قانون التوازن

خلق الله الشمس والقمر والأرض وما عليها من الجبال والأنهار والبحار وتغريد الطيور وألوان الزهور وروائح العطور وأطوار البدور .. من أجل أن يتزن الكون .. ألا تتأمل الشمس حين تشرق كل صباح ؟ ألا تتأمل شعاعها الفضى وهو يغزو فى هدوء عالم من الظلام الكاحل .. فيحيله ألوان البهجة من بعد سواد قاتم ؟ .. تأمل هذا الطفل الرضيع الذى ينفطر من البكاء ، وتأمل أمه وهى ناظرة إليه .. تأمل لترى حب العالم كله يتكثف بين قطرة دمع تهبط فتكسر قيود التحمل وتشهر فى وجه الهدوء سيف من الخطر .. وبين نظرة خائفة خلفتها تلك القطرة .. تأمل إتزان الكون من حولك ، وسبح من كان من أسماءه الحسنى "البديع".

أعطاكِ الله هاتين العينين لا لتبكِ .. فقط لتنظرى إلى الحياة بعينيك الواسعتين تلك النظرة التى تنظرين بها دائماً إلى الأشياء وأنتِ سعيدة .. نظرة طفل أغمض عينيه وفتحهما ليجد نفسه داخل مدينة الملاهى .. هاتان العينان هما أحد أسرار اتزان هذا الكون ، فهما سر اتزان عقول البشر .. إن نظرة طاهرة من عينيكِ المقدستين كفيلة بأن تمحو الخطيئة من قلوب البشر ، ونظرة أخرى قد تودى بعقول الآلاف إلى عالم الهذيان .. عيناك الواسعتان فيهما سحر غريب ، سحر يشعر أحدهم بقوة العالم بين يديه للحظات ، ثم يسلبه إياها تماماً فى لحظة مباغتة ويتركه خالى الوفاض .. يشعر بالبرد فى حر الظهيرة ، وبأنه لا أحد فى هذا العالم سواكما .. وفى اللحظة التى يقرر فيها جسده التراخى ليهبط مغشياً عليه ، تغشى خديكِ حمرة من الخجل وتنكسر عيناك ناظرة إلى أى شيء آخر .. فتثبت عيناه للحظات .. وكأن الزمن قد توقف للحظات يلاحق أنفاسه .. ثم يدرك أنه لتوه قد أفاق من أجمل حلم قد يراه ابن آدم ما حيا .. يتنبه .... فإذا بكِ تنظرين إليه من جديد ، فلا يشعر بأطرافه إلا وقد تجمدت مرة أخرى من هول الموقف .. فترين الدماء قد تجمدت فى عروقه لا حول لها ولا قوة .. وعيناه وا أسفاه قد صارتا عبادتى الشمس .. وأى شمس هذه التى تطل من عينيكِ فتشرق فى قلوب الحيارى .. تشرق فى قلوبهم فتذهب بعذابهم بعيداً ، تشرق فى أرواحهم فتطهرهم وتزكيهم ، ثم تشرق أخيراً فى أعينهم فينطبع النور بصمة فى أبصارهم .. فإذا بهم يزدادوا بها جمالاً وسحراً .. ثم لا يلبثوا إلا أن يدركوا أنهم قد أدمنوا من عينيكِ سحراً .. فيا ساحرة هذا الكون رأفة بحال راهب فى حبك .. هائم بين همساتك .. عائم بين قطرات دمعك .. كفى عن البكاء لعلى والنجاة ألتقى !

وهب الله هذا الكون بضعة بلورات من المثالية من أجل أن يعتبر بها الإنسان ويتفكر فى خلق ربه ويتأمل روعة الخلق .. فيرى من خلاله عظمة الخالق .. ولكون هذه البلورات غاية فى الأهمية من أجل اتزان الكون، أحاطها الله بحراس .. لا هم لهم إلا أن يحرسوا هذه البلورات .. أراد الله أن تكون عينيك إحدى هذه البلورات .. ولحمايتهما من الدمع جندنى ربى حارساً لهما ، فلا مجدداً تدمعين ، ولا أبداً عن الابتسام تتوقفين .. عذراً أميرتى ، قد خاب قلمى فلم يصف من جمال عينيك مقدار شربة ماء من نهر الفرات .