ما زال هناك عابد

منذ أيام تم إطلاق سراحى ، استنشقتُ عبيراً طيباً بشرنى بحياة طيبة وعاماً جميلاً على وشك أن يبدأ .. نُزعَت عنّى الأغلال وتساقطت عن جسدى السلاسل وبدأت أنهض متأهباً للعودة إلى حياتى .. زوجتى وأولادى .. عائلتى وأصدقائى .. عملى الذى أحبه وأتقنه ، عدت منتشياً بالآمال ممتلئاً بالأفكار التى خطرت ببالى عندما كنت مقيداً كل هذه المدة .

قمت وأعددت متاعى ثم دخلت أول عمارة قابلتنى فى الطريق ، هذه العيادة الفخمة وهذه البهرجة التى تحيط بها .. البذخ يبدو على أصحاب المكان ، دخلت متلصصاً إلى أن وصلت إلى باب غرفة الطبيب واسترقت السمع :
"يا دكتور أرجوك .. ارحمنى ، انا ..."
"بتجرى على 7 عيال ومراتك عندها حالة نفسية وبتتعالج وأمك عندها الكبد الوبائى ، كل ده ميهمنيش فى حاجة ، العملية بتاعة بنتك هتتكلف 10 آلاف جنيه ، ومش هنقص جنيه واحد"
"يا دكتور .. يا دكتور .. العملية انت اللى هتعملها ، يعنى لو تحتسب الأجر عند ربنا وتخفضلى بس ألفين تلاتة .. أنا أصلاً مش عارف لو قلتلى ألف جنيه بس هجيبهم منين ، بس أهه تتدبر .. لكن 10 آلاف جنيه ! حرام عليك يا شيخ .. والله حرام"
"انت هتشتغلنى يا جدع انت ؟ ما عندك التأمين ! مش عاجبك روح استنى فى التأمين يمكن يعملوا لبنتك العملية كمان 8 ولا 9 شهور .. احتمال بنتك تعيش المدة دى ، ادعى انت بس"
"حسبى الله ونعم الوكيل .. حسبى الله ونعم الوكيل"
تحسرت الكلمات داخل فمى ، وصعقتُ مما حدث .. سمعت صوت الباب يُفتح ويخرج الشاب الذى كان يبكى منذ قليل قائلاً فى سره "الله يلعنك راجل معندكش دم .. حتة جيفة نايمة على عرش فلوس ومش مكفيها .. يدى الحلق !!"
خاب ظنى من جديد .. وشعرت بقليل من الحسرة ثم غادرت المكان مطأطئ الرأس ، نزلت الدرج أفكر .. ماذا حدث لبنى الإنسان ؟ لماذا تجردوا من مشاعر الإنسانية ؟ ...

سرت فى شوارع العاصمة مذهولاً .. هذه الفتاة كانت محجبة .. وهذه الفتاة ! ألم تكن قد قررت ألا ترتدى الجينز مرة أخرى ؟ .. هذا الشاب ! ألم يكن قد أقسم بعد وفاة حبيبته أن يغض بصره إلى أن يتوفاه ربه ؟ مال رقبته قد سُلسلت وعيناه قد صارتا عباداً لوقود النار ؟ غريب أمركم بنى البشر !

"محطة أتوبيس النقل العام" .. هذا الرجل لا زال يجلس فى نفس المقعد ؟ ماذا ! ألا تأتى حافلته أبداً ؟ لقد اشتعل رأسه شيباً .. ومن هذا الصبى ؟ ماذا يفعل ؟ يبدو كما لو كان يسرق حقيبة هذه الفتاة .. تقدمتُ فهمستُ بأذن ذلك الرجل هناك "ايه ده ايه اللى بيحصل ده" فنظر الرجل وهلة ثم ابتسم ، وعاد ببساطة ينظر إلى الشارع ، ضحكتُ ثم فعلتُ المثل مع ذلك الشاب بجوارها ، فنظر لوهلة يفكر .. ثم اندفع فى شهامة واضحة يمسك بالصبى الصغير يصرخ فيه أن ماذا تفعل أيها المتشرد .. تحركت فى مقلتى الطفل دمعة تحمل من المعانى ما تحمل ، ثم تملص منه الصبى هارباً إلى اللا مكان .. من حيثما جاء ، نظرت الفتاة بنظرة إعجاب إلى ذلك الشاب ، وتظاهر الشاب بالإنهاك والتعب وبأسفه أنه لم يلاحظ إلا متأخراً .. تابعت الموقف لمدة ربع ساعة خفيفة الظل .. انتهت بأن أخذ الشاب والفتاة أرقام محمول بعضيهما وافترقا ضاحكين متواعدين أن يتقابلا فى يوم آخر ..

ذُهلت مرة أخرى أن كيف ظننتُ ذلك الشاب شهماً ، لا مستغلاً تلك الفرصة ليصل إلى ذلك المبغى .. غريب أمركم بنى البشر

دخلتُ تلك الحافلة مبتسماً .. نظرت فإذا بذلك الرجل الفتىّ يجلس بجوار النافذة يتابع المارة .. وهذه المرأة العجوز تمر من جانبه تبحث عن مكان شاغر ، فلا تجد .. أهمس فى أذن ذلك الرجل "مش عيب يعنى تبقى انت قاعد وهى مش لاقية مكان تقعد ؟" .. لم يهتم الرجل .. بل بهدوء عاد يتابع المارة !
دخلت هذه الفتاة الجميلة الرقيقة تحمل ذلك الكشكول وقد تربعت يداها فوقه ، وقد بدا عليها أنها "شكلها كده فى ثانوى" على حد وصف الرجل الفتىّ .. قام مسرعاً ليفسح لها مكاناً ، نظرت السيدة العجوز لتجد المكان الشاغر ، فتقدمت مهرولة - على قدر سرعتها - تُزاحم الركاب حتى تصل ، لكن الرجل لمح ذلك فمنعها بذراعه الغليظ واستند به إلى الكرسى الذى يسبقه وراح يدندن كأنه لا يراها .. تقدمت الفتاة على استحياء وشكرته ثم جلست ، ابتسم الرجل فى بلاهة ووقف بجانبها .. نظرتُ إلى المرأة العجوز وإلى دمعتها التى ترقرقت ثم مسحتها بطرف ثوبها الأسود ، عادت المرأة مرة أخرى تبحث عن مقعد شاغر لها ، إلى أن يأست فجلست على أرضية الحافلة .. هذا يذهب فيضربها بقدمه عن غير قصد ، وهذا يتذمر ويسب ويلعن الجهل "أمال الكراسى عملوها ليه ؟؟ شعب جاهل وهيفضل جاهل"

غريب أمركم بنى البشر .. ألم تتركوا لى عملاً أعمله ؟

انتهى رمضان وفُك أسرى وانزاحت السلاسل ، لأعود فأجد نفسى بلا عمل ؟ ألا تحتاجوننى بعد الآن ؟

حسناً .. أظن أنه قد آن الأوان لأستريح إلى يوم التناد

قد لجمتكم بلجامى وصرتم تعرفون الطريق دون أن أقود

سمعت ذلك الصوت من بعيد ليفسد لحظات خيلائى :
"يا رب .. إنك تعلم أننى لا أرضى بما يحدث من حولى ، وقد بلغوا منى الجهد .. أنصحهم فلا ينتصحون ، أنهاهم فلا ينتهون .. يا رب العزة قد تجلى إبليس فى الأرض"

ثم تلا تلك الآيات فارتعدت أوصالى وعدت أدمع من جديد :

فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

لا زال هناك عابد .. لا زال هناك عابد

ويلك يا إبليس