الشخص .. فينتبه .. فيردد المقترح فكرته .. أعجبت الشخص فرددها .. فسمعها الجميع لأول مرة ، بل ويهنئونه على تلك الفكرة الرائعة .. يا للمفاجأة .. أين كانت كل تلك التعبيرات عندما كان ذلك المقترح يتحدث ؟ هل هو داء الصمم الذى آذى البشر ؟ أم هو الخوف من الخروج عن حلقة الضوء ؟ أم هو ذكاء المتحدث الرسمى للمجموعة ؟ أم هو قلة احترافية المقترح ؟ فى فلسفتى الخاصة .. أظنها الخوف من الخروج من حلقة الضوء
يسعى الجميع دائماً إلى التواجد حيث يوجد النور .. حيث يوجد الظهور .. حيث تُسرَق الأنظار ، وتشد الإنتباهات .. هذا هو المنتهى .. حلقة النور حيث يسمعك الآخرون حين تتحدث ، حين يضحك الجميع على طرفتك الأخيرة رغم أنها ليست مضحكة للدرجة ، تلك الحلقة التى تصنع أبطالاً زائفين ، وتهدم القيم ، وتبنى الجدر ، وتزرع الخجل فى أراض خصبة ..