جلس الصبى يفرك أصابع قدميه الحافيتين بيديه المثلجتين ، قميصه المرقع وعيناه الرفيعتان والهواء القارص اتخذوا جميعاً ذات الزرقة لوناً موحداً .. أصدرت لفحة من الهواء البارد فحيحها بين أشجار الزيتون ، تلك الأشجار الدافئة التى قد صبغتها الزرقة أيضاً .. جلس الصبى مستنداً إلى تلك السيارة فى طريقه الفارغ ..ترقرقت دمعته الأولى .. تثلجت .. فتبعتها أخرى .. تثلجت قبل أن تتجاوزها .. ثم ترقرقت الثالثة فى عينيه .. إلا انها أشفقت على نفسها من البرد بالخارج .. فآثرت البقاء .. ظلت فى عينيه مترقرقة لامعة بضوء السماء الخافت ..لاح ذلك العجوز فى أفق الأمل .. طريقه الفارغ .. تقدم العجوز من الصبى متأملاً .. ترقرقت الثالثة أخيراً فهطلت على شفاه جافة متشققة و .... زرقاء ، فاعتدل الصبى أدباً ناظراً إلى العجوز .. حانياً تقدم العجوز .. وأخرج محفظة أوراقه ، قام الصبى متلمساً أجزاء السيارة إلى أن وقف .. نظر العجوز بحسرة إلى محفظته الخاوية وباعتذار إلى الصبى .. فما كان من الرابعة إلا أن ترقرقت .. ومن العجوز إلا أن تحسر ، التفت العجوز ومضى غريباً كما أتى ..لم يمضِ بعيداً .. اقترب من تلك الماكينة فى الشارع المقابل .. أخرج تلك البطاقة من جيبه ووضعها فى آلة الصرافة .. أصدرت الآلة تكتكتها التى بدت متزامنة مع صوت أسنان العجوز الباقية .. تخيل العجوز تلك الفرحة التى سيشعر بها الصبى .. ثم ابتسم ونظر إلى ذلك المطعم .. قاوم العجوز ابتسامته ونظر إلى الورقة فئة المائة جنيه فأخذها ووضعها بجيبه الخلفى ثم أمسك بطاقته واخرجها .. وضع بطاقته فى محفظته ثم ابتسم كثيراً ..نظر العجوز خلفه فوجد الصبى يهرول مبتعداً .. فاستحضر العجوز أن من هم بحسنة ولم يفعلها كتبت له حسنة .. ثم هم بالمضى ..
أما هناك على الجانب الآخر من الطريق .. وعلى مقربة من نهايته .. كان هناك ذلك الصبى .. يحمل تلك الورقة فئة المائة .. ويطير بها فرحاً ..
ثم
خانته اللفحات
و
طارت الورقة
..