تلك الغرفة بأعلى القصر

لا أزال أراكِ .. ها أنتِ هناك .. خلف تلك الستائر الحمراء .. داخل هذه الغرفة بأعلى القصر .. تلفحين وجهك الخمرى الرقيق وتخفين ملامحه بقماش الستار الأحمر .. تنظرين بلهفة إلى تلك القرية من بعيد .. وتبتسمين كالأطفال كلما مرت عصفور بجانب نافذتك .. تحاولين فتح النافذة لتلعبى معها .. لكن نافذتكِ لا تُفتح أى حبيبتى .. تنظرين وتنظر العصفور إليك قليلاً ثم تشيحين بوجهك .. تخشين أن ترهق مدامعكِ قلب العصفور الرقيقة ..

ثم تسمعينه يلفظ ناراً .. فتنظرين برعب نحو النافذة الموصدة .. احترقت العصفور .. وتناثرت دماؤها على النافذة الموصدة .. وتنتبهين فإذا بوعيك قد فقدتيه .. وإذا بوقتك قد أمسى كالسياف يذبح السعادة كل ساعة وساعة .. تحترق أعصابك كلما سمعتِ ناراً يلفظها ، وتتناثر آلامك كلما تذكرتى منظر العصفور البريئة ..
تابعتُ كل ذلك من بعيد أى حبيبتى وأنا أخطط لقتل ذلك التنين .. حتى سمعت صرختك فى تلك الليلة عندما تيقظتِ لتجدى دماء العصفور ما زالت على النافذة ، وأن ما فات لم يكن مجرد كابوس .. وأنكِ لا زلتِ حبيسة .. حينها قلتها فى قرارة نفسى : "الهجوم .. الليلة"
التنين لا ينام .. فقط ينظر يميناً ويساراً ويلفظ دخاناً من حين لآخر .. أحياناً يلفظ النيران إذا لمح أو شك أنه قد لمح شخصاً ما أو شيئاً يتحرك بالقرب من قصر الحبيبة .. استجمعت قوتى واستحضرت صورتك فى مخيلتى ثم عقدت العزم وبدأت الخطة ..
ربطتُ تلك العصا الخشبية بالحبل الذى أملك وأركزت العصا على الشجرة ثم أرخيت الحبل ومددته خلفى وانا أسير على أربعتى .. توجهتُ فى خفية إلى تلك الصخرة ها هناك .. انتظرت خلف الصخرة قليلاً ، حتى أشاح التنين بوجهه الضخم إلى الجهة الأخرى .. ثم جذبتُ الحبل الذى كان يربط العصا فوقعت مصدرة صوتاً بسيطاً ..

التفت التنين إلى العصا .. فلم يرها وسط الظلام .. فسحبتها نحوى بسرعة فظنها شخص يجرى فنفث فيها ناره فأحرقها .. ثم أطال النظر نحو العصا فوجدها لا زالت تتحرك ولكن ببطء .. فأصدر صوتاً غليظاً عالياً ثم نفث فيها ناراً أحرقتها وأحرقت ما ورائها من أشجار وكادت أن تحرقنى أنا البعيد عنها لولا أننى احتميت بتلك الصخرة ..
أنارت تلك البقعة من النيران جزءاً من الغابة وسط ذلك الظلام الموحش .. فأطال التنين النظر إليها فى ترقب .. حتى اطمئن وبدأ يشيح بوجهه عنها فإذا بحجر يتدحرج على الأرض يصدر صوتاً واضحاً وسط كل هذا الهدوء .. فيجن جنون التنين .. يهرول التنين راجاً الأرض تحت أقدامه إلى البقعة المنيرة بين الأشجار وانا أركض على بعد أمتار منه فى الظلام دائراً من حوله إلى بوابة القصر الحديدية الموصدة .. حتى أن وصلت إليها وهززت القفل فإذا به لا يُفتح ..
سمع التنين صوت القفل .. فهدأ قليلاً من صياحه وبدأ ينصت .. فسمع صوت القفل من جديد ولكن بنبرة أقل حدة .. فزأر التنين وإنطلق يهرول نحو بوابة القصر ونفث نحوها نيراناً أكثر كثافة كادت أن تحرق الحديد إن صح التعبير .. إلا أنه لم يكن هناك أحد .. تلفت التنين حوله يحاول أن يجد ذلك المتطفل الذى يظن نفسه قادراً على إنقاذ الأميرة ، إلا أن أحداً لم يكن هناك .. هدأ التنين من ثورته ثم عاد إلى مكانه بجانب البوابة وجلس يتلفت مرة أخرى يميناً ويساراً .. ولكن هذه المرة كان قد ترك وراءه متطفلاً يظن نفسه قادراً على إنقاذ حب حياته ..
أُرهِقَ التنين بعد هذه المناورة غير المعتادة لديه ، وبدأ صوت زفيره يهدأ قليلاً وبدأ يدخل مرحلة تشبه النوم ولكن وعيونه مفتوحة ناظرة إلى الطريق المؤدى إلى القصر .. انتظرت بجانب البوابة قليلاً ثم استرقت خطوات السير إلى أن وصلت ببطء نحو البوابة الحديدية التى قد تهتكت مفاصلها واحترقت نقوشها الملكية .. نظرت حولى فإذا بهذا الحجر .. أمسكته واستجمعت شجاعتى ثم قذفته فى الهواء بعيداً لعله يصل إلى الأشجار من فوق التنين الشبه نائم ..
ظننتُ أن ذلك من الممكن أن يمنحنى بعض الوقت لأحاول فتح ذلك القفل العنيد .. فإذا بالحجر يستقر داخل إحدى عينىّ التنين

يصرخ التنين فى غضب ويقوم محدثاً هرجاً ومرجاً ، ويتلفت حوله بسرعة لعله يرى من فعل هذا ، ولكنه لا يدرى أن من فعل هذا قد هرب إلى ما وراء الأشجار الكثيفة منذ زمن .. تعالت صيحات التنين ، حتى ظننت أنه سينفجر من الغضب .. توقعت أنه سيهدأ ولو بعد حين ، لكنه لم يهدأ وظل يبحث عنى بين الأشجار .. يلفظ بعض النيران فى بقعة هنا ثم مرة أخرى فى بقعة هناك .. حتى أنار الغابة من حوله بالنيران .. ضممت نفسى خلف إحدى الأشجار وأعدت تذكر صرختك .. آلامك وعذابك .. نظرة الرعب التى قد رأيتها فى عيناكِ .. ثم عقدت النية وهممت ففعلت
أخذت ذلك الفرع الجاف ووضعته داخل وشاحى الأزرق ولففته حوله ، ثم نظرت خلفى ورميته أحاول إصابة عين التنين المصابة .. رآها التنين وهى قادمة فنفث فيها من نيرانه ، لكن نيرانه لم توقفها بل جعلتها تنحرف قليلاً عن طريقها واللهب يتطاير من الوشاح المشتعل ، وارتكز الفرع داخل حلق التنين .. صاح التنين وأخذ يركض هنا وهناك .. مصدراً تلك الأصوات المخيفة التى خلعت قلبى من صدرى المرتجف .. حتى أنهكه التعب فافترش الأرض .. يحاول أن يخرج الفرع المحترق من حلقه .. فجريت من خلفه بأقصى سرعة نحو باب القصر .. نظر التنين خلفه فى غضب ونفث ناراً أقوى مما تصورت نحوى - أى نحو باب القصر - كفيلة بأن تحرق القصر نفسه لو كان التنين أقرب من ذلك إليه ..
ارتميت وراء تلك الصخرة التى اختبأت خلفها من البداية وأنا أهرب ، فلم تطل النيران سوى قدمى اليسرى وقليل مما طالته النيران من ثيابى .. زفر التنين آخر زفرة وهو ينازع الآلام .. ثم استقر فى هدوء ليترك وراءه الغابة أكثر توحشاً .. استقر بين كل هذه النيران هادءاً كليث جريح داخل بركة من الدماء .. دماؤه ودماء الفريسة ..
حاولت القيام فإذا بقدمى لا تسعفنى .. زحفتُ إلى باب القصر الحديدى الذى كان قد تحطمت واجهته من أثر اللهيب .. وزحفت بجانب الباب المُلقى ودخلت القصر أستند إلى سراج درجات السلم أحاول الصعود .. ولا أنفك أصعد حتى وصلتُ إلى باب حجرتكِ حبيبتى فوجدته موصداً .. أحضرتُ ذلك الفأس من ذلك الفارس الحديدى ها هناك ، ثم عدت أحاول المشى .. ورفعت الفأس عالياً ، وأظننى قد هويت به على قفل الغرفة .. إلا أننى لا أذكر سوى أننى شعرت بنفسى أهوى على أرض لا وجود لها ، وسمعت صوتكِ يحادثنى .. لكننى لم أفهم ما تقولين .. فتحت عينى فلم أرى سوى ضباباً يتوسطه قمر منير .. دققت النظر فإذا به وجهكِ ينظرُ إلىّ .. وشعرت بكفك الرقيق يمسح على خصلات شعرى .. ثم أفقت الآن لأجدك أمامى تسأليننى كيف أنقذتكِ .. وأجد هذه السيدة العجوز تحضر لى إناءاً من الحساء الدافئ وتقدمه لى فى حنان .. وأنظر الآن فى عينيكِ وأقول أننى أحببتكِ ، وأننى كنت أخشى أن يقتلنى التنين لا خوفاً على حياتى ، بل خوفاً على الأمل الوحيد فى نجاتك .. حبيبتى .. لا تخافى بعد الآن .. ملاكى .. قد انتهت الأخطار بقدومى