الحب .. اللغز الذى حير الفلاسفة

لماذا يستهلك كثير من الفلاسفة معظم أوقاتهم محاولين تفسير المشاعر الإنسانية؟ .. لماذا يحتل الحب دائماً المركز الأول بين المشاعر الإنسانية الأكثر غموضاً ؟؟ ما الغامض جداً بشأن الحب؟؟ الحب هو أحد المشاعر الإنسانية الراقية التى يحتاج كل منا لأن يشعر به بشكل منتظم .. ليس أكثر أو أقل .. المهم ليس هو ماهية الحب .. المهم هو كيف تريد أنت أن يكون حبك

البعض يريد أن يكون حبه صمت وقور .. وآخرون يريدون أن يكون حبهم حقاً غيور .. كثير من الناس يحتاج أن يكون حبهم عطاء دون مقابل .. وكثير يحتاجون أن يكون حبهم للتحقيق قابل. إختلاف رؤية كل منا للحب لهو شيء جميل أنعم الله به علينا .. فلولا ذلك لصار هناك من هم بارعون فى الحب وآخرون ليس لهم منه بدينار. أما هكذا فكل منا بارع فى حبه كما يجول بين أرجاء قلبه

كل منا يستطيع أن يحب .. بل كل منا بارع فى الحب .. المشكلة تكمن فى أن الحب وحده لا يكفى!!

منذ متى كان الحب يكفى؟؟ هل أنقذ الحب روميو وجولييت من غباء القرار؟؟ كم من قصص الحب نسمع باستمرار .. من أصدقائنا وأقربائنا .. وكم منهم يتوج بالزواج .. وكم ممن يتوج بالزواج يكلل باستمرار الحب بعد الزواج؟؟ لا والله .. ليس الحب وحده سلاحاً أمام براثن الدنيا

مثل الحب فى القصص الرومانسية الواقعية أو الخيالية كمثل حماس المحارب قبل المعركة .. كم من المحاربين يصعقون من هول المعركة ويموتون خوفاً قبل قتل العدو لهم؟؟ كثير .. وأى معركة كمعركة أنا الإنسان العليا مع نفسه الدنيا .. أى معركة كهذه المعركة الشرسة؟؟ الحب وحده كمحرك لأى علاقة بين أى طرفين مثله كمثل شخص اشترى سيارة باهظة الثمن وينتظر منها أن تتحرك دون أن يملأها كل فترة بالوقود .. تخيلوا منظر شخص أبله يصيح بسيارته أن تتحرك دون وقود .. هذا هو منظر كل من يعتقد أن الحب وحده يكفى ..... إذن ماذا يحتاج الحب لكى يستمر؟؟

الحب مثله كمثل أى نبات .. يحتاج لأن تهيأ له الظروف المناسبة لكى يستمر وينمو باستمرار .. أى تقصير أو عدم اهتمام بهذا النبات ولو لفترة قصيرة قد تتسبب فى قتله بمنتهى السهولة .. وكلما تقدم العمر بهذا النبات زادت قوة تحمله للإهمال وعدم الإهتمام .. ولكنه يبقى نباتاً طبيعياً يحتاج من آن لآخر لإهتمام بسيط يحافظ على نموه باستمرار .. فالحب كمثل أى كائن حى .. ينمو أو يموت

امتلأت كتب ومراجع بالظروف المناسبة التى يجب تهيئتها لأى نبات كى ينمو سريعاً وبصحة جيدة .. أما عن الحب، فلا توجد حتى هذه اللحظة معايير واضحة يستطيع أى منا تحقيقها بسهولة دون تفكير.. وهنا يكمن الجزء الصعب .. اللمسة البشرية

ولكنه ليس منطقياً أن تكون الإجابة فقط هكذا .. مثل أحد الشخصيات الكارتونية فى أحد أفلام الأطفال حين قال "الخلطة السرية هى ... أنه لا توجد خلطة سرية" حتى يستوعب الطفل بسهولة أنه لا يحتاج إلى وصفة سحرية لكى يكون قوياً ويحارب الوحش .. ويكفيه أن يقتنع بأنه شخص قوى حتى يحارب الوحش وينتصر عليه .. صحيح أنه مبدأ جميل لكنه ليس الوضع هنا على أية حال حمداً لله

"أنا لا أعلم الطريق إلى مبتغاك .. ولكنى أعلم كيف تصل إليه"

الحب أحد المشاعر الإنسانية الأكثر خطورة .. إن لم يكن الأخطر على الإطلاق، فهو يمس أحد أقرب المناطق إلى الوعى الإنسانى الذى يربطه بالواقع الذى يعيش .. بمعنى أكثر بساطة .. الحب قادر على أن يغير بتفكيرنا وبكياننا أشياءاً لا نجرؤ أن نفكر فى إمكانية تغييرها، لذلك يجب أن يكون كل منا أكثر حرصاً فيما يتعلق بإختيار الشريك المناسب لمبادلته مشاعر الحب .. نعم الحب قابل للإختيار والتفكير والتدقيق .. الحب ليس كما يظهر لنا فى الإفلام الرومانسية على أنه هذا السهم الذى يأتى من قوس "كيوبيد" والذى لا دخل لأحد فيه .. هذا الرجل ليس له ذنب أنه أحب هذه الراقصة .. هذه الفتاة ذات حظ عسر .. لقد أحبت ذلك الفتى رغم أنها كانت تعلم أنه يتلاعب بها .. إلا أنها لم تستطع مواجهة شغفها به .. هراء شنيع

الحب رغبة ملحة داخل كل أنسان تحتاج للإشباع بشكل أو بآخر .. كون أن هذا الرجل سمح لنفسه أن تحظى هذه الراقصة بمكانة الحبيبة لديه، هذا لا يجعله بريئاً وإن أراد أن يظن بنفسه ذلك حتى يتخلص من عذاب الضمير .. هذه الفتاة اختارت بمحض إرادتها أن تسمح لهذا الشاب أن يحظى لديها بمكانة الحبيب وهذا لا يبرئها على الإطلاق حتى إن أرادت أن تظن نفسها بريئة حتى تتخلص من نظراتها لنفسها فى المرآة .. الحب عرض يعرضه القلب على العقل كل دقيقة حتى يستمتع القلب بهذه المشاعر الجميلة التى خلق الله فيه رغبته لها .. ولكن العقل هو الذى يختار بمحض إرادته أن يوافق أو يرفض .. الحقيقى أنه بعد فترة من موافقة العقل يصير صعباً جداً عليه أن يعيد زمام الأمور إليه مرة أخرى بعد أن صار القلب يخترق كل ما يمكن أن يخترق من حدود الأمان .. ولهذا يتوجب على العقل ألا يتسرع فى أية خطوة قبل أن يتأكد بنفسه أن كل الظروف مهيئة لاستقبال هذا الضيف الجديد على حياته .. الحب

ما هى تلك الظروف؟؟ الحديث فى هذه النقطة قد يطول جداً وقد يستمر النقاش فيه إلى أبد الآبدين دون أن ينتهى أحد من كلامه ودون أن يعيد أحدهم شيء قد قاله من قبل، ولكننى قد أكتفى الآن بما أراه كافياً لعلاقة سوية عاقلة فرصتها فى النجاح قد تتعدى حداً آمناً إلى حد مقبول .. يمكننا أن نبدأ بمدى إستعدادك للتضحية من أجل الطرف الآخر ومن أجل إتمام العلاقة وتكليلها بالنجاح .. الكثير يظنون ظناً خاطئاً أنهم على أتم استعداد أن يضحوا بكل غالٍ ورخيص من أجل شيء كهذا ، ولكن فى الواقع قد نجد الكثير منهم يترددون حين يحين حين التردد .. وكثير منهم يتراجعون وقتما يأتى وقت "التراجع الآن أو الإستمرار للأبد" .. وكثير منهم يستسلمون فور ما يقابلون الصعوبات الأولى .. عندما كنت صغيراً قال لى والدى رحمه الله أن فرص العمل كثيرة .. فقط ذوى المهارة هم القليلون .. فرص قصص الحب الناجحة كثيرة .. فقط من هم مأهلون نفسياً لأن يتعاملون معها ويخلصون لها ويحاربون من أجلها هم القليلون.

عندما سألت أحدهم ما هو الحب؟ قال لى الحب هو شخصين قررا أن يقضيا ما تبقى من عمرهما محاولين كل منهما أن يسعد الآخر بكل ما أوتى من استطاعة .. والنتيجة .. شخصان سعيدان

هنا يكمن السر الأكبر وراء حل هذه الأحجية الكبيرة التى دائماً ما نعجز عن حلها حول ماهية الحب .. الحب هو الحب كيفما يراه كل منا وكيفما يريده ويحتاجه ويبرع فيه كل منا .. المهم هو كم نستطيع أن نعطى دون انتظار المقابل؟؟ فالمقابل يأتى دائماً .. ولكن كم من الصبر تتمتع به كى تنتظره؟ كم من الشجاعة يحمل قلبك كى تناضل من أجل أن تقاوم الصعوبات التى ستواجهها؟ لماذا برأيك لم تنتهى الصعوبات بالزواج بل صارت تبدأ؟؟

الزواج هو الإختبار الحقيقى والأخير فى رأيى لطرفى أى علاقة حب شريفة وطاهرة .. قد يعترض البعض على فكرة أن تكون هناك علاقة شريفة وطاهرة قبل الزواج وأنه بالتأكيد للشيطان دخل فى ذلك ولكن دعنى أتطرق إلى هذا الأمر لاحقاً ورجاءاً تغاضى عن هذه المشكلة الآن وتظاهر معى بأنك توافقنى الرأى فى أن الزواج هو الإختبار الحقيقى .. لماذا؟ الجواب بسيط .. لأن هناك نوعان من الحب .. أو لنقل بشكل أفضل أن هناك تفسيران لما قد نظن أنه حب .. التفسير الأول أنه حب .. والتفسير الثانى أنه مجرد رغبة فى الحب

الحب بسيط .. مشاعر راقية .. لا وجود للعنف فيها ولا الرغبات الدنيئة .. من يحب فتاة لا يريد أن يمسها قبل أن يتزوجها .. هو ببساطة لا يريد .. قد يريد بداخله ولكنه لا يفعل أو حتى يبوح بمثل هذا الأمر .. الحب جنون إن لم يعقله العقل طاح ودمر .. وإن قيده بشده فسد وتعفن

الحب يبقى بعد الزواج لفترات طويلة جداً فى الغالب تمتد حتى يتوفى الله الطرفين .. أما الرغبة فى الحب فأغلب الأوقات تنتهى بالخطوبة أو فى خلال العام الأول من الزواج على الأكثر .. وقد ينتهى معها الزواج أو لا طبقاً لظروف ومعايير كثيرة لسنا بصددها الآن .. مما يجعلنا نشدد بقوة على أهمية إختيار الطرف الآخر بعناية .. وهذا قد يدفعنا إلى سؤال جديد .. كيف يتم إختيار الطرف الآخر؟

فى هذا الصدد كتب آلاف من كتب آلاف السطور .. ولكننى هنا كما توقعتم سأكتفى بما أراه كافياً .. ربما يكفى أن نعود بضعة سطور إلى الوراء ..

" عندما سألت أحدهم ما هو الحب؟ قال لى الحب هو شخصين قررا أن يقضيا ما تبقى من عمرهما محاولين كل منهما أن يسعد الآخر بكل ما أوتى من استطاعة .. والنتيجة .. شخصان سعيدان"

إن كان الحب حقاً شيء قابل للتفكير المنطقى مثله كمثل أى من الأمور المنطقية .. فلماذا لا نطبق عليه كافة قواعد التفكير المنطقى؟ دعونا أولاً نعود قليلاً إلى أحد أحاديث أكرم الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حين كان يتحدث عن إختيار الزوجة .. لماذا ختم سيد الخلق حديثه بقوله "فاظفر بذات الدين تربت يداك"؟ .. مروراً سريعاً بالمعنى السامى وراء كلمة "فاظفر" تشبيهاً لذات الدين بأنها غنيمة انتصار فى معركة من غلوها وقيمتها .. ودون الإنتهاء عند قوله "تربت يداك" الذى اختلف المفسرون حول تفسيرين كل منهما أجمل من الآخر .. يكفينا فى هذا المقال الخفيف أن نخرج بكلمة "ذات الدين" .. ودعونا نذهب سريعاً إلى حديث آخر لذات الرجل .. سيد الخلق .. أصدق الناطقين .. "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ..." أو كما قال إلى آخر الحديث

هذا هو المعيار الأول الذى لا خلاف حوله .. كل دواعى التفكير المنطقى تقف عاجزة حول تكذيب مثل هذا المعيار المنطقى .. الدين .. هل الدين هو المعيار الوحيد؟ أو دعونا نقول .. هل يكفى الدين أن يكون المعيار الوحيد؟؟ الدين معيار قوى يجعله كافياً فى أغلب الأحيان أن يتم على أساسه فقط الأختيار .. وإلا ما كان ذكره الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وفى بعض الأحيان تكون بعض المعايير الأخرى باعثة على الإطمئنان بجانب هذا المعيار الأساسى الذى لا غنى عنه ، وأحد هذه المعايير أجده مهم جداً وسأكتفى بالحديث عنه

حيث أن الحب مجرد قرار يقرره كل من الطرفين أن يسعد كل منهما الآخر حتى نهاية العمر .. فلماذا لا تختر من يريد سعادتك؟ بين كل من حولك .. ستجد أناساً يحبونك حباً عظيماً ويتمنون لك الخير دائماً .. تستطيع بسهولة أن تصنع تابعين لقيادتك القوية .. أو سعداء بصحبتك اللذيذة .. أو خائفين من غضبتك التى لا ترحم .. ولكنه من المستحيل أن تزرع حبك فى قلوب من حولك .. فقط الله هو القادر أن يقذف حبك فى قلوب عباده الذى يقلب قلوبهم بين كفيه .. هؤلاء تجدهم يريدون دائماً أن يعطوك لا أن يأخذوا منك .. بل أنهم أغلب الأوقات يرفضون أن يأخذوا منك حتى لا يكونوا عبئاً عليك بأى شكل .. هؤلاء هم الغنيمة الحقيقية ..

أعتقد أننى بهذا الشكل قد رددت على من قد يعترض على نبرة "علاقة شريفة طاهرة قبل الزواج" .. ودعنا نقول أنه مهما حدث سيظل الشباب كل يوم يقولون للفتيات كم يحبونهم وكم يتمنون اللحظة التى تجمع بينهم فى الحلال .. وكل لحظة يمر كل منا بتجارب مريرة بسبب عدم فهمه للحب .. تجارب قد تضره وقد تضر من معه وقد يمتد ضررها إلى آفاق لا يتخيلها كل منهما

فى هذا المقال الخفيف حاولت بقدر استطاعتى أن أصف ما فهمت عن الحب فى ضوء فهمى المتواضع بناء على التجارب التى سواء عشتها أو رأيتها حولى أو قرأت عنها فى قصص رومانسية .. أتمنى أن أكون قد صنعت فارقاً ولو بسيطاً فى فهم كل من قرأ هذا المقال يجعله قادراً على أن يحلل بنفسه الأمر ويصل وحده إلى معتقداته الشخصية التى يبنيها على تجاربه التى سواء عاشها أو رآها حوله .. وحتى ألقاكم مرة أخرى فى مقال آخر .. إليكم منى السلام