
الإجابة بالطبع لا .. ربما هذه هى الإجابة الأقرب التى توصلت إليها دون إمعان النظر فى مدى التقدم الذى وصل إليه الذكاء الإصطناعى على مستوى العالم ، وربما انطلقت تلك الإجابة منك منبثقة من جوانب شرعية أو مرجعيات فكرية ما .. حتى لو كانت لديك الجوانب الشرعية أو المرجعيات الفكرية التى تعتقد عن طريقها اعتقاداً كاملاً بأنه لن يصل الذكاء الإصطناعى إلى ذكاء الإنسان ، فأعذرنى حين أقول لك أن المرجعية الفكرية أياً كانت التى تمنعك من التفكر فى أصولها والتحقق منها كل لحظة هى فى الحقيقة "رجعية فكرية" أكثر منها مرجعية
دون الدخول فى الجانب العقائدى الذى قد يختلف من قارئ لآخر فسوف أركز فى هذا المقال على الجانب التقنى فقط قدر المستطاع .. محاولاً دمجها بالفلسفة قدر المستطاع أيضاً ، إن كنت ممن لا يحتملون الإطالة أنصحك بمغادرة المقال على الفور ، وإلا فأهلاً ومرحباً بك فى مقالى المتواضع عن سباق الذكاء الإصطناعى وذكاء الإنسان
بداية تحضرنى قصة درسناها فى المرحلة الإبتدائية عن ذلك السباق بين الأرنب والسلحفاة .. المغزى من القصة سريعاً لمن لم يتذكرها هو أن الأرنب اغتر بسرعته كثيراً فنام فى وسط الطريق واستراح بينما واصلت السلحفاة دأبها حتى وصلت إلى خط النهاية وهو نائم .. قد لا أجد الرابط المباشر بين رموز هذه القصة وأبطال قصتى الآن إلا أننى أجد قاسماً مشتركاً وحيداً سوف أكتفى بتركه للقارئ
الذكاء الإصطناعى والذكاء الحسابى هما مصطلحان فى الواقع مختلفان كثيراً ، ولكن من وجهة نظر غير متمحصة يمكننا أن نقول أنهما جانبان من العلم يهدفان إلى إعطاء الآلة قدراً من الذكاء فى التعامل مع المشاكل التى تواجهها .. كون أحد الجانبين جزءاً من الآخر أو حالة خاصة من الأخرى لهو أمر فلسفى بحت وخارج نطاق مقالى هذا .. كمثال بسيط للتوضيح يمكننا أن نتخيل أننا أدمجنا حاسباً صغيراً داخل طائرة هيليكوبتر ونريد أن نجعل هذا الحاسب يتحكم فى الطائرة الهليكوبتر ليقودها من مكان (أ) إلى مكان آخر (ب) .. للوهلة الأولى نجد أن الحل واضح للغاية وهو القيام بالعديد من الحسابات الرياضية التى تحسب كثافة الهواء وسرعة الرياح ومعدل تغيرات هذه العوامل وغيرها ووزن الطائرة و .... إلخ ، ثم إدماج هذه الحسابات بشكل ما إلى الحاسب الآلى وإدراج ما يسمى (ألجوريثم) لإستخدام هذه المعادلات فى اتخاذ القرارات المتعلقة بقيادة الطائرة لحظة تلو الأخرى
الألجوريثم ببساطة يعنى طريقة .. ومشكلة الألجوريثمات أنها دائماً طريقة واحدة للتعامل مع الموقف ، ولو حدث أن جربت الآلة هذه الطريقة فى استخدام المعادلات المدمجة فى قيادة الطائرة وثبت فشلها فمن غير الممكن أن تستفيد الآلة دون تدخل الإنسان من هذا الفشل فى تعديل الألجوريثم أو الطريقة التى علمها لها المبرمج .. وبالتالى تظل الآلة غبية وذكاؤها رهن بمدى التعقيد الذى وصل إليه الألجوريثم الذى وضعه لها المبرمج .. أى أن الآلة ظلت عبر سنين طويلة مرهونٌ ذكاؤها بذكاء مبرمجها وبالتالى ظل دائماً ذلك العائق الذى منع تلك الفكرة الفلسفية بأن تتفوق الآلة على ذكاء الإنسان من أخذ حقها فى التفكير من البشر
فى عام 1956 ظهر مصطلح الذكاء الإصطناعى على لسان العالم (جون مكارثى) والذى عرفه بأنه "علم وهندسة صناعة آلات ذكية" .. هذا المصطلح صار مصطلحاً فلسفياً فترة من الزمن لكنه ما إن وضع فى حيز التنفيذ وبدأ المبرمجون فى الإتجاه إلى هذا المنحى حتى صنع نقلة نوعية جبارة فى مجال البرمجة وذكاء الآلة .. بشكل جعل الألجوريثمات المعقدة التى تحاول تحفيظ الآلات كيف تفعل الأشياء درباً من الجهل والماضى ، فلماذا أجعل الحاسب يحفظ كيفية قيادة الهيليكوبتر بينما يمكننى فقط إعطاءه المبادئ الأساسية وتركه يجرب الطرق المختلفة للقيادة ويقيم بنفسه عن طريق ألجوريثم بسيط لتقييم كل طريقة من طرق القيادة بحيث يختار بنفسه الطريقة التى أعطته أفضل نتائج؟؟ أليس هذا أفضل بكثير؟
ما يميز الإنسان بقوة عن الآلة هو أنه يستطيع التجربة والتعلم من النتائج ، كما أنه يستطيع التأقلم مع مشاكل لم يراها من قبل ولم يتدرب عليها ومحاولة اكتشاف حلول لهذه المشاكل .. ماذا إن استطعنا محاكاة التعلم فى الإنسان وإعطاءه للآلة لتتعلم وحدها؟ ذات مرة سمعت فقرة أعجبتنى فى أحد المحاضرات على الإنترنت
"May be we don't need to figure out all these different complicated programs, may be we just need to figure out one program, something like whatever the brain is doing. That is going to make a progress much faster on perception."
المراد من هذه الفقرة هو أنه إذا أردنا أن نعلم الآلة كيف تمشى وكيف ترى وكيف تسمع وتفسر ما نقول وتفهمه وكيف تنظف البيت وكيف تطهو الطعام وكيف وكيف وكيف ... هذا من الممكن أن يستغرق سنيناً طويلة من كبار المبرمجين على مستوى العالم ليطوروا (ألجوريثمات) لجعل الآلة تستطيع فعل كل هذه الأشياء .. وحتى بعد هذه السنين الطويلة لن تحقق الآلة الآمال المرجوة منها على غرار أفلام الخيال العلمى التى تم انتاجها فى الثمانينيات ، على الجانب الآخر باستخدام سبل الذكاء الإصطناعى تستطيع فى وقت أقل بكثير تعليم الآلة كيف تتعلم ولو كان ذلك مرهقاً قليلاً ثم تأخذها معك لتدربها لمدة شهور مثلاً حتى تتقن المطلوب منها على أكمل وجه
كبرهان بسيط على ادعائى السابق فقد تمت البرهنة على أن أكثر ألجوريثمات معالجة الصور والتعرف على الأشخاص والأشياء تأتى بنتائج يتجاوز فيها الخطأ نسبة الـ 13% بينما باستخدام ما يسمى بالـ Artificial Neural Networks يستطيع ذلك الرقم أن ينخفض إلى أقل من 3% نسبة خطأ ، وهذا الأخير يعتبر من أهم ركائز الذكاء الإصطناعى بدون الخوض فى تفاصيله
فى نهاية المقال أحب أن أطرح هذا السؤال .. هل تتطور الآلة شيئاً فشيئاً بسرعة متسارعة لا نكاد نلاحقها بشكل قد يجعلها تسبق الإنسان فى يوم من الأيام؟ أم يتأخر ذكاء الإنسان شيئاً فشيئاً عن طريق اعتماده شبه الكلى على هذه الآلات المتقدمة التى تاخذ دور الإنسان البسيط فى المجتمع شيئاً فشيئا؟؟ هل يتحول العالم بالتصوير البطيء إلى تلك الصورة حيث الجميع إما أغنياء أغبياء أو فقراء لصوص والآلات هى التى تقوم بكل الأعمال التى تحتاج إلى ذكاء بينما يقوم الإنسان فقط بالضغط على الأزرار والتحدث إلى الآلات والذى قد يتحول فى المستقبل لمجرد التخاطر؟ .. هل هذه الطفرة الجبارة فى تقدم الذكاء الإصطناعى خطر على إنسانية الإنسان أم أن غباء الإنسان وكسله هما اللذان يدفعانه إلى الهاوية؟؟
فى انتظار آرائكم