فى رثاء الخير

"أيوة أول مكرم يا أسطى" قلتها للسائق وأنا أتأهب للنزول من الحافلة .. أحمل الهاتف المحمول فى يدى وأقول "أيوة يا أمى أنا خلاص فى أول مكرم أهه" .. "أيوة إستنينى أنا جاى" .. "طيب خلاص سلام" .. ثم توقفت الحافلة الخضراء وترجلت عنها واضعاً الهاتف فى جيبى ومعه يدى اليمنى ، ثم أضع اليسرى فى الجيب الآخر .. أمشى مبتسماً ومالى لا أبتسم ..

منذ أسابيع ثلاثة نُقل أبى إلى العناية المركزة فى عربة الإسعاف من التأمين الصحى إلى مستشفى تابع لعمله فى المعادى، حيث توجد عناية أفضل من طاقم الأطباء والتمريض .. كنت أعلم أنها بداية النهاية بالنسبة لصراع دام سبعة سنوات بين أبى المحب للحياة والمقبل عليها .. وبين ذلك المرض الذى تقشعر الأبدان من إسمه .. فما بالك إذن بملاقاته وجهاً لوجه فى فراش المرض ؟ كان أبى دائماً ذلك الرجل الوقور المحبوب .. قريب منك دون أن تشعر بتدخله فى تفاصيل حياتك .. قليل الكلام ولكنه إن تكلم أصاب .. شديد الإنصات .. يعشق العزلة فى الأحزان والترابط فى الأفراح .. كان أبى هذا الرجل الذى لا يشتكى أبداً .. ذلك الرجل الذى يحب التضحية من أجل التضحية لا من أجل المقابل .. كان ذلك الرجل الذى يهتم بالجودة فى كل شيء .. إبتداءاً بمظهره الوقور وابتسامته الكلاسيكية وحذائه اللامع دائماً ، ثم مروراً بعمله المتقن وحياته المهنية التى تكاد تخلو من الهفوات .. دون أن تنتهى عند دوره كأب لولد صغير وفتاة تكبره بستة أعوام ولا عند دوره كزوج صالح محب متقرب إلى الله

منذ أن بدأ فى الصراع مع هذا المرض ، والألم يتسلل إليه شيئاً فشيئاً .. كنت أعلم أنه عندما يتأوه هذا الرجل .. فإن احتقان الألم بداخله قد أجبره بالتأكيد أن يتأوه رغماً عن إرادته ، فلقد كان دائماً يقول عندما يُسأل عن صمته : "وهو الناس ذنبها إيه انى تعبان ؟" .. وهذا ما جعل تأوهه أكثر إيلاماً بداخلى مما كنت أظن ، إذ أننى كنت أعلم أنه بالتأكيد يتعذب لا يتألم حتى عجز عن كتمان تأوهاته .. العذاب كل العذاب كان عندما رقد على الفراش .. ولازمه بلا حراك .. حينها انطفأت أنوار آل المنزل .. واصطفت الآمال تغادر المنزل فى نظام .. وانتشرت الكوابيس والشياطين بين أحلامنا ويقظتنا ، تقتل ما قد بقى فينا من حب أو روح أو إقبال على الحياة

ذات يوم من هذه الأيام نادى علىّ أبى وطلب منى طلباً غريباً .. طلب منى أن أساعده ليغير مكانه على فراشه فيضع رأسه مكان قدميه وقدميه مكان رأسه .. قلت له أن يا أبى هذا مجهد عليك هذه الأيام .. ثم لماذا أصلاً ؟ ولكنه أصر دون إبداء أسباب ، ففعلت له ما أراد بعد تأوهات مريرة وصرخات مكتومة .. منذ أيام علمت أنه قد حكى لعمتى أنه رأى فى المنام شخصاً يلبس ثياباً خضراً حسن الوجه أبيض البشرة يكلمه فى هدوء وينصحه بأن يستقبل القبلة ويختار الإختيار الصحيح .. فنظر أبى فوجد أن ناحية القبلة نور عظيم وحدائق خضراء .. أو هكذا وصلت لى الحكاية .. وقيل لى أنه كان نفس اليوم الذى طلب منى أبى فيه - دون إبداء أسباب - أن أديره الناحية الأخرى دون أن أنتبه أنه هكذا قد استقبل القبلة

نُقل أبى إلى العناية المركزة وقد ساءت حالته كثيراً .. قال الأطباء أن الأمر بين شهر وثلاثة شهور على الأكثر .. فى الواقع كلامهم الذى بدا متشاءماً أكثر من اللازم .. اتضح أنه كان متفائلاً أكثر من اللازم ، فلم يتعد الأمر ثلاثة أسابيع حتى استرد صاحب الوديعة وديعته

نزلت من الحافلة مبتسماً .. ومالى لا أبتسم ؟ اليوم أزور أبى الذى رأيته للمرة الأخيرة قبل البارحة وكان حينها عن جد مريض .. حينها كان ذلك الخرطوم متدلياً من أنفه وهذه الأجهزة معلقة .. هذه الأصوات المرعبة والتأوهات التى ذبحها الألم ... وأبى النائم الذى يصحو بين حين وحين فيصرخ من الآلام قليلاً فيقطع قلوبنا .. ثم يغفو فى لحظات وكأنه لم يكن يصرخ منذ قليل .. نزلت من الحافلة مبتسماً ومتوجهاً إلى منزلى الذى يبعد عن أول الشارع بضعة مبانى سكنية .. ضربت الجرس ففتحت لى أمى تصرخ ... " أبوك ماااااات يا حازم ... أبوك مااات"

كل شيء حدث فى لمح البصر .. فى أربع ساعات تم استخراج تصريح الدفن وشهادة الوفاة وتغسيل أبى ونقله إلى المسجد وصلاة الجنازة والدفن ... لم أجد حتى الفرصة لأتسائل ... ماذا يحدث ؟ شعرت فى ذلك اليوم شعور الضأن بسخونة دماءه على فروته قبل أن تمس السكين رقبته أو تكاد .. فُتِحَت المغسلة قبل أن يغطوا الرأس بناء على طلبنا لنلقى عليه نظرة أخيرة لعلها تكون السلوى بعد الفراق .. دخلتُ مع أمى وأختى وزوجها ووالده وعمتى ... نقدم خطوة ونؤخر ثلاث .. عندما دخلنا المغسلة كانت الجدران والأرضية عبارة عن ذلك البلاط الأبيض القديم الذى يشيع الوحشة فى النفس .. وعلى يميننا يوجد حائط ارتفاعه متر أو متر ونصف لا أذكر تحديداً .. حائط صغير يفصل بيننا وبين منضدة التغسيل .. تقدمنا المزيد من الخطوات الوجلة القلقة نحاول أن نبقى على أنفاسنا نخاف أن ننساها فنتوقف عن التنفس .. حتى رأيناه .. وليتنا ما أصررنا

خرجت أمى من المغسلة تحاول ألا تفقد إدراكها بالعالم من حولها .. ولم ألتفت ما حال عمتى أو أختى وزوجها .. كل ما دار بفكرى أن تجلس أمى على الفور وأن نخرج جميعاً من هذا المكان .. ما هى إلا لحظات وكانوا قد وضعوه فى نعشه الخشبى وغطوه بهذه القماشة الخضراء التى تشبه قماشة سجادة الصلاة وقد كتب عليها "لا اله الا الله محمد رسول الله" .. ثم رفعوا النعش إلى سيارة تكريم الإنسان وركبت معه وعمتى وأحد أعز أصدقاءه ... لا أدرى لماذا ارتعدت عندما ارتجت السيارة عند أحد المطبات وكدت أن أطلب من السائق أن يهدئ السرعة .. شعرت للحظات كأن أبى نائم وأن ما يفعله السائق يقلق راحته .. كان أبى يربت على ظهرى تلك التربيتة المميزة التى لا يربتها أحد سواه .. كان يربت قليلاً ثم يمسح بيده للحظات فى حركة دائرية ، ثم يعاود الكرة ... لم أتمالك نفسى وأنا أربت على غطاء النعش بتلك الطريقة فانهرت للمرة الأولى

مررنا بمسجد وصلينا المغرب ثم وضعنا النعش أمامنا وصلينا صلاة الجنازة ثم بعد ذلك توجهنا مباشرة إلى مدافن آل الرافعى .. رُفع الغطاء الخشبى عن النعش ثم أنزلوه من السيارة .. ثم رفعوا الغطاء الأخضر القيم الذى يشبه سجادة الصلاة وحملوه ونزلوا به إلى القبر ... لم تكن فقط هى المرة الأولى التى أرى فيها قبراً مفتوحاً ، ولكنها أيضاً كانت المرة الأولى التى أحضر فيها مراسم الدفن وصلاة الجنازة وما إلى ذلك .. ولا أعلم لماذا جريت وراءهم ودفعت الجموع وهرولت حافياً منحنياً على درجات سلم القبر ، وجدت المدفن عبارة عن فتحة مستطيلة طولها متر ونصف وعرضها حوالى متر .. إلى غرفة ممتدة من اليمين ومن اليسار وأرضيتها فى مستوى أرضية الفتحة .. تقدمنى إبن عمى والمدفّن يحملان أبى وكنت ورائهما أحاول النظر من خلف المدفّن أسترق بصيص نظرات على أبى قبل الوداع الأخير .. لم أكن أدرى لماذا كنت أفعل ذلك ، ولا كيف كنت سأشعر إن رأيته هو لا كفنه .. ولكننى لم أتمالك إلا أن دفعتهم ونزلت درجات السلم خلفهما وأخذت أحاول الرؤية ، وقلبى وأنفاسى يتسابقان .. حتى فكوا عن رأسه وقدميه العقد فرأيته .. قيل لى أنه كان مبتسماً حينها .. رأيت وجهه متجهاً ناحية اليمين وكأنه ينظر عن جد ، وملامحه تبدوا أكثر ارتياحاً عما رأيت فى المغسلة منذ ساعة .. لا أذكر بعد ذلك إلا وانا أخرج من القبر وأصعد درجات السلم منحنياً دافعاً الجموع كغريق يدفع الماء بيديه لعله يجد الهواء

قال لى صديقه الذى ركب معنا سيارة التكريم أنه قد زاره اليوم الذى يسبقه على ما أذكر .. وحاول كثيراً أن يعرفه بنفسه أو أن يلفت انتباهه أصلاً فلم يستطع .. فقال صديقه "لا حول ولا قوة إلا بالله" ألف مرة بصوت مسموع .. فنظر أبى إليه مبتسماً مشيراً إليه وقال له "إنت .. حبيبى" .. ثم غاب عن الوعى .. كان صديق أبى متقرب إلى الله طائع شاكر .. كثيف اللحية منير المحيى .. وقد كان أكثر أصدقاء أبى قرباً منه وحباً فيه .. فقال "لا حول ولا قوة إلا بالله" ألف مرة أخرى .. فنظر إليه أبى .. فقال له صديقه "قل لا إله الا الله" .. فقال "لا اله الا الله" فقال له "وأشهد أن محمداً رسول الله" فرد أبى على الفور "وأشهد أن محمداً رسول الله" .. ثم غاب أبى مجدداً عن الوعى

لم يكن أبى ذلك النوع من الآباء الذى يتفقد كل كبيرة وصغيرة خلف أبناءه ليعلمهم الصواب من الخطأ .. وفى ذات الوقت لم يكن من النوع الذى يترك الحبال ويدعوا الله أن يقيهم أصدقاء السوء .. كان أبى من طراز مختلف .. ينظر إليك فيقرأك .. ربما يتكلم معك عن العراق وأزمتها وانت تعلم بداخلك أنه يعنفك عما فعلته فى كذا وكذا .. كان يحاول دائماً ألا يشعرك بوجوده داخل تفاصيل حياتك وألا يتدخل فى اتخاذ قراراتك ، ولكنه أبداً لم يكن يحرمك من نصيحة قد تفيدك

كان نعم الأب ونعم الزوج ونعم العبد الصالح .. رجل إدارة ناجح لبيت مستقر مطمئن .. موظف كادح ترقى فى المناصب بعرق جبينه .. واصل رحم رقيق الكلمة .. حاكم عادل لأمور الأسرة .. مفكر عاقل تتشوق للكلام معه فى أى شيء .. ومحلل سياسى محنك يتابع الأخبار من أكثر من مصدر باحثاً عن الحقيقة .. كان عبد الله الصالح فى الدنيا .. ثم صار - أحسبه عند الله كذلك - أحد سكان الفردوس الأعلى .. ألحقنى الله وأهلى به فى الجنة على خير إن شاء الله