"معركة اليأس"

"الخندق .. عودوا بسرعة إلى الخندق" .. جملة صاح بها القائد عدة مرات بينما كانت شمس الأصيل تمسح أفق المعركة الملطخ بالدماء ، زحفت مجموعة من الجنود إلى الخندق بسرعة محتمية بمجموعة أخرى ظلت تطلق النيران حتى اختبئت المجموعة الأولى تماماً ، ثم توقفت المجموعة الأخيرة عن إطلاق النار للحظات ، فتنبهت كتيبة من الجيش الآخر لذلك ، فألقى أحد جنودهم نظرة .. ليجد أن جندياً لم يعد بالساحة ، الجميع هربوا عبر الخنادق إلى الجانب الآخر من النهر ..

الجنود فى حالة فوضى شديدة ، هذا يبكى وذلك يضحك .. هؤلاء يصيحون وذلك الجمع يجلسون على جانبٍ صامتين .. القائد يدخل عليهم فى وقار منكسر .. فيصمت الجميع ويتحضرون لسماع خطبة من القائد ... الوضع أصعب مما توقعوا ، كل الكتائب زهقت أرواحها ، ولم تظل فى أرض المعركة سوى كتيبتهم فقط .. الجيش الآخر على أهبة الإستعداد ولا يدرون لماذا لم يهجموا على هذه الكتيبة الأخيرة حتى هذا الوقت .. إحساسهم بأن الجيش الآخر يستطيع الفتك بهم فى أى لحظة الآن يكاد أن يفتك بهم قبل أن يفعل العدو ... بصيص من الأمل قد غاب عن الأفق ... وعاصفة من سواد اليأس اقتحمت سماء آمالهم ..

على عكس ما توقعوا ، لم يتوقف القائد ليلقى لهم الخطبة ، بل توجه فى صمت إلى أحد الجنود هناك جالس وحده يبكى .. لم ينتبه الجندى لحضور القائد ، فقد ظل يبكى دون انقطاع ..

قال القائد فى نبرة تشجيعية :
- وهل يبكى الرجال ؟
التفت الجندى وتأهب للوقوف لكن القائد أشار له بالجلوس فجلس يقاوم الخجل قائلاً بنبرة منخفضة :
- يا سيدى ، قد زهقت أرواح الجميع .. وشبح الموت يبدو أنه لم يشبع بعد ، مات من هم أفضل منا بكثير ، فمن نحن حتى نصمد أمام أسلحة هؤلاء القوم الجبارة ؟
تبسم القائد ابتسامة ثقة وعزة .. ثم نظر إلى السماء وطيور الموت تحلق ذاهبة إلى جثث المعركة ... فابتلع ريقه قائلاً :
- أيها الجندى .. ألك زوجة ؟
اغرورقت عينا الجندى بالدموع قائلاً :
- نعم سيدى
تابع القائد :
- ألك أولاد ؟
فابتسم الجندى وكأنما نسى لحظياً مرارة الألم :
- زوجتى على وشك الوضع يا سيدى ، يقولون أنه ولد جميل ... تريد زوجتى أن تسميه صلاح الدين ، فهى تظن أنه سيكون صلاح الدين الثانى على الأرض ..
قاطعه القائد قائلاً :
- عظيم عظيم ... إذن أنت أبا صلاح الدين ... من الآن أنت أبا صلاح الدين .. هكذا سأناديك
تبسم الجندى ، فقد فهم ما يعنيه القائد ... لكن القائد تابع قائلاً :
- تعلم أيها الجندى .. لى أيضاً زوجة ، ولى ثلاثة أولاد .. وسوف أعود إليهم ، وأعرفهم على أبا صلاح الدين .. الذى كان بطل المعركة الأول ، وحول موقفنا من الهزيمة إلى النصر .. ألن تأتى معى ؟
ضحك الجندى واهتز جسده من الضحك حتى سقطت دمعة كادت أن تجف على ذقنه. قام القائد وربت على كتفه قائلاً :
- هيا أبا صلاح الدين ... فأمامنا عمل كثير ، قم فاغسل وجهك ، وتفقد سلاحك وذخيرتك ، ثم عد إلينا عند النار
فضحك الجندى واعداً قائده بأن يفعل ، ثم أدى تحية الجيش واختفى بين ظلال الظلام ..

سمع القائد صياح أحدهم هناك .. يقول فى صوت يشبه النحيب :
- لا فائدة .. الموت يقترب أيها الرجال ، لو فكر العدو فى اقتحامنا الآن لانتهينا ... لقد انتهينا بالفعل .. فقدنا الإتصال بالقاعدة ، وأهلنا هناك لا يعلمون عنا شيئاً ولن يعلموا ... لقد انقطعنا عن العالم .. وأحاطت بنا الجثث .. لا فائدة .. لا عودة ...
سكت قليلاً فوجد الجميع ينظر إليه فى هلع ... فصارت عينه تنتقل بين هذا وذاك ثم قال فى حسرة :
- ها قد أقبل الموت ... أنا أسمع صوته ..
قاطعه القائد بصوت حاد النبرة قوى اللهجة :
- وهل سألت الموت لماذا أتى قبل أن تطلق تخاريفك تلك أيها الجندى ؟ أليس من الممكن أنه قد جاء ليحصد أرواح الأعداء ؟؟
فحاول أحد الجنود أن يقاطعه :
- ولكن يا سيدى ..
ولكن القائد أكمل فى إصرار :
- أعلم بأن الوضع ليس الأفضل على الإطلاق .. وأعلم أن موقف العدو أفضل من موقفنا بكثير ، ولكن .. ألم تسألوا أنفسكم لماذا لم يهجم العدو إلى الآن ؟
تجهم الجميع بالصمت .. لمح القائد طائراً يحلق فى الجو .. يحمل ما يحمل من المعركة .. تحجرت نبضات قلب القائد للحظة لما رأى ما رأى .. لكنه سرعان ما عاد يكمل فى ذات النبرة وذات اللهجة :
- العدو يعلم شأنكم .. واسبتسالكم فى الحروب .. يعلم قوة شعبكم وضراوة سلالتكم .. وأنتم لا تعلمون ؟ العدو يفكر ألف مرة قبل أن يخاطر فى حربه معكم .. وأنتم ها هنا تصرخون ؟؟ بأى عقل تفكرون !
هنا تشجع أحدهم قائلاً :
- سيدى .. لا قبل لنا بهم ، هم أقوى مننا بكثير ، وأسلحتهم أكثر تطوراً من أسلحتنا .. وعددهم يفوق أضعاف أضعاف عددنا .. نحن كتيبة واحدة وقد مات منا الكثير ، وهم على أقل تقدير أحد عشر ضعفاً من ذلك العدد .. غير أنهم متصلون بقاعدتهم وهم على الأرجح يمدونهم بالإمدادات الآن ... أما نحن ففقدنا الإتصال
تلعثم فم القائد حينما حاول الرد ، لكنه تظاهر بالسعال .. اعتدل القائد وتأهب لينطق ، ولكن الزمن توقف به للحظات !
الجندى على حق .. فى كل كلمة قالها على حق .. موقفهم أضعف من أن ينجحوا .. لا سبيل لهم فى أن يهزموا هؤلاء القوم .. لمعت عين القائد أمام النار .. دمعة خائنة كادت أن تفقده صورة الثقة التى تعب فى رسمها ، والتى بدونها ستنهار الكتيبة لا جدال ..
قطع ذلك الصمت أحد الجنود قائلاً :
- لا يا سيدى .. لم نفقد الإتصال بالقاعدة ، جهاز اللاسلكى خاصتى استقبل رسالة مشفرة الآن ..
ثم استأذن الجندى فأذن له القائد .. تقدم الجندى ووضع ورقة فى يد القائد ثم أدى تحية الجيش وابتعد

قشعريرة خفيفة أفلتت من أعصاب القائد وتحررت إلى الورقة فاهتزت فى يده ، لكنه تمالك نفسه مسرعاً وفتح الورقة وبدأ يقرأ الشفرة دون أن يحرك شفتيه

"إلى جميع كتائب مجموعة الفهد ..."

فقط .. هكذا كانت الرسالة المشوهة التى التقطها لاسلكى هذا الجندى ... فكر القائد كثيراً ثم تبسم قائلاً :
- أيها الجنود .. قد جائنا الخلاص ..
انتبه الجميع .. وتوقف عن البكاء من كان يبكى ، وعاد إلى النار هرولة من كان قد انزوى بنفسه .. حتى عاود القائد الإبتسام قائلاً :
- القاعدة تقول أن كتائب مجموعة الليث قادمة إلينا ، ومعها الزاد والذخيرة .. وأنهم سيصلون عند منتصف النهار
فرح الجنود كثيراً ، وضحك من ضحك .. وعاد الأمل الكاذب يلوح لهم عند الأفق المخضب بحمرة الدماء ..

ولكن أحدهم ظل جالساً وحده .. صامتاً ... لم يتكلم منذ أن عادوا من المعركة ، ذهب القائد إليه ببطء يسأل نفسه .. بأى شيء كان يفكر عندما كذب عليهم هذه الكذبة؟

اقترب القائد منه وجلس بجانبه .. تحضر القائد للحديث فقاطعه الجندى قبل أن يبدأ :
- ومن قال أننا سنصمد حتى منتصف النهار ؟ ... من قال أصلاً أنهم لن يهجموا علينا الآن ؟
شعر القائد شعور الحاوى الذى قد نفذت حيله .. فقال فى صرامة :
- نحن لسنا من نصنع القرار ، القاعدة تدير حرباً كبيرة .. نحن مجرد تروس فى ماكينة حرب عملاقة ، دربنا خصيصاً من أجل أن ندافع عن وطننا
ولكن الجندى تابع بنفس نبرة اليأس :
- ولكن يا سيدى المنطق يقول أنه ...
قاطعه القائد بغلظة واضحة :
- أيها الجندى .. إذهب وسلم نفسك للعدو إذا أردت ، إن لمحك أحد قناصيهم سوف يقتلك فور أن تعبر الخندق .. لا خيار لك الآن إلا أن تخضع لأمر القيادة
سكت الجندى فى ألم .. وكاد أن يبكى ... لكن القائد عاد يتحدث فى نبرة يملؤها الحماسة :
- أيها الجندى ، يجب أن تثق أكثر من ذلك فى قيادتك ... فهم يكترثون لحياتك أكثر مما تظن
قاطعه الجندى :
- ولكن يا سيدى القيادة تهمها الحرب أكثر مما يهمها الفرد
أسرع القائد وكأنما وجد أخيراً الخيط :
- وهل يأتى بالنصر غير مجموعة من الأفراد أيها الجندى الشجاع ؟
فهم الجندى ما عناه القائد ... وشعر بالخجل من الطريقة التى كان يفكر بها .. وصار ذلك واضحاً جلياً على ملامحه .. قام الجندى معتذراً لقائده واستأذن بالإنصراف
أذن القائد له فذهب الجندى وتوارى بين الظلال ..

قام القائد فصاح بالجميع :
- غداً لدينا ملحمة كبيرة ، وفروا جهدكم لها ...
فصاح الجنود صيحة نصر ، ثم عاد كل إلى أشيائه

تركهم القائد وذهب .. ذهب ليجلس وحده فى ضوء القمر .. لا يدرى ما إذا كان مخطئاً أم لا .. لقد حقنهم بالوهم .. ماذا إن لم يأتهم مدد ؟ ماذا إن كانت تلك الرسالة أمر بالإنسحاب ؟ ... غالب القائد النعاس ، لكن النعاس غلبه فنام .. وزارت أحلامه تلك الزوجة الحنون ، تحمل طفله الرضيع ، وولديه الصغيرين يقبلان عليه ويحتضنانه وهو فى لباس المعركة .. احتضن القائد ولديه ، وجسده ينتفض من البكاء ... ولكن زوجته راحت تربت على رأسه كالطفل .. وتقول له :
- لا تيأس حبيبى ... فهم ينتظرون ، حياتهم معلقة برقبتك ، فلا تخذلهم ..
نظر القائد خلفه فوجد جنوده ، وكلٌ قد جهز سلاحه واستعد للمعركة الأخيرة ...
ثم سمع صوتاً مدوياً كأنه انفجار .. فقام مفزوعاً ... ليسمع الإنفجار الثانى

الجنود يهرولون هنا وهناك فى ذعر ، فصاح القائد بهم أن اجتمعوا فى المخبأ ..

اجتمع الجنود فى المخبأ والتفوا حول طاولة وُضعت عليها خريطة المكان .. وفور أن بدأ القائد بالحديث صمت الجميع ، ولم يعد يُسمع سوى صوت القائد وبعض الإنفجارات ..
بدأ القائد يشرح خطة الخروج من المخبأ .. ثم الالتفاف من حول العدو إلى ساحة المعركة ..
كان القائد يشرح والجميع يستمع فى صمت .. بين خوف هذا ويأس ذاك .. واطمئنان هذا وأمل ذاك
كان القائد يخفى ما يعتريه من خوف ويرسم على ملامحه شيء من الثقة بالنصر .. تمثيله كان يتسرب شيئاً فشيئاً إليه .. فيشعر شيئاً فشيئاً بالثقة
ثقة اكتسبها من الفراغ .. ثقة حولت مسار المعركة ، ثقة انتشرت عبر جنود الكتيبة ... وأفزعت العدو ..
وها قد انتصف النهار .. والكتيبة تنزف أرواحاً .. ولا مدد يأتى إليهم
شبح اليأس يعود إلى الجنود ... والعدو يزداد ضراوة كلما لمح تقهقراً لهم ..
علم القائد أنها النهاية ، وبدأ يلوم نفسه على ما فعل بالجنود .. كان يمكنهم أن يسلموا أنفسهم بدلاً من أن يموتوا هكذا ..
جراح القائد قد وصلت بعقله إلى الهذيان .. ولكن "أبا صلاح الدين" صاح بالقائد فأفاق من شروده :
- سيدى القائد ... لقد شارف النصر على الشروق ... خطتك سيدى نجحت بقوة ، واستطعنا أن نفتك بحوالى نصف جيش العدو
ابتسم القائد بشفتيه المنهكتين .. ونظر إليه بعينيه الخائرتين قائلاً :
- إذن لم تحتاجوا كتيبة الليث ..
- سيدى القائد ... لقد كانت خطتك كفيلة بالنصر ، كما أن منتصف النهار قد اقترب .. وكتيبة الليث قد شارفت على الوصول
سعل القائد وخرجت مع سعلته قطرات من الدماء ... ثم تمالك نفسه وقال :
- لا يوجد مدد ... لا وجود لكتيبة الليث .. أبا صلاح الدين .. أنتم لا تحتاجون إلى مدد ... كل ما تحتاجون إليه هو كائن فى قلوبكم
شهق القائد شهقة أخيرة ثم قال :
- أبا صلاح الدين ...
ولكن جندياً قاطعهم وأتى من الخلف يحمل البشارة :
- لقد وصل المدد سيدى القائد .. لقد وصلت كتيبة الليث
نظر إليه أبا صلاح الدين فرحاً ثم التفت إلى القائد .. ليجده قد مات ..